الأعاصير والعواصف في عصر تغير المناخ

كيف يعيد الاحترار العالمي تشكيل المخاطر الطبيعية؟

قراءة علمية في تحولات شدة العواصف والأمطار والفيضانات والمخاطر الساحلية

شبكة بيئة أبوظبي، مصطفى بنرامل (*) ، خبير بيئي، رئيس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ، المملكة المغربية، 22 سبتمبر 2026

الملخص
لم تعد الأعاصير والعواصف ظواهر جوية قصوى يمكن تقييم خطورتها اعتماداً على سرعة الرياح وحدها، بل أصبحت جزءاً من منظومة أكثر تعقيداً من المخاطر المناخية المركبة والمتسلسلة. فارتفاع درجة حرارة الغلاف الجوي والمحيطات، وزيادة قدرة الهواء على الاحتفاظ ببخار الماء، وارتفاع مستوى سطح البحر، وتغير بعض خصائص الدورة الهيدرولوجية، كلها عوامل تؤثر في طبيعة المخاطر المرتبطة بالعواصف والفيضانات الساحلية والنهرية والحضرية.

وتشير الأدلة العلمية إلى أن تغير المناخ لا يعني بالضرورة زيادة العدد الإجمالي للأعاصير المدارية عالمياً، لكنه يرتبط باتجاهات أكثر وضوحاً نحو زيادة شدة هطول الأمطار المصاحبة للأعاصير، وارتفاع متوسط شدة الأعاصير، وارتفاع نسبة الأعاصير التي تبلغ الفئتين 4 و5، وارتفاع مستويات الغمر الساحلي نتيجة ارتفاع مستوى البحر (IPCC, 2021; Knutson et al., 2020). وتقدر دراسة مرجعية أن احتراراً عالمياً قدره °C2 يمكن أن يرتبط بزيادة وسيطية تقارب 14% في معدلات هطول الأمطار المرتبطة بالأعاصير المدارية، وبزيادة تقارب 5% في أقصى سرعة رياح مستمرة، مع نطاق يراوح بين 1 و%10 في الدراسات عالية الدقة (Knutson et al., 2020).

وتكتسب هذه التحولات أهمية خاصة بالنسبة إلى الدول الساحلية، ومنها المغرب ودول عربية عدة، حيث يتقاطع تغير المناخ مع التوسع الحضري، وتزايد قيمة الأصول والبنية التحتية في المناطق الساحلية، وتدهور بعض النظم البيئية، وارتفاع مستويات التعرض والهشاشة. ومن ثم، فإن إدارة مخاطر العواصف لم تعد قضية مرتبطة بالتنبؤ الجوي فقط، بل أصبحت قضية تخطيط عمراني، وبنية تحتية، وإنذار مبكر، وعدالة مناخية، وحلول قائمة على الطبيعة وتمويل للتكيف والمرونة.

الكلمات المفتاحية: الأعاصير؛ العواصف؛ تغير المناخ؛ الاحترار العالمي؛ الفيضانات؛ العاصفة البحرية؛ ارتفاع مستوى البحر؛ المرونة المناخية؛ الإنذار المبكر؛ المغرب.

مقدمة: عندما يتغير المناخ تتغير طبيعة الكارثة
عرفت المجتمعات البشرية الأعاصير والعواصف منذ آلاف السنين، إلا أن التحدي الذي يفرضه القرن الحادي والعشرون يتجاوز مجرد رصد الظواهر الجوية القصوى. فالسؤال لم يعد فقط: هل تحدث العواصف؟ وإنما أصبح: هل تغير المناخ الظروف الفيزيائية التي تتشكل فيها هذه العواصف، وبالتالي حجم الخطر الذي يمكن أن تنتجه؟ تؤكد الأدلة العلمية أن تغير المناخ لا “يصنع” كل إعصار أو عاصفة، لأن هذه الظواهر تتأثر بعوامل طبيعية متعددة، وإنما يؤدي الاحترار العالمي الناتج أساساً عن الأنشطة البشرية إلى تغيير البيئة الفيزيائية التي تتشكل فيها بعض العواصف (IPCC, 2021).

ويظهر أحد أهم مسارات التأثير في العلاقة بين حرارة المحيطات والرطوبة وشدة الهطول. فالغلاف الجوي الأكثر دفئاً يستطيع، في الظروف المناسبة، احتجاز كمية أكبر من بخار الماء؛ وتوفر علاقة كلاوزيوس–كلابيرون أساساً فيزيائياً تقريبياً لزيادة قدرة الهواء على حمل بخار الماء بنحو 7% لكل درجة مئوية من الاحترار، مع اختلاف الاستجابة الفعلية بحسب الظروف الجوية (IPCC, 2021).

وبذلك، يؤدي الاحترار المتزايد للمحيطات إلى زيادة الرطوبة المتاحة في الغلاف الجوي، مما يعزز احتمالية هطول أمطار أكثر غزارة أثناء العواصف، ويرفع بدوره مخاطر الفيضانات، خاصة في المناطق الساحلية والأحواض الحضرية والفيضية؛ وهو ما قد يضاعف حجم الخسائر البشرية والاقتصادية والبيئية.

وفي المناطق الساحلية يضاف إلى ذلك عامل آخر شديد الأهمية:
ارتفاع مستوى البحر + العاصفة البحرية = ارتفاع محتمل في مستوى الغمر الساحلي.
وقد أكدت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) أن متوسط مستوى سطح البحر العالمي استمر في الارتفاع، وأن عام 2024 شهد مستويات قياسية في عدد من مؤشرات المناخ، في سياق استمرار ارتفاع حرارة المحيطات ومستوى البحر(WMO, 2025).

1- ماذا يقول العلم عن الأعاصير وتغير المناخ؟
تتميز الأدلة العلمية المتعلقة بالأعاصير بقدر من التعقيد، ولذلك من الضروري التمييز بين عدد الأعاصير وشدة الأعاصير والأمطار المرتبطة بها ومستوى الأضرار التي تنتج عنها. فوفق تقييمات IPCC، توجد ثقة متوسطة إلى مرتفعة في أن معدلات الهطول المرتبطة بالأعاصير المدارية سترتفع مع الاحترار العالمي، كما تشير الأدلة إلى أن متوسط شدة الأعاصير يمكن أن يزداد، وأن نسبة الأعاصير شديدة القوة، خصوصاً من الفئتين 4 و5، مرشحة للارتفاع (IPCC, 2021).
وتقدم دراسة Knutson et al. (2020) أرقاماً مهمة عند سيناريو احترار عالمي قدره °C2:

• نحو % 14 زيادة وسيطية في معدلات أمطار الأعاصير المدارية؛
• نحو % 5 زيادة في متوسط أقصى سرعة رياح مستمرة في الدراسات عالية الدقة، مع نطاق % 1–10؛
• زيادة وسيطية بنحو % 13 في نسبة الأعاصير التي تصل إلى الفئتين 4 و5؛
• احتمال انخفاض التواتر العالمي الإجمالي للأعاصير المدارية، مع استمرار عدم اليقين بشأن بعض المؤشرات الإقليمية.

وعليه، فإن القضية العلمية ليست ببساطة أن “العالم سيشهد أعاصير أكثر”، وإنما أن بعض الأعاصير التي تحدث مستقبلاً قد تكون أكثر قدرة على إنتاج الأمطار الغزيرة والرياح الشديدة والفيضانات الساحلية.
وهذه نقطة أساسية في فهم المخاطر المستقبلية:
• عدد الظواهر ليس المؤشر الوحيد للخطر؛ فخصائص الظاهرة وموقعها وتعرض السكان والهشاشة المؤسسية والبنية التحتية تحدد في النهاية حجم الكارثة.

1-1 المحيطات: المحرك الحراري للعواصف المدارية
تستمد الأعاصير المدارية جزءاً كبيراً من طاقتها من المحيطات الدافئة. ولذلك فإن ارتفاع درجة حرارة مياه المحيط يمكن أن يوفر ظروفاً أكثر ملاءمة للحفاظ على شدة العاصفة أو تعزيزها، عندما تتوافر بقية الظروف الديناميكية والجوية الملائمة. لكن العلاقة بين حرارة سطح البحر وشدة الإعصار ليست علاقة خطية بسيطة؛ إذ تتداخل معها الرطوبة، والرياح الرأسية، والبنية الداخلية للعاصفة، والتبادل الحراري بين المحيط والغلاف الجوي، وحركة النظام العاصفي.

ولهذا فإن الاحترار العالمي لا ينبغي أن يُفهم باعتباره عاملاً واحداً يرفع شدة كل عاصفة، بل باعتباره عاملاً يعيد تشكيل البيئة الحرارية والهيدرولوجية التي تعمل داخلها العاصفة. وهنا تكمن أهمية المقاربة المناخية الحديثة: فبدلاً من تحليل العاصفة كحدث منفصل، يجب تحليلها باعتبارها جزءاً من نظام مناخي–بيئي–اجتماعي مترابط.

1-2 الأمطار تصبح أكثر غزارة
من أهم التحولات التي تستحق اهتماماً خاصاً العلاقة بين ارتفاع الحرارة وكمية بخار الماء في الغلاف الجوي. فكلما ارتفعت درجة حرارة الهواء، ازدادت قدرته النظرية على الاحتفاظ ببخار الماء. وعندما تتوافر آليات الرفع والتكاثف، يمكن أن تتحول هذه الرطوبة الإضافية إلى هطول أكثر غزارة.

وتكتسب هذه الحقيقة أهمية خاصة بالنسبة إلى الأعاصير؛ إذ تشير إسقاطات النماذج إلى زيادة معدلات هطول الأمطار القريبة من مركز الإعصار مع ارتفاع الاحترار العالمي. وتقدر دراسة Knutson et al. (2020) زيادة وسيطية تقارب 14% في أمطار الأعاصير عند احترار عالمي قدره °C 2. وهذا يعني أن تقييم الخطر لا ينبغي أن يتوقف عند السؤال: ما سرعة الرياح؟
بل يجب أن يطرح أسئلة أكثر ارتباطاً بالكارثة الفعلية: كمية الأمطار؟ أين ستسقط؟ خلال كم ساعة؟ ما حالة التربة؟ ما مستوى الأنهار؟ وما قدرة شبكات التصريف والأحواض المائية على استيعابها؟
في كثير من الحالات، قد تكون المياه الناتجة عن العاصفة أكثر فتكاً من الرياح نفسها.

1-3 من إعصار قوي إلى إعصار شديد الأمطار
قد لا يكون الإعصار الأعلى تصنيفاً من حيث الرياح هو بالضرورة العاصفة التي تنتج أكبر خسائر في منطقة معينة. فالإعصار أو العاصفة يمكن أن تتحول إلى كارثة واسعة عندما تتزامن مع: أمطار استثنائية، بطء حركة النظام العاصفي، تشبع التربة، ارتفاع منسوب الأنهار، تضاريس جبلية أو أودية ضيقة، توسع عمراني في المناطق المنخفضة، ضعف شبكات تصريف المياه. ومن هنا يجب أن تنتقل إدارة مخاطر العواصف من تصنيف الظاهرة إلى تقييم الخطر المتعدد الأبعاد. فالعاصفة لا تكون خطرة فقط لأنها قوية، وإنما لأنها قد تضرب مجتمعاً شديد التعرض والهشاشة في وقت ومكان غير ملائمين.

1-4 الاشتداد السريع: عندما ينكمش زمن الاستجابة
يمثل الاشتداد السريع Rapid Intensification أحد التحديات المهمة أمام أنظمة الإنذار المبكر. ويقصد به ازدياد سريع في قوة الإعصار خلال فترة قصيرة، وهو تطور يمكن أن يقلل الزمن المتاح أمام السلطات والسكان للاستعداد أو الإجلاء. وتشير تقييمات IPCC إلى وجود دلائل على زيادة محتملة في بعض جوانب الاشتداد السريع خلال العقود الماضية، مع استمرار عدم اليقين في حجم الاتجاه وتوزيعه الجغرافي (IPCC, 2021). وتكمن المشكلة في أن نظام الإنذار لا يحتاج فقط إلى معرفة أين سيتحرك الإعصار، وإنما يحتاج بصورة متزايدة إلى معرفة: كيف ستتغير شدته؟ وبأي سرعة؟
وهذا يفرض تطوير نظم التنبؤ من مجرد التنبؤ بالمسار إلى التنبؤ المتكامل بالمسار والشدة والأمطار والعاصفة البحرية والفيضانات المحتملة.

1-5 هل ستصبح الأعاصير أكثر عدداً؟
هذه واحدة من أكثر النقاط التي تحتاج إلى الدقة العلمية. الإجابة ليست نعم بصورة مطلقة. فالتقييمات العلمية تشير إلى أن التغير في العدد الإجمالي للأعاصير المدارية عالمياً أكثر عدم يقينا من التغير في شدة الأمطار أو ارتفاع مستوى الغمر الساحلي. وفي المقابل، توجد أدلة أكثر اتساقاً على ارتفاع شدة بعض الأعاصير وعلى زيادة نسبة الأعاصير شديدة القوة (Knutson et al., 2020; IPCC, 2021).

لذلك فإن الرسالة العلمية الأكثر دقة هي: ليس بالضرورة أن يشهد العالم أعاصير أكثر عدداً، لكن بعض الأعاصير قد تصبح أكثر شدة وأشد مطراً، بينما يؤدي ارتفاع مستوى البحر إلى زيادة مخاطر الغمر الساحلي.
وهذا التحول في فهم الخطر مهم جداً بالنسبة إلى السياسات العامة، لأن التركيز على العدد وحده قد يخفي ارتفاع الخطر الكلي.

1-6 ارتفاع مستوى البحر: مضاعف للمخاطر الساحلية
يعد ارتفاع مستوى سطح البحر أحد أكثر العوامل وضوحاً في العلاقة بين تغير المناخ والفيضانات الساحلية. فحتى إذا بقيت خصائص العاصفة ثابتة، فإن ارتفاع خط الأساس لمستوى البحر يعني أن العاصفة تبدأ من مستوى مائي أعلى.
وتشير دراسة Knutson et al. (2020) إلى أن ارتفاع مستوى البحر المصاحب للاحترار سيؤدي إلى مستويات أعلى من الغمر الناتج عن العواصف، حتى مع ثبات بقية خصائص العاصفة.

وعلى المستوى العالمي، سجل متوسط مستوى سطح البحر استمراراً في الارتفاع. ووفق المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، بلغ معدل الارتفاع العالمي خلال فترة قياسات الأقمار الصناعية منذ 1993 حتى نهاية 2024 نحو 3.45 ± 0.3 ملم سنوياً. كما سجلت بعض مناطق العالم العربي معدلات أعلى من المتوسط العالمي، مع تقديرات تقارب 4 ملم سنوياً في البحر الأحمر والخليج العربي والساحل الصومالي، مقابل نحو 3 ملم سنوياً على أجزاء من ساحل شمال إفريقيا المتوسطي (WMO, 2025).
وهكذا يصبح ارتفاع مستوى البحر عاملاً مضاعفاً للخطر وليس مجرد مؤشر مناخي بعيد عن الحياة اليومية.

1-7 الفيضانات المركبة: عندما تتراكم الأخطار
من أكثر المفاهيم أهمية في إدارة مخاطر الكوارث الحديثة مفهوم الفيضانات المركبة Compound Flooding.
فقد تجتمع في حدث واحد:
أمطار غزيرة + عاصفة بحرية + ارتفاع مستوى البحر + ارتفاع منسوب النهر + ضعف تصريف المياه.

وفي هذه الحالة لا يكون الخطر مجرد مجموع المخاطر الفردية، بل يمكن أن تتفاعل هذه العوامل بطريقة تؤدي إلى تفاقم الأثر. وتصبح هذه المسألة شديدة الأهمية في المدن الساحلية الواقعة عند مصبات الأنهار والسهول الفيضية، حيث يمكن أن يؤدي ارتفاع البحر إلى إعاقة تصريف مياه الأمطار، بينما تؤدي الأمطار الغزيرة إلى رفع منسوب الأنهار والمجاري المائية.
إن التخطيط المناخي الحديث مطالب، لذلك، بالانتقال من خرائط “الخطر المنفرد” إلى خرائط المخاطر المركبة.

1-8 العاصفة لا تنتهي عند الساحل
من الأخطاء الشائعة اختزال خطر العاصفة في لحظة وصولها إلى الساحل. فالآثار يمكن أن تمتد عشرات أو مئات الكيلومترات إلى الداخل من خلال:

وتكشف الأحداث المناخية الشديدة عن سلسلة مترابطة من المخاطر والآثار المتتابعة؛ إذ قد تؤدي الأمطار الغزيرة إلى فيضانات نهرية، تتفاقم معها مخاطر الانهيارات الأرضية وانجراف التربة، وما يترتب على ذلك من انقطاع الطرق وتعطل شبكات الكهرباء والاتصالات. ومع تضرر البنية التحتية وتعطل الخدمات الأساسية، تتسع دائرة التأثير لتشمل الصحة العامة والأمن الاجتماعي والاقتصادي، بما يجعل الكارثة المناخية لا تقتصر على ظاهرة طبيعية عابرة، بل تتحول إلى أزمة متعددة الأبعاد تمتد آثارها عبر قطاعات ومجالات مترابطة.
وهذا ما يمكن وصفه بـ التأثيرات المتسلسلة Cascade of Impacts.، فالكارثة الحديثة ليست حدثاً واحداً، وإنما سلسلة من الاضطرابات التي قد تبدأ بظاهرة جوية وتنتهي بأزمة في النقل والطاقة والمياه والصحة والاقتصاد.

1-9 العواصف الرعدية والأمطار القصوى: الخطر يتجاوز الأعاصير المدارية
لا ينبغي اختزال النقاش المناخي في الأعاصير المدارية، خصوصاً بالنسبة إلى البلدان التي لا تقع في المناطق الرئيسية لنشوء هذه الأعاصير. فارتفاع درجات الحرارة يؤثر في الظروف المرتبطة بالأمطار الشديدة والعواصف الرعدية والفيضانات المفاجئة، وإن كانت درجة الثقة العلمية تختلف باختلاف المنطقة ونوع الظاهرة. وتؤكد تقارير IPCC أن شدة أحداث الهطول المتطرف تميل إلى الارتفاع مع الاحترار في عدد كبير من المناطق، مع اختلاف الأنماط الإقليمية (IPCC, 2021).
ومن ثم فإن الدول التي لا تواجه الأعاصير المدارية بصورة مباشرة لا يمكنها اعتبار نفسها خارج منظومة المخاطر المناخية.

2- العالم العربي: واجهات بحرية ومخاطر متعددة
يمتلك العالم العربي واجهات بحرية واسعة تمتد عبر الأطلسي والمتوسط والبحر الأحمر والخليج العربي وبحر العرب والمحيط الهندي. وتتفاوت طبيعة المخاطر من منطقة إلى أخرى، وتشمل: العواصف المدارية في بعض المناطق، العواصف الرعدية، الأمطار القصوى، السيول والفيضانات المفاجئة، العواصف البحرية، ارتفاع مستوى البحر، التعرية الساحلية.
وتظهر أهمية هذا الموضوع في ظل استمرار ارتفاع مستوى البحر في أجزاء من المنطقة العربية بمعدلات تفوق المتوسط العالمي في بعض المناطق (WMO, 2025).
لذلك، فإن الاستعداد لا ينبغي أن يركز فقط على سيناريو “الإعصار المداري”، وإنما على الطيف الكامل للمخاطر الهيدرومناخية والساحلية.

2-1 إعصار شاهين: درس إقليمي في تعقيد المخاطر
قدم إعصار شاهين الذي أثر في سلطنة عمان عام 2021 مثالاً على قدرة العواصف المدارية على إنتاج تأثيرات واسعة في المنطقة العربية، بما في ذلك الأمطار الغزيرة والفيضانات وتعطل البنية التحتية.
والدرس الأهم ليس فقط في قوة الإعصار، وإنما في ضرورة تطوير نظم إدارة المخاطر بما يأخذ في الاعتبار تفاعل الظاهرة الجوية مع التضاريس والتجمعات السكانية والبنية التحتية وقدرة أنظمة التصريف والاستجابة. وهذا يؤكد أن الجغرافيا العربية لا يمكن التعامل معها باعتبارها منطقة متجانسة من حيث المخاطر.

2-2 المغرب: العواصف والفيضانات في سياق مناخي متغير
بالنسبة إلى المغرب، لا تتمثل المخاطر الرئيسية عادة في الأعاصير المدارية الكلاسيكية، وإنما في مجموعة من المخاطر الهيدرومناخية والساحلية، من بينها: العواصف الأطلسية والمتوسطية، العواصف الرعدية، الأمطار الغزيرة، السيول والفيضانات المفاجئة، الرياح القوية، ارتفاع الأمواج، الفيضانات الساحلية والنهرية والحضرية.

وتشير تحليلات البنك الدولي إلى أن المغرب من البلدان الأكثر تعرضاً للمخاطر الطبيعية والمناخية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وأن الفيضانات تمثل أحد أهم مصادر الخطر. كما تقدر خسائر الكوارث في المغرب بأكثر من 575 مليون دولار سنويا وفق تقديرات البنك الدولي.

وتشير بيانات البنك الدولي كذلك إلى أن أكثر من 300 مشروع للحد من مخاطر الكوارث تم تمويلها في المغرب خلال الفترة 2016–2025 بقيمة تتجاوز 408 ملايين دولار، في إطار التحول التدريجي من الاستجابة بعد وقوع الكارثة إلى بناء المرونة والوقاية والاستعداد.
كما أصبح نظام الإنذار المبكر من الفيضانات عملياً منذ 2023 في أربع مناطق تجريبية، ويستفيد منه نحو 240 ألف شخص، وهو تقدم مهم، مع بقاء الحاجة إلى توسيع نطاق التغطية وتحسين وصول الإنذارات إلى المستخدمين النهائيين.

3- التوسع الحضري: عندما تتحول الأمطار إلى فيضانات
تتضاعف مخاطر العواصف عندما تتوسع المدن فوق الأراضي الطبيعية القادرة على امتصاص المياه وتخزينها. ويؤدي البناء فوق: السهول الفيضية، مجاري الأودية، الأراضي الرطبة، مناطق التجميع الطبيعي للمياه، الأراضي الزراعية المحيطة بالمدن.

إلى تقليص قدرة المجال الحضري على استيعاب مياه الأمطار. ويصبح الوضع أكثر تعقيداً عندما تكون شبكات تصريف مياه الأمطار غير مصممة وفق خصائص الأمطار المستقبلية أو عندما تكون قدرتها الاستيعابية محدودة.
ولهذا فإن التخطيط الحضري أصبح جزءاً من سياسة التكيف المناخي، وليس مجرد قضية هندسية محلية.

3-1 البنية التحتية: هل نصمم للماضي أم للمستقبل؟
يطرح تغير المناخ سؤالاً استراتيجياً أمام المهندسين والمخططين: هل المنشآت التي نصممها اليوم قادرة على العمل في مناخ 2050 و2100؟

إذا تم تصميم شبكة صرف أو جسر أو طريق اعتماداً على بيانات تاريخية فقط، فقد تصبح معايير التصميم غير كافية عندما تتغير شدة الأمطار أو ترتفع مستويات البحر. لذلك ينبغي إدماج السيناريوهات المناخية في تصميم: شبكات تصريف مياه الأمطار، الجسور، الطرق، الموانئ، محطات الكهرباء، المستشفيات، المطارات، السدود، شبكات الاتصالات.
وتتطلب هذه المقاربة الانتقال من مفهوم البنية التحتية المقاومة لظروف الماضي إلى مفهوم البنية التحتية المرنة أمام مناخ المستقبل.

3-2 الإنذار المبكر: من المعلومة إلى القرار
يعد الإنذار المبكر أحد أهم أدوات الحد من الخسائر، لكنه لا يقتصر على إرسال رسالة هاتفية. ففعالية منظومة الإنذار المبكر تعتمد على “سلسلة متكاملة تبدأ بالرصد المستمر للظواهر الجوية والمائية، ثم التنبؤ بتطورها وتقييم مستوى الخطر المحتمل، وصولًا إلى إصدار تحذيرات واضحة وفي الوقت المناسب وضمان وصولها إلى السكان، ولا سيما الفئات الأكثر تعرضًا للمخاطر. ولا تكتمل فعالية هذه المنظومة بمجرد إصدار التحذير، بل تتطلب تحويله إلى استجابة ميدانية سريعة ومنظمة، تشمل تفعيل خطط الطوارئ، وتأمين السكان والممتلكات، واللجوء إلى الإجلاء عند الضرورة. وبالتالي، فإن قيمة الإنذار المبكر تقاس ليس فقط بقدرته على التنبؤ بالخطر، وإنما بقدرته على تحويل المعلومات المناخية إلى قرار وقائي وفعل منقذ للحياة”.

وبالتالي فإن نجاح نظام الإنذار يقاس ليس فقط بدقة التنبؤ، وإنما أيضاً بمدى وصول المعلومة إلى الفئات المعرضة للخطر وقدرتها على تحويلها إلى سلوك وقائي. وقد أكدت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن الإنذارات المبكرة والخدمات المناخية تمثل عناصر أساسية لحماية المجتمعات والاقتصادات من آثار الطقس والمناخ المتطرف (WMO, 2025).

4- الذكاء الاصطناعي: فرصة جديدة للتنبؤ بالمخاطر
يفتح الذكاء الاصطناعي آفاقا جديدة أمام إدارة مخاطر العواصف، خصوصا في:
• تحليل صور الأقمار الصناعية؛
• التعرف المبكر على أنماط تشكل العواصف؛
• تتبع مسار النظام العاصفي؛
• تقدير التغيرات في شدة العاصفة؛
• تحسين التنبؤ بالأمطار؛
• تحديد المناطق المحتمل تعرضها للفيضانات؛
• دعم قرارات الإجلاء والاستجابة.

لكن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يحل محل شبكات الرصد والبيانات عالية الجودة والمؤسسات المختصة.
ويمكن تلخيص المعادلة في:
بيانات موثوقة + نماذج علمية قوية + بنية رقمية + مؤسسات جاهزة = إنذار أكثر فعالية.
والتحدي الحقيقي بالنسبة للدول النامية ليس فقط اقتناء التكنولوجيا، وإنما بناء منظومة وطنية للبيانات والمراقبة والتنبؤ واتخاذ القرار.

5- الحلول القائمة على الطبيعة: عندما تصبح حماية البيئة سياسة للحد من الكوارث
لا ينبغي النظر إلى النظم البيئية باعتبارها ضحية للمخاطر فقط؛ فهي يمكن أن تكون أيضاً جزءاً من الحل. وتشمل الحلول القائمة على الطبيعة: الأراضي الرطبة، الكثبان الرملية، غابات المانغروف، الشعاب المرجانية، السواحل الطبيعية، المساحات الخضراء الحضرية، استعادة الأحواض والمجاري المائية. ويمكن لهذه النظم أن تسهم، بحسب الموقع والنظام البيئي، في الحد من طاقة الأمواج، وتخزين المياه، وتقليل جريانها السطحي، وتحسين جودة البيئة وتعزيز التنوع البيولوجي. ومن هنا يمكن صياغة رسالة أساسية: استعادة الطبيعة ليست فقط سياسة لحماية التنوع البيولوجي؛ إنها أيضا استثمار في الحد من مخاطر الكوارث وبناء المرونة المناخية.

6- العدالة المناخية: من يتحمل تكلفة الكارثة؟
لا تتوزع آثار العواصف والفيضانات بالتساوي. فالفئات الأكثر فقراً قد تكون أكثر تعرضاً للمخاطر بسبب السكن في مناطق أقل أمناً، أو ضعف الوصول إلى الخدمات والبنية التحتية والتأمين، أو محدودية القدرة على التعافي بعد الكارثة.

وقد أظهرت دراسات المرونة الحضرية في المغرب أن الفئات الاجتماعية والاقتصادية الهشة، ولا سيما في بعض المناطق الطرفية ذات الخدمات المحدودة، يمكن أن تكون أكثر تعرضاً لمخاطر الفيضانات. ومن ثم، فإن سؤال السياسة العامة لا ينبغي أن يكون فقط: ما قوة العاصفة؟
بل أيضاً: من يعيش في منطقة الخطر؟ ومن يمتلك القدرة على الاستعداد؟ ومن يستطيع التعافي بعد الكارثة؟
وهنا تتحول إدارة مخاطر العواصف إلى قضية عدالة اجتماعية ومناخية.

7- نحو مؤشر مركب لمخاطر العواصف
انطلاقاً من الحاجة إلى تجاوز التصنيف التقليدي للعاصفة حسب سرعة الرياح فقط، يمكن اقتراح مؤشر مركب لمخاطر العواصف يجمع بين خصائص الظاهرة الجوية والتعرض والهشاشة والقدرة على الاستجابة. يعتمد تقييم الخطر على مجموعة من المكونات الموزونة، حيث تم تخصيص 20% لسرعة الرياح و %20 لشدة الأمطار، و15% للعاصفة البحرية و%15 لارتفاع مستوى البحر، بينما تمثل سرعة اشتداد الظاهرة % 10. ويُستكمل المؤشر بعناصر التعرض والهشاشة والقدرة على الاستجابة، بواقع 10% لتعرض السكان، و5% لهشاشة البنية التحتية، و5% لجاهزية الاستجابة، ليبلغ مجموع الأوزان 100%.

ملاحظة منهجية: هذه الأوزان تمثل مقترحا تحليليا من طرف الخبير البيئي مصطفى بنرامل محرر هذا المقال وليست مؤشرا دوليا معتمدا أو نتيجة لنموذج إحصائي مُعاير. ويحتاج اعتمادها عمليا إلى اختبار إحصائي، وبيانات محلية، وتحليل حساسية، وتشاور مع المؤسسات العلمية والسلطات المختصة.
والقيمة المضافة لهذا النهج هي الانتقال من السؤال: “ما فئة الإعصار؟”
إلى السؤال الأكثر ارتباطاً بإدارة الكوارث: “ما مستوى الخطر الذي سيواجهه السكان والأصول والخدمات؟”

8- نحو استراتيجية عربية متكاملة للتكيف
تحتاج الدول العربية إلى تعزيز سياسات التكيف مع العواصف والفيضانات عبر ثمانية محاور مترابطة:
• أولاً: تحديث خرائط المخاطر: إدماج السيناريوهات المناخية المستقبلية في خرائط الفيضانات والمخاطر الساحلية.
• ثانياً: تعزيز الرصد والأرصاد: تطوير شبكات الرادار والأقمار الصناعية ومحطات الرصد الأرضية.
• ثالثاً: تطوير الإنذار المبكر: إنشاء أنظمة متعددة القنوات تصل إلى السكان قبل وقوع الخطر بوقت كافٍ.
• رابعاً: بناء بنية تحتية مرنة: إعادة النظر في معايير التصميم الهندسي وفق مناخ المستقبل.
• خامساً: حماية السواحل: الجمع بين الحلول الهندسية والحلول القائمة على الطبيعة.
• سادساً: التخطيط الحضري الوقائي: الحد من البناء في المناطق شديدة التعرض للمخاطر.
• سابعاً: التربية والتوعية: إدماج ثقافة الحد من مخاطر الكوارث في المدارس والمجتمع المحلي.
• ثامناً: تمويل التكيف: رفع الاستثمارات في الوقاية والمرونة، وليس فقط في إعادة الإعمار بعد الكارثة.

9- المغرب: من إدارة الكوارث إلى بناء المرونة
يمتلك المغرب تجربة متنامية في مجال إدارة مخاطر الكوارث والتكيف المناخي. وتشير معطيات البنك الدولي إلى أن البلاد انتقلت تدريجياً من التركيز على الاستجابة بعد وقوع الكارثة إلى مقاربة أكثر استباقية تقوم على الحد من المخاطر والاستعداد والتمويل والحماية الاجتماعية.

كما تم تطوير مشاريع للحد من مخاطر الكوارث، وأنظمة للإنذار المبكر، ونماذج لتقييم المخاطر، واستراتيجيات للمرونة الحضرية. ويشكل نظام الإنذار المبكر من الفيضانات الذي بدأ تشغيله في أربع مناطق منذ 2023 خطوة مهمة في هذا المسار، لكنه يبرز أيضاً الحاجة إلى توسيع التغطية الجغرافية وتعزيز سلسلة الإنذار من الرصد إلى وصول الرسالة إلى المواطن.

ويقدر البنك الدولي أن تحقيق مسار مغربي منخفض الكربون وقادر على الصمود حتى خمسينيات القرن الحالي يتطلب استثمارات إجمالية تقدر بنحو 78 مليار دولار بالقيمة الحالية، ما يوضح أن المرونة المناخية ليست ملفاً بيئياً هامشياً، بل قضية اقتصادية وتنموية واستثمارية كبرى.

9-1 من إدارة الكوارث إلى إدارة المخاطر
يقوم النموذج التقليدي لإدارة الكوارث على مقاربة خطية تبدأ بوقوع العاصفة أو الظاهرة الخطرة، ثم تحولها إلى كارثة وما ينتج عنها من أضرار وخسائر، لتتبعها عمليات الإنقاذ والإغاثة، وتنتهي بإعادة البناء والتعافي، أي أن التدخل يتم أساسًا بعد وقوع الحدث، وفق مسار متسلسل يمكن التعبير عنه في صيغة مترابطة هي: العاصفة التي تتحول إلى كارثة، ثم الإنقاذ والإغاثة، وصولًا إلى إعادة البناء.

أما نموذج المرونة المناخية فيقوم على مقاربة استباقية ومتكاملة لا تقتصر على التدخل بعد وقوع الكارثة، بل تبدأ بفهم معرفة الخطر وتحديد مصادره ومظاهر التعرض والهشاشة، ثم اعتماد إجراءات الوقاية والتكيف للحد من آثاره، وتعزيز الاستعداد والقدرة على توقع المخاطر، وتفعيل أنظمة الإنذار المبكر، بما يتيح تنظيم الاستجابة الفعالة عند وقوع الحدث، وصولًا إلى تعافٍ مرن يعيد بناء الأفراد والمجتمعات والبنى التحتية بصورة أكثر قدرة على مواجهة المخاطر المناخية المستقبلية. وبذلك ينتقل التدبير من منطق التدخل بعد الكارثة إلى منطق الاستباق وبناء القدرة على الصمود.

وهذا التحول يحمل تغييراً جوهرياً في فلسفة العمل. فالهدف لم يعد فقط: إنقاذ الناس بعد وقوع الكارثة،
بل: تقليل عدد الأشخاص والأصول والخدمات التي تصل أصلاً إلى حالة الخطر.
إن كل درهم يستثمر في المعرفة والوقاية والتخطيط قد يقلل تكلفة الاستجابة وإعادة البناء مستقبلاً، ولذلك ينبغي النظر إلى التكيف باعتباره استثماراً في الأمن والتنمية وليس تكلفة إضافية.

10- خمسة دروس استراتيجية
• الدرس الأول: لا تساوِ بين عدد العواصف وحجم الخطر: لا تشير الأدلة إلى ضرورة ارتفاع العدد الإجمالي للأعاصير المدارية، بينما توجد أدلة أقوى على ارتفاع بعض مؤشرات الشدة والأمطار ونسبة الأعاصير شديدة القوة (IPCC, 2021; Knutson et al., 2020).
• الدرس الثاني: سرعة تغير العاصفة أصبحت عاملاً حاسما: الاشتداد السريع يمكن أن يقلص الوقت المتاح للاستجابة، ولذلك ينبغي أن تتطور أنظمة الإنذار من توقع المسار إلى توقع المسار والشدة ومعدلات تغيرهما.
• الدرس الثالث: ارتفاع البحر يغير خط الأساس للخطر: كل ارتفاع في مستوى البحر يجعل المناطق الساحلية تبدأ من مستوى مائي أعلى، وهو ما يزيد مخاطر الغمر أثناء العواصف.
• الدرس الرابع: الأمطار ليست أثراً ثانويا: في كثير من السيناريوهات، يمثل المطر والفيضان جزءاً مركزياً من الخطر، ولذلك يجب أن يكون التنبؤ بالهطول جزءاً أساسياً من إدارة العاصفة.
• الدرس الخامس: الكارثة نتيجة تفاعل الظاهرة والهشاشة: لا تحدد قوة العاصفة وحدها حجم الكارثة؛ بل يتحدد الأثر من خلال التفاعل بين الخطر والتعرض والهشاشة والقدرة على الاستجابة والتعافي.

الخاتمة: المعركة الحقيقية ليست ضد العاصفة
لا يعيد تغير المناخ رسم خريطة درجات الحرارة والأمطار والجفاف فقط، بل يعيد أيضاً تشكيل هندسة الكوارث الطبيعية. فالعاصفة، التي كان تقييم خطورتها يعتمد أساسًا على شدة الرياح، أصبحت اليوم تتطلب مقاربة أكثر شمولًا تأخذ في الاعتبار تداخل مجموعة من العوامل الطبيعية والبشرية والمجالية، من بينها كمية الأمطار، وسرعة اشتداد العاصفة، وشدة العاصفة البحرية، وارتفاع مستوى سطح البحر، ومدى تعرض السكان، وهشاشة البنية التحتية، فضلًا عن قدرة المجتمع والمؤسسات على الاستعداد والاستجابة والتعافي. وبذلك لم يعد الخطر المناخي مرتبطًا بقوة الظاهرة الطبيعية وحدها، وإنما أصبح نتاجًا لتفاعل شدة الخطر مع مستوى التعرض والهشاشة وقدرة الاستجابة.

وتشير الأدلة العلمية الحالية إلى أن الاحترار العالمي سيزيد بعض خصائص مخاطر الأعاصير المدارية، ولا سيما شدة الأمطار ومتوسط شدة الرياح ونسبة الأعاصير شديدة القوة، في حين تظل التغيرات في العدد الإجمالي للأعاصير أكثر عدم يقينا (IPCC, 2021; Knutson et al., 2020). وفي الوقت نفسه، فإن ارتفاع مستوى البحر يمثل عاملاً إضافياً يزيد من مخاطر الغمر الساحلي، بينما يؤدي التوسع الحضري غير المخطط وتدهور النظم البيئية وضعف البنية التحتية إلى تحويل الظاهرة الجوية إلى خسائر بشرية واقتصادية أكبر.

لذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست ضد الأعاصير والعواصف؛ فهي ظواهر طبيعية لا يمكن إلغاؤها. المعركة الحقيقية هي ضد الهشاشة التي تحول الظاهرة الجوية إلى كارثة إنسانية.
وهنا تكمن الرسالة الأساسية للمستقبل: كلما تغير المناخ، يجب أن تتغير معه طريقة تصميم مدننا، وبنيتنا التحتية، وأنظمة إنذارنا، وإدارة سواحلنا، واستثماراتنا، وعلاقتنا بالنظم البيئية.
إن الانتقال من “إدارة الكوارث” إلى “بناء المرونة قبل الكارثة” لم يعد خياراً تقنياً فحسب، بل أصبح شرطاً لحماية الأرواح والأصول واستمرارية الخدمات وتحقيق التنمية المستدامة.

وبالنسبة إلى المغرب والعالم العربي، فإن الاستثمار في العلم والرصد والإنذار المبكر، والبيانات والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية المرنة، والحلول القائمة على الطبيعة، والتخطيط الحضري، والتمويل المناخي، والمشاركة المجتمعية يمثل أحد المسارات الأساسية لتقليل الخسائر وبناء مجتمعات أكثر قدرة على مواجهة مناخ المستقبل.
فالخطر المناخي لا يبدأ عندما تصل العاصفة؛ بل يبدأ عندما نعرف أنها قادمة ولا نكون مستعدين لها.

المراجع
1. Intergovernmental Panel on Climate Change. (2021). Climate change 2021: The physical science basis. Contribution of Working Group I to the Sixth Assessment Report of the Intergovernmental Panel on Climate Change. Cambridge University Press.
2. Intergovernmental Panel on Climate Change. (2023). Climate change 2023: Synthesis report. IPCC.
3. Knutson, T., Camargo, S. J., Chan, J. C. L., Emanuel, K., Ho, C.-H., Kossin, J., Mohapatra, M., Satoh, M., Sugi, M., Walsh, K., & Wu, L. (2020). Tropical cyclones and climate change assessment: Part II: Projected response to anthropogenic warming. Bulletin of the American Meteorological Society, 101(3), E303–E322.
4. Liu, M., Vecchi, G. A., & Chavas, D. (2019). Tropical cyclone rainfall rates in a changing climate. npj Climate and Atmospheric Science, 2, 38.
5. National Oceanic and Atmospheric Administration / Geophysical Fluid Dynamics Laboratory. (2021). Climate change is probably increasing the intensity of tropical cyclones.
6. Walsh, K. J. E., Camargo, S. J., Knutson, T. R., Kossin, J., Lee, T., Murakami, H., & Patricola, C. (2019). Tropical cyclones and climate change. Tropical Cyclone Research and Review, 8(4), 240–250.
7. World Bank. (2022). Morocco Country Climate and Development Report. World Bank.
8. World Bank. (2024). From Disasters to Opportunities: Building a Resilient Future in Morocco. World Bank.
9. World Bank. (2026). Morocco Leads the Way in Protecting People and Communities from Disasters. World Bank.
10. World Meteorological Organization. (2025). State of the Global Climate 2024. WMO.
11. World Meteorological Organization. (2025). State of the Climate in the Arab Region 2024. WMO.

(*) مصطفى بنرامل
خبير واستشاري في مجالات البيئة والمناخ والتنمية المستدامة، يمتلك خبرة مهنية وميدانية تتجاوز خمسة وعشرين عامًا (25) في التخطيط البيئي، وبناء القدرات، وتصميم البرامج والمشاريع التنموية، وقيادة المبادرات الرامية إلى تعزيز الاستدامة والقدرة على التكيف مع التغيرات المناخية. حاصل على دبلوم الدراسات العليا المعمقة في المجال البيئي من جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، وشهادة مكون المكونين (Training of Trainers) المعتمدة من جامعة أوريغن الأمريكية، إضافة إلى شهادة في تدبير الكوارث الطبيعية من الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، وشهادة مكون المكونين في الإسعافات الأولية من الهلال الأحمر المغربي، وشهادة تكوين المكونين في المجال البيئي والمحافظة على الثروات الطبيعية من كتابة الدولة المكلفة بالتنمية المستدامة، فضلاً عن شهادة مكون تربوي من وزارة التربية الوطنية.
أسهم في إعداد الدراسات والأبحاث العلمية، وتطوير الأدلة والحقائب التكوينية، وتأطير البرامج الوطنية والدولية في مجالات التربية البيئية، والعمل المناخي، والحوكمة البيئية، وإدارة مخاطر الكوارث، بما يجعله من الكفاءات المغربية المتخصصة في قضايا البيئة والتنمية المستدامة.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

الإعلام البيئي ودوره في مواجهة المعلومات المضللة حول المناخ

نحو صحافة مناخية قائمة على الأدلة وتعزيز الثقة والوعي المجتمعي شبكة بيئة أبوظبي، مصطفى بنرامل …

اترك تعليقاً