• من نبات سريع النمو إلى خامة واعدة لصناعة الغزل والنسيج المستدام
• بين القطن والخيزران.. هل يكون المستقبل في التكامل بين الألياف وليس استبدالها؟
شبكة بيئة ابوظبي، إعداد: المهندسة ولاء محمود الحصري، مؤسسة مهندسون من أجل مصر المستدامة، بالتعاون مع مجلة إسكندرية 2050،
تبحث صناعة الغزل والنسيج عالميًا عن خامات جديدة يمكن أن تدعم التحول نحو إنتاج أكثر استدامة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على جودة الخيوط والأقمشة وخواص الراحة والمتانة. وفي هذا السياق برز الخيزران (Bamboo) باعتباره موردًا نباتيًا متجددًا يمتلك إمكانات متعددة في التطبيقات النسيجية.، لكن التعامل مع الخيزران باعتباره «خامة مستدامة» يحتاج إلى قدر من الدقة؛ لأن نوع الليف وطريقة تحويل النبات إلى مادة نسيجية يؤثران بصورة مباشرة في خواص المنتج وأثره البيئي.
أولًا: ما هو الخيزران وما الذي يجعله مناسبًا للأبحاث النسيجية؟
الخيزران نبات عشبي ينتمي إلى الفصيلة النجيلية، وتختلف تركيبة سيقانه وفق النوع والعمر وظروف النمو. ويشكل السليلوز الجزء الأساسي من تركيب الليف، إلى جانب الهيميسليلوز واللجنين ومكونات أخرى..
ومن أهم أسباب الاهتمام بالخيزران: سرعة نمو العديد من أنواعه، وقدرته على التجدد بعد الحصاد، وإمكانية استخدامه كمصدر للسليلوز، وتعدد تطبيقاته المحتملة، وإمكانية استخدامه في المنسوجات والمواد المركبة وبعض التطبيقات التقنية.
ثانيًا: كيف يتحول الخيزران إلى ألياف نسيجية؟
يمكن التعامل مع الخيزران لإنتاج الألياف بعدة طرق، ويختلف المنتج النهائي بصورة كبيرة حسب طريقة المعالجة.
1. الألياف الطبيعية المستخلصة من الخيزران: تتم معالجة ساق الخيزران وفصل الألياف أو حزم الألياف بطرق ميكانيكية أو
كيميائية محددة. 2. الألياف السليلوزية المجددة: يتم تحويل الخيزران إلى لب سليلوزي ثم استخدام عمليات كيميائية لإنتاج ألياف مجددة، ومن أشهرها Bamboo Viscose / Bamboo Rayon. وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية: Bamboo Fiber الطبيعي ليس هو نفسه Bamboo Viscose.
ثالثًا: الخيزران الطبيعي أم ؟
الخيزران الطبيعي يحتفظ بخصائص مرتبطة بالليف المستخرج من النبات، بينما Bamboo Viscose يمر بعملية تحويل كيميائي تجعل المادة في النهاية أليافًا سليلوزية مجددة..
لذلك فإن عبارة «هذا المنتج مصنوع من الخيزران، إذن هو مستدام» ليست كافية علميًا. يجب معرفة كيفية زراعة المادة الخام، وكيف استُخلصت الألياف، وما المواد الكيميائية المستخدمة، وكيف أُديرت المخلفات والانبعاثات، وكم استُهلك من الماء والطاقة، وماذا يحدث للمنتج بعد انتهاء عمره.. وهذا هو مفهوم تقييم دورة الحياة – Life Cycle Assessment (LCA).
رابعًا: مقارنة الخيزران بالقطن
القطن يظل من أهم الألياف الطبيعية المستخدمة عالميًا، ويتميز بقاعدة صناعية ضخمة تمتد من الزراعة والحلج إلى الغزل والنسيج والصباغة والتجهيز.، أما الخيزران، وخاصة الألياف الطبيعية المستخلصة مباشرة منه، فما زال أقل نضجًا من القطن من حيث سلسلة القيمة الصناعية.
العنصر ألياف الخيزران الطبيعية Bamboo Viscose القطن
المصدر ساق نبات الخيزران سليلوز مستخرج من الخيزران ثم مجدد شعيرات بذور نبات القطن
طبيعة الليف طبيعي سليلوز مجدد طبيعي
النعومة تعتمد على طريقة الاستخلاص عادةً ناعمة وذات انسدال جيد ناعمة ومريحة
امتصاص الرطوبة جيد جيد جيد
المتانة تختلف حسب النوع والمعالجة تختلف حسب عملية التصنيع خواص معروفة ومستقرة صناعيًا
سهولة الغزل تمثل تحديًا في بعض الألياف الطبيعية أسهل نسبيًا صناعة ناضجة جدًا
الاستدامة إمكانات واعدة تعتمد بدرجة كبيرة على عملية التصنيع تعتمد على الزراعة والتجهيز
البنية الصناعية محدودة نسبيًا متاحة تجاريًا واسعة جدًا
إمكانية الخلط ممكنة مع ألياف أخرى ومنها القطن واسعة واسعة
خامسًا : هل الخيزران أكثر استدامة من القطن؟
لا توجد إجابة واحدة تصلح لكل الحالات.، فالخيزران يمتلك خصائص نباتية تجعله موردًا متجددًا جذابًا، لكن المقارنة البيئية لا يمكن اختزالها في مرحلة الزراعة فقط. فعندما يتحول الخيزران إلى ألياف مجددة من خلال عمليات كيميائية، تدخل مرحلة التصنيع في الحساب البيئي..
وفي المقابل، للقطن أيضًا آثار بيئية مرتبطة بالمياه والأسمدة والمبيدات والطاقة والعمليات الرطبة، لكنها تختلف بدرجة كبيرة حسب نظام الزراعة ومصدر المياه والممارسات الزراعية والصناعية. لذلك فإن المقارنة العلمية الصحيحة هي: قطن كامل دورة الحياة مقابل خيزران كامل دورة الحياة، وليس نبات الخيزران مقابل نبات القطن فقط.
سادسًا: ماذا عن الخصائص المضادة للبكتيريا؟
هناك أبحاث تناولت النشاط المضاد للبكتيريا في الخيزران وبعض المواد والمنتجات المرتبطة به، لكن لا يجوز تعميم هذه الخاصية على كل منتج يحمل اسم Bamboo، خصوصًا أن Bamboo Viscose يمر بعملية تحويل كيميائي.
ويجب أن يكون الادعاء بأن منتجًا معينًا «مضاد للبكتيريا» قائمًا على اختبار للمنتج النهائي، وليس على اسم الخامة وحده.
سابعًا: الخيزران في الدول العربية
نعم، الخيزران موجود في بعض الدول العربية، لكن لا توجد أدلة كافية على أنه يمثل حاليًا صناعة عربية واسعة لإنتاج الألياف النسيجية مثل صناعة القطن..
في مصر توجد أبحاث حول زراعة وإكثار أنواع من الخيزران، كما توجد دراسات مصرية تطبيقية على منسوجات Bamboo/Cotton. ولا ينبغي القول إن مصر لديها حاليًا صناعة واسعة لإنتاج ألياف الخيزران الطبيعية على غرار صناعة القطن.
وفي السودان توجد موارد طبيعية موثقة للخيزران في مناطق متعددة، لكن وجود مورد طبيعي لا يعني بالضرورة وجود صناعة ألياف نسيجية تجارية متكاملة.
ثامنًا: هل يمكن أن يكون الخيزران فرصة لصناعة الغزل العربية؟
يمكن دراسة الخيزران كخامة إضافية لصناعة الخيوط، وفي خلطات Bamboo/Cotton، والملابس والمنسوجات المنزلية، والأقمشة الوظيفية، والمنسوجات التقنية، والمواد المركبة الحيوية، وبعض تطبيقات الاقتصاد الدائري.
تاسعًا: لماذا قد يكون الدمج بين الخيزران والقطن أكثر واقعية؟
ربما لا يكون السؤال: «هل يحل الخيزران محل القطن؟» بل: «كيف يمكن استخدام الخيزران إلى جانب القطن؟»
فكل خامة لها خصائصها، والهدف في صناعة الغزل ليس بالضرورة العثور على خامة واحدة مثالية، وإنما تصميم خليط يحقق مجموعة محددة من الخواص..
وقد أظهرت الأبحاث إمكانية إنتاج خيوط من خلطات ألياف الخيزران الطبيعية والقطن ودراسة خواصها الشدية، كما توجد أبحاث مصرية حديثة على أقمشة Bamboo/Cotton.
عاشرًا: الخيزران والبصمة الكربونية
من منظور الاستدامة الصناعية، لا يكفي وصف الخيزران بأنه «أخضر» أو «صديق للبيئة». الأدق هو قياس البصمة الكربونية، والبصمة المائية، واستهلاك الطاقة، واستخدام المواد الكيميائية، والانبعاثات، والمخلفات، وإمكانية إعادة الاستخدام والتدوير.
ويمكن استخدام منهج تقييم دورة الحياة LCA للمقارنة بين القطن 100%، والخيزران الطبيعي، وBamboo Viscose، وخلطات القطن والخيزران.
الخلاصة
يمثل الخيزران خامة نباتية واعدة لصناعة الغزل والنسيج، بفضل سرعة نمو العديد من أنواعه وإمكانية استخدامه مصدرًا للسليلوز، إضافة إلى تعدد تطبيقاته النسيجية والتقنية.لكن الخيزران ليس بديلًا سحريًا للقطن، كما أن كلمة Bamboo على بطاقة المنتج لا تعني بالضرورة أن المنتج مصنوع من ألياف الخيزران الطبيعية.
وفي العالم العربي، توجد إمكانات حقيقية للبحث والتطوير؛ فمصر لديها نشاط بحثي وتطبيقي في منسوجات البامبو وخلطاته مع القطن، بينما يمتلك السودان موارد طبيعية موثقة للخيزران.
لذلك فإن الاتجاه الأكثر واقعية ليس استبدال القطن بالخيزران، وإنما دراسة الخيزران كخامة إضافية ضمن منظومة أوسع من الألياف الطبيعية والمتجددة، مع الاعتماد على القياسات العلمية لدورة الحياة والبصمة الكربونية والمائية.
فالمستقبل المستدام لصناعة الغزل والنسيج قد لا يكون في اختيار خامة واحدة، بل في اختيار الخامة المناسبة للتطبيق المناسب، بالطريقة الأكثر كفاءة وأقل أثرًا على البيئة.
المراجع العلمية
1. Amjad, A. I. (2024). Bamboo fibre: A sustainable solution for textile manufacturing. Advances in Bamboo Science, 7, 100088. https://doi.org/10.1016/j.bamboo.2024.100088
2. Rocky, B. P., & Thompson, A. J. (2020). Production and Modification of Natural Bamboo Fibers from Four Bamboo Species, and Their Prospects in Textile Manufacturing. Fibers and Polymers, 21, 2740–2752. DOI: 10.1007/s12221-020-1208-7.
3. Wang, Y. et al. (2010). Structures of Bamboo Fiber for Textiles. Textile Research Journal, 80(4).
4. Waite, M. Sustainable Textiles: The Role of Bamboo and a Comparison of Bamboo Textile Properties – Parts 1 & 2. Journal of Textile and Apparel, Technology and Management.
5. Jais, F. N. M. et al. (2023). Bamboo Fiber for Textile Applications. In Multifaceted Bamboo, Springer.
6. Nayak, L., & Mishra, S. P. (2016). Prospect of bamboo as a renewable textile fiber, historical overview, labeling, controversies and regulation. Fashion and Textiles, 3, 2.
7. U.S. Federal Trade Commission. Bamboo Textiles.
8. Shawky, M. M. et al. (2025). Evaluation of Underwear Bamboo/Cotton Knitted Fabrics Comfortability. Egyptian Journal of Chemistry, 68(3), 669–680.
9. Assessment of Distribution of Bamboo in South Kordofan State, Sudan. University of Sudan for Science and Technology.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز