قواعد الاتحاد الأوروبي الجديدة خطوة تاريخية، لكن تقييد عدد التعديلات قد يعوق إنتاج نباتات تتحمل الجفاف والحرارة والأمراض
سلسلة خواطر وراثية، الحلقة (57)
شبكة بيئة أبوظبي؛ بقلم الدكتور قاسم زكي (*)، أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية 25 سبتمبر 2026
بعد سنوات من التردد والقيود الصارمة، فتح الاتحاد الأوروبي الباب أمام زراعة محاصيل طُوِّرت باستخدام تقنيات التحرير الجيني الحديثة. وتمثل القواعد الجديدة تحولًا مهمًا عن السياسة التي كانت تتعامل مع النباتات المحررة جينيًا بالطريقة نفسها تقريبًا التي تعامل بها الكائنات المعدلة وراثيًا التقليدية.
وقد يساعد هذا التحول المزارعين الأوروبيين على مواجهة الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وانتشار الآفات وتدهور التربة، كما يتيح للباحثين إنتاج أصناف أعلى كفاءة في استخدام المياه والأسمدة. ومع ذلك، يرى عالم وراثة النبات “نيكو دي ستورم” () أن التشريع الجديد، رغم أهميته، ما زال شديد التحفظ، وقد يحرم الزراعة الأوروبية من الاستفادة الكاملة من الثورة الجينومية.
فهل تعلمت أوروبا من تجربتها السابقة مع المحاصيل المعدلة وراثيًا، أم أنها تستعد لتكرار الخطأ نفسه في صورة جديدة؟
التحرير الجيني ليس نقلًا عشوائيًا للجينات
توجد فروق جوهرية بين التحرير الجيني باستخدام أدوات مثل «كريسبر–كاس» وبين التعديل الوراثي التقليدي. ففي كثير من المحاصيل المعدلة وراثيًا يُنقل جين من كائن إلى كائن آخر لإكسابه صفة جديدة، مثل مقاومة حشرة أو مبيد أعشاب.
أما التحرير الجيني فيستطيع إجراء تغيير دقيق في الحمض النووي للنبات، كتعطيل جين يجعله حساسًا لمرض، أو استبدال عدد محدود من القواعد الوراثية، أو تعديل نشاط جين مسؤول عن النضج أو تحمل الملوحة. وقد يكون الناتج مماثلًا لتغير كان يمكن أن يحدث تلقائيًا في الطبيعة أو ينتج عن التربية التقليدية، لكن التحرير الجيني يحققه بسرعة ودقة أكبر.
ولا يعني ذلك أن كل نبات محرر جينيًا آمن تلقائيًا، ولكنه يعني أن الحكم عليه يجب أن يقوم على طبيعة الصفة الناتجة ومخاطرها الفعلية، لا على مجرد اسم التقنية المستخدمة.
فئتان من النباتات
يقسم النظام الأوروبي الجديد النباتات الناتجة من التقنيات الجينومية الحديثة إلى فئتين. تشمل الفئة الأولى «NGT-1» النباتات التي تحمل تعديلات محدودة يمكن أن تظهر طبيعيًا أو تنتج بالتربية التقليدية. وبعد التحقق من استيفائها الشروط، تُعامل مثل الأصناف التقليدية، ولا تخضع لمعظم الإجراءات الطويلة المفروضة على الكائنات المعدلة وراثيًا.
أما الفئة الثانية «NGT-2» فتضم النباتات ذات التعديلات الأكثر تعقيدًا، إلى جانب النباتات المعدلة لتحمل مبيدات الأعشاب أو إنتاج مواد مبيدة للحشرات. وتظل هذه الفئة خاضعة لتقييم المخاطر والترخيص والتتبع ووضع العلامات وفق قواعد قريبة من نظام الكائنات المعدلة وراثيًا. ولا يُسمح باستخدام نباتات أي من الفئتين في الزراعة العضوية. (consilium.europa.eu)
وتُلزم القواعد بوضع إشارة على بذور الفئة الأولى ومواد الإكثار النباتي، بما يسمح للمزارع بمعرفة طبيعة الصنف الذي يشتريه، كما تُدرج الأصناف في قاعدة بيانات عامة. أما الأغذية النهائية الناتجة من نباتات الفئة الأولى فلا تحمل علامة خاصة.
مشكلة الرقم عشرين
يظهر أكثر جوانب التشريع إثارة للجدل في تحديد نباتات الفئة الأولى بألا تتجاوز، في الأساس، عشرين تعديلًا وراثيًا من الأنواع المعترف بها. وقد يبدو الرقم كبيرًا، لكنه قد يصبح قيدًا حقيقيًا عندما نتعامل مع محاصيل متعددة النسخ الجينية، مثل القمح السداسي، أو مع صفات معقدة تتحكم فيها عشرات الجينات.
فالتحمل الحقيقي للجفاف لا يعتمد غالبًا على جين واحد، وإنما تشترك فيه جينات تنظيم فتح الثغور، وتكوين الجذور، والتمثيل الضوئي، والحماية من الإجهاد التأكسدي، وإنتاج الهرمونات والمركبات الأسموزية. وكذلك فإن زيادة المحصول أو تحمل الحرارة والملوحة صفات كمية معقدة، قد تحتاج إلى تحرير عدة جينات ومسارات في وقت واحد.
ويرى دي ستورم أن وضع حد عددي جامد قد يدفع الباحثين إلى تنفيذ تعديلات صغيرة متفرقة، بدل بناء أصناف تجمع عدة صفات يحتاج إليها المزارع. وقد يسمح التشريع، مثلًا، بإنتاج نبات مقاوم لمرض واحد، لكنه يصعّب الجمع بين مقاومة الأمراض والجفاف والحرارة وتحسين القيمة الغذائية في صنف واحد. (Nature)
والأهم أن عدد التعديلات وحده لا يكشف درجة الخطورة؛ فقد يؤدي تعديل واحد في جين تنظيمي رئيسي إلى تأثير واسع، بينما تكون تعديلات عديدة في مناطق محددة قليلة الأثر. ولذلك ينبغي أن يكون تقييم النبات قائمًا على وظيفة التعديلات والصفة الناتجة، لا على مجرد عدها.
لماذا تحتاج أوروبا إلى المرونة؟
تواجه الزراعة الأوروبية صيفًا أشد حرارة، وموجات جفاف متكررة، وملوحة في بعض الأراضي، وانتشارًا متسارعًا للآفات والأمراض. وفي الوقت نفسه تسعى السياسات الأوروبية إلى تقليل استخدام المبيدات والأسمدة وخفض الانبعاثات وحماية التنوع الحيوي.
ولا يمكن تحقيق هذه الأهداف بالشعارات وحدها. فإذا طُلب من المزارع استخدام كميات أقل من المياه والمبيدات والأسمدة، فيجب أن يحصل على أصناف أكثر كفاءة وقدرة على المقاومة. وهنا يمكن للتحرير الجيني أن يختصر سنوات من برامج التربية، وأن يعدل الأصناف المحلية المتكيفة بدل استبدالها بأصناف أجنبية.
وقد تأخرت أوروبا بالفعل في تبني المحاصيل المعدلة وراثيًا، بينما استثمرت الولايات المتحدة والبرازيل والأرجنتين وكندا والصين في تطويرها واستخدامها. والنتيجة المفارقة أن أوروبا تستورد كميات كبيرة من فول الصويا والذرة المعدلين وراثيًا لاستخدامها في الأعلاف، في حين ظلت زراعتها داخل أراضيها محدودة.
لذلك يخشى العلماء أن تؤدي القيود المعقدة إلى انتقال الشركات والباحثين إلى دول توفر بيئة تنظيمية أوضح، وأن تصبح أوروبا مستوردة للابتكار الزراعي بدل أن تكون منتجة له.
كيف يتحقق التوازن؟
لا يعني تبني التحرير الجيني إطلاق يد الشركات أو إلغاء الرقابة، بل يتطلب نظامًا مرنًا وشفافًا. ويجب إخضاع النباتات للرقابة بحسب الصفة الناتجة واحتمال تأثيرها في صحة الإنسان والبيئة، مع مراجعة الحد العددي للتعديلات دوريًا في ضوء الأدلة العلمية.
ومن الضروري أيضًا حماية المزارعين وصغار المربين من احتكار البذور وبراءات الاختراع، وضمان حصول المؤسسات العامة والجامعات على التقنيات بشروط عادلة. وينبغي توجيه التمويل إلى محاصيل تخدم المجتمع، مثل القمح المقاوم للصدأ والجفاف، والطماطم المتحملة للملوحة، والبطاطس المقاومة للندوة، لا أن تقتصر الابتكارات على المحاصيل الأعلى ربحًا.
أما ثقة الجمهور فلن تُبنى بإخفاء المعلومات، بل بالشفافية وشرح الفروق بين التحرير الجيني والنقل التقليدي للجينات، ونشر نتائج اختبارات السلامة، وإشراك المزارعين والمستهلكين في الحوار. كما يجب مراقبة الآثار البيئية بعد طرح الأصناف، والحفاظ على بنوك الأصول الوراثية والتنوع الزراعي.
لقد اتخذ الاتحاد الأوروبي خطوة مهمة، لكنه لم يصل بعد إلى نهاية الطريق. فالتحرير الجيني ليس عصًا سحرية تحل جميع مشكلات الزراعة، كما أنه ليس خطرًا ينبغي رفضه لمجرد الخوف من اسمه. إنه أداة شديدة القوة، تتوقف قيمتها على كيفية استخدامها وتنظيمها وتوزيع فوائدها.
والسياسة الحكيمة ليست التي تفتح الباب بلا ضوابط، ولا التي تغلقه خوفًا من كل جديد، بل التي تجعل الرقابة متناسبة مع الخطر الحقيقي. لقد فات أوروبا جانب من ثورة المحاصيل المعدلة وراثيًا، وعليها ألا تترك القيود الجامدة قطار التحرير الجيني يمضي من دونها مرة أخرى.
(*) الدكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة – جامعة المنيا، والرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية – أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، القاهرة، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، ومن مؤسسي المجلس العالمي للنبات .
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز