ثلاثون عاماً في أبوظبي... حكاية أسرة وجدت الأمان والانتماء

ثلاثون عاماً في أبوظبي… حكاية أسرة وجدت الأمان والانتماء

شهادة شخصية عن ثلاثة عقود من الحياة في أبوظبي، حيث تحولت المدينة من مكان للإقامة والعمل إلى وطن للذكريات والأسرة والطمأنينة

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم عماد سعد، الإمارات العربية المتحدة، 08 سبتمبر 2026
عندما تنتقل للعيش في مدينة جديدة، تجد نفسك محاطاً بألف سؤال: أين سأعيش؟ كيف ستكون حياتي؟ وهل ستشعر أسرتي بالأمان والاستقرار؟ قبل ثلاثين عاماً بدأت رحلتي مع الحياة في أبوظبي محملاً، مثل كل إنسان يبدأ حياة جديدة، بالأحلام وأسئلة البدايات. ولم أكن أعرف يومها أن هذه المدينة ستتحول، مع مرور السنوات، من مكان نعيش فيه إلى مكان يعيش فينا.

قبل نحو ثلاثة عقود، جئت إلى أبوظبي أحمل، مثل كل إنسان يبدأ حياة جديدة، أحلامي وأسئلتي وشيئاً من قلق البدايات.
لم أكن أعرف يومها أن السنوات ستمضي بهذه السرعة، وأن المدينة التي استقبلتني ستتحول شيئاً فشيئاً من مكان نعيش فيه إلى مكان يعيش فينا.
ثلاثة عقود ليست مجرد سنوات مضت.
إنها عمر من الذكريات.
هي أيام العمل الأولى، والوجوه التي عرفناها، والصداقات التي نمت معنا، والشوارع التي حفظنا تفاصيلها، والأماكن التي أصبحت جزءاً من يومنا، والنجاحات والإخفاقات والأفراح واللحظات الصعبة التي مررنا بها، وكانت أبوظبي في خلفية كل صورة من صور حياتنا.
لكن أجمل ما منحته لي أبوظبي لم يكن فرصة العمل وحدها، ولا ما حققته فيها على المستوى المهني.

أجمل ما منحته لي هو الطمأنينة على أسرتي.
أن تعيش أباً وأنت مطمئن إلى أن أسرتك في أمان، وأن ترى أبناءك يكبرون في مدينة تحترم الإنسان، وتفتح أمامه أبواب التعليم والعمل والحياة، فهذه نعمة قد لا نشعر بقيمتها كاملة إلا عندما ننظر إلى الوراء بعد سنوات طويلة.
مدينة كبرت معنا
خلال ثلاثة عقود، رأيت أبوظبي تتغير أمام عيني.
كبرت المدينة، وكبرنا معها.
تغيرت شوارعها، وامتدت أحياؤها، وارتفعت مبانيها، وتطورت خدماتها، واتسعت طموحاتها، لكنها احتفظت بشيء أعتبره من أجمل خصائصها: قدرتها على أن تمنح الإنسان شعوراً بالسكينة والانتماء مهما كان المكان الذي جاء منه.
في أبوظبي، تعيش ثقافات وجنسيات ولغات متعددة، لكن ما يجمع الناس أكبر مما يفرقهم: الاحترام، والنظام، والتسامح، والأمان، والرغبة في بناء حياة أفضل.
وهذا بالنسبة لي هو المعنى الحقيقي للمدينة الإنسانية.
فالمدن العظيمة لا تُقاس فقط بارتفاع مبانيها أو قوة اقتصادها أو جودة بنيتها التحتية؛ بل بقدرتها على أن تجعل الإنسان يشعر بأنه محترم، وآمن، وقادر على بناء مستقبله ومستقبل أسرته.

عندما يصبح المكان ذاكرة
بعد ثلاثين عاماً، يصعب عليَّ أن أنظر إلى أبوظبي باعتبارها مجرد مدينة أقمت فيها.
كيف يمكن أن تكون كذلك وهي تحمل كل هذا الجزء من حياتي؟
هنا عشت سنوات الشباب والنضج، وهنا بنيت مسيرتي المهنية، وهنا تشكلت الكثير من أفكاري وتجربتي في العمل والاستدامة وخدمة المجتمع، وهنا عاشت أسرتي تفاصيل حياتها اليومية.
وهنا أيضاً تعلمت أن الانتماء إلى المكان لا تصنعه الأوراق وحدها، بل تصنعه الذاكرة.
يصنعه شارع مررت به آلاف المرات، ومكان شهد لحظة سعيدة، وصديق عرفته منذ عشرين عاماً، ومدرسة حملت إليها أبناءك، وشجرة شاهدتها تكبر، وبحر لجأت إليه في لحظات التأمل، ومدينة تعرف تفاصيل يومك كما تعرف أنت تفاصيلها.
وهكذا، من دون أن نشعر، تتحول المدينة إلى جزء من سيرتنا الشخصية.

في عام الأسرة… أفهم أبوظبي أكثر
ولعل الحديث عن عام الأسرة أعادني إلى سؤال البداية: ماذا تحتاج الأسرة عندما تنتقل إلى مدينة جديدة؟
بعد هذه السنوات، أعتقد أن الإجابة ليست معقدة.
تحتاج أن تشعر بالأمان.
تحتاج إلى الاستقرار.
تحتاج إلى التعليم والرعاية والفرص.
تحتاج إلى مجتمع يحترم خصوصيتها وكرامتها.
وتحتاج، قبل كل شيء، إلى أن تشعر بأن مستقبل أبنائها يمكن أن يكون أفضل.
وهذه تحديداً هي الأشياء التي جعلت تجربتنا في أبوظبي تتجاوز مفهوم الإقامة إلى معنى أعمق بكثير.
لقد احتضنتنا هذه المدينة من دون ضجيج.
منحتنا مساحة لنعيش، ونعمل، ونتعلم، ونخطئ، وننجح، ونبدأ من جديد.
ومع مرور السنوات، لم تعد عبارة «أبوظبي تحتضنك منذ اليوم الأول» بالنسبة لي شعاراً جميلاً؛ بل أصبحت وصفاً لتجربة عشتها مع أسرتي على امتداد ثلاثة عقود.

الامتنان لذاكرة لا تختصرها الكلمات
أكتب هذه الكلمات اليوم لا بصفتي خبيراً أو مسؤولاً أو صاحب تجربة مهنية، بل بصفتي إنساناً وأباً عاش مع أسرته في هذه المدينة ثلاثين عاماً.
وأجد أن الكلمة الأقرب إلى قلبي هي: شكراً.
شكراً لأبوظبي التي منحتنا الأمان حين كنا نبحث عن الاستقرار.
شكراً للناس الذين تقاسمنا معهم تفاصيل الحياة.
شكراً لكل من علمنا أن الاختلاف يمكن أن يكون مصدر ثراء، وأن التسامح ليس شعاراً، بل أسلوب حياة.
وشكراً لدولة الإمارات التي استطاعت أن تجعل ملايين البشر القادمين من ثقافات وأوطان مختلفة يشعرون بأنهم يستطيعون أن يعيشوا ويعملوا ويربوا أبناءهم في أمن وكرامة واحترام.
ثلاثون عاماً مضت…
وحين أعود بذاكرتي إلى ذلك الإنسان الذي وصل إلى أبوظبي للمرة الأولى، محاطاً بأسئلة البدايات، أتمنى لو استطعت أن أهمس له:

لا تقلق… ستحتضنك هذه المدينة.
ستمنحك فرصة أن تبني حياتك.
ستكبر أسرتك بين شوارعها.
ستصبح لك فيها ذاكرة طويلة.
وسيأتي يوم، بعد ثلاثة عقود، تحاول فيه أن تكتب عن امتنانك لها، فتكتشف أن الكلمات أقل من الشعور.
فبعض المدن نسكنها لبعض الوقت… وبعض المدن تسكننا إلى الأبد.
وأبوظبي، بالنسبة لي ولأسرتي، من تلك المدن التي سكنت القلب قبل أن تسكن الذاكرة.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

رئيس شبكة بيئة أبوظبي يشارك في المنتدى الدولي للاقتصاد المستدام 2026 بالبحرين

يشارك المهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي، رئيس شبكة بيئة أبوظبي، في …

اترك تعليقاً