هل تُربّي القرود حيوانات أليفة؟

 

سلوك عابر للأنواع يكشف جذورًا تطورية قديمة للتعاطف والرعاية

سلسلة (خواطر وراثية)، الحلقة رقم (55)

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم: الدكتور قاسم زكي؛ أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، مصر، 23 سبتمبر 2026
هل يمكن لقرد أن يتخذ حيوانًا من نوع آخر رفيقًا له، فيداعبه ويحمله وينظف فراءه ويحميه، كما يفعل الإنسان مع قطته أو كلبه؟ يبدو السؤال للوهلة الأولى أقرب إلى الخيال، لكن مراجعة علمية واسعة نُشرت في دورية Primates (21 يوليو 2026م) كشفت أن التفاعلات الودية بين الرئيسيات وحيوانات تنتمي إلى أنواع أخرى أكثر انتشارًا وتنوعًا مما كان العلماء يعتقدون.

وقد وثق الباحثون مئات الحالات التي لعبت فيها القرود والقردة العليا مع حيوانات أخرى، أو حملتها واحتضنتها ونظفت أجسامها، بل قدمت الرعاية لبعض صغارها. ولا تعني هذه المشاهد بالضرورة أن القرود «تربّي حيوانات أليفة» بالمفهوم الإنساني الكامل، لكنها تكشف امتلاكها قدرات سلوكية وعاطفية تمثل، على الأرجح، بعض اللبنات التطورية التي قامت عليها علاقة الإنسان بالحيوان.

من مشاهد متناثرة إلى ظاهرة علمية
بدأ اهتمام الباحثين بالموضوع عندما شاهد عالم الأحياء التطوري بجامعة أكسفورد “سيريل جروتر” (Cyril C. Grueter) أنثى من قردة الجيبون بيضاء الخدين تلتقط فأرًا دخل إلى حظيرتها في حديقة حيوان شنغهاي. لم تهاجمه أو تحاول افتراسه، بل حملته برفق وأخذت تداعبه، في تصرف يصعب تفسيره بمنطق الغذاء أو الدفاع عن المكان.

دفع هذا المشهد الباحث وفريقًا دوليًا إلى جمع الحالات المنشورة في الدراسات العلمية، وإضافة الوقائع التي أبلغ عنها علماء الرئيسيات والتقارير المصورة الموثقة. وشملت المادة الأساسية أكثر من 300 حالة مدروسة، بينما وصل إجمالي السجلات، بعد ضم نتائج استبيان شارك فيه 37 عالمًا والتقارير الإضافية، إلى 427 تفاعلًا. وشملت الحالات 88 نوعًا من الرئيسيات تتفاعل مع 127 نوعًا حيوانيًا مختلفًا.

ومن بين المشاهد اللافتة قردة داعبت السناجب، وأخرى لعبت مع الخنازير أو امتطت ظهورها، وقردة مكاك يابانية نظفت فراء أَيائل السيكا وركبت على ظهورها، ومجموعة من قرود المكاك قصيرة الذيل تعاونت في تنظيف كلب ضال. كما شوهد ذكر بونوبو صغير يحتضن صغير نمس بعناية.

قصة صغير المارموسيت
تظل إحدى أبرز الحالات تلك التي وقعت في البرازيل، عندما احتضنت مجموعة من قرود الكبوشي صغيرة من قردة المارموسيت، وأطلقت عليها الباحثة اسم «فورتوناتا». حملت إناث الكبوشي الصغيرة وقدمت لها الرعاية، وتسامح بقية أفراد المجموعة مع وجودها بينهم، واستمرت العلاقة عشرة أشهر على الأقل.

هذه الحالة ليست مجرد لقاء عابر؛ فهي أقرب إلى التبني بين نوعين مختلفين. ومع ذلك، ينبغي الحذر قبل وصف صغير المارموسيت بأنه «حيوان أليف»، لأنه ينتمي بدوره إلى الرئيسيات، ولأن التبني ربما حرّكته استجابات أمومية قوية لدى الإناث، لا الرغبة المقصودة في اقتناء رفيق للمتعة.

هل هو تعاطف حقيقي؟
التعاطف بمعناه الإنساني يتضمن إدراك مشاعر الآخر والاستجابة لها، ولا يستطيع العلماء سؤال القرد مباشرة عما يشعر به. لذلك يستدلون على حالته من السلوك: هل يقترب من الحيوان الآخر برفق؟ وهل يستجيب لضيق الصغير؟ وهل يحميه أو ينظفه من دون مكافأة ظاهرة؟

تكشف الدراسة أن معظم العلاقات تضمنت اللعب أو التنظيف، وأن الصغار كانت أكثر ميلًا إلى اللعب، بينما مارست الإناث التنظيف والرعاية بدرجة أكبر. وقد بدأت الرئيسيات معظم التفاعلات، بما يوحي بأنها لم تكن مجرد استجابة سلبية لاقتراب الحيوان الآخر.

ولا يبدو أن جميع هذه العلاقات قدمت منفعة فورية واضحة. ففي الطبيعة تنشأ عادة علاقات بين الأنواع بسبب الغذاء أو الحماية من المفترسات أو إزالة الطفيليات. أما حمل فأر أو احتضان صغير نمس أو مداعبة سنجاب، فلا يقدم عائدًا مباشرًا يسهل قياسه. وقد يعكس السلوك الفضول الاجتماعي، أو الرغبة في اللعب، أو امتداد استجابة الرعاية إلى كائن يثير بملامحه أو أصواته دوافع الحماية.

الجينات لا تصنع السلوك منفردة
لم تبحث الدراسة عن «جين التعاطف»، ولا يوجد في الحقيقة جين واحد يتحكم وحده في الرحمة أو الرعاية. السلوك الاجتماعي صفة معقدة تشترك في تشكيلها جينات عديدة، إلى جانب نمو المخ والهرمونات والخبرة الفردية والبيئة والتعلم من أفراد الجماعة.

لكن وجود أنماط متشابهة لدى أنواع مختلفة من الرئيسيات يشير إلى أن الاستعداد للفضول واللعب والرعاية والتسامح قديم في تاريخها التطوري. وهذه الصفات تمتلك أساسًا عصبيًا ووراثيًا؛ لأنها تعتمد على دوائر المخ المرتبطة بالمكافأة والارتباط الاجتماعي، وعلى هرمونات مثل الأوكسيتوسين، وعلى استجابات الأمومة والتعرف إلى الإشارات الانفعالية.
وعندما تُظهر الرئيسيات هذه القدرات تجاه حيوانات من خارج نوعها، فإنها توسّع دائرة السلوك الاجتماعي المعتاد. وربما انتخب التطور قدرات عامة مثل المرونة السلوكية والفضول ورعاية الصغار، ثم جرى توجيهها في بعض الظروف نحو أنواع أخرى.

وعند الإنسان تضافرت هذه الاستعدادات الموروثة مع الثقافة واللغة والتعلم وتدجين الحيوانات. وهكذا تحولت لقاءات عابرة بين الأنواع إلى علاقات مستقرة تتضمن الغذاء والمأوى والحماية والارتباط العاطفي المستمر.

ليست كل اللقاءات رحيمة
الصورة ليست وردية تمامًا؛ فقد صنّف الباحثون 26 واقعة باعتبارها مؤذية، وانتهت 13 حالة بموت الحيوان الآخر نتيجة العنف أو التعامل الخشن. وفي بعض الحالات حملت الرئيسيات حيوانات صغيرة بطريقة بدت أقرب إلى الاختطاف، أو لعبت بها من دون إدراك هشاشتها.

وقد لا يكون الموت ناتجًا دائمًا عن نية عدوانية؛ فالقرد قد يحاول اللعب أو الرعاية لكنه يعجز عن تقدير احتياجات النوع الآخر. وهذا يذكّرنا بأن إسقاط المشاعر البشرية على الحيوان قد يؤدي إلى تفسيرات مضللة. فالاحتضان قد يكون رعاية، لكنه قد يكون أيضًا استكشافًا أو تملكًا أو استجابة أمومية وُجهت إلى هدف غير مألوف.

هل تقتني القرود حيوانات أليفة حقًا؟
يتطلب مفهوم الحيوان الأليف عادة علاقة طويلة الأمد يقدم فيها طرف الرعاية والحماية والغذاء لحيوان من نوع آخر، من دون معاملته بوصفه فريسة أو أداة. ومعظم الحالات المسجلة لدى الرئيسيات كانت قصيرة وعابرة، ولذلك لا يمكن مساواتها بعلاقة الإنسان المستمرة بالكلب أو القطة.

كما أن الحالات لا تمثل مسحًا إحصائيًا متوازنًا للطبيعة؛ فهي تعكس الأماكن التي وُجد فيها العلماء والكاميرات، وربما زادت مشاهدات بعض الأنواع لأنها تعيش في حدائق الحيوان أو المواقع السياحية. ومن ثم لا نستطيع استنتاج نسبة القرود التي تمارس هذا السلوك أو تحديد مدى انتشاره الحقيقي.

لكن الدراسة تثبت أن الإنسان ليس الكائن الوحيد القادر على إقامة تواصل ودي مع نوع آخر. فالجذور النفسية والعصبية اللازمة لذلك—الفضول والتسامح واللعب والرعاية والقدرة على تكوين روابط—كانت موجودة قبل ظهور الإنسان الحديث.

ومن أجمل ما تكشفه هذه السلوكيات أن التعاطف لم يظهر فجأة في تاريخ البشر، بل نما فوق أساس تطوري أقدم تشاركنا فيه كائنات أخرى. فالإنسان لم يخترع الرعاية من العدم، لكنه وسّع دائرتها ونظمها بالثقافة والقيم الأخلاقية. وبين قرد يداعب سنجابًا، وأنثى جيبون تحتضن فأرًا، ومجموعة كبوشي تتبنى صغير مارموسيت، نلمح صفحة قديمة من تاريخ العاطفة؛ صفحة تقول إن القدرة على عبور حدود النوع قد تكون أقدم بكثير من بيوتنا وحدائقنا وحيواناتنا الأليفة.

المرجع العلمي:
Grueter, C. C., et al. (2026). Heterospecific social behavior in primates: insights into the evolutionary roots of pet-keeping. Primates. https://doi.org/10.1007/s10329-026-01281-0

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

حين نرمي الخبز… نهدر النيل

فاقد الغذاء خسارة للماء والأرض وجهد الفلاح سلسلة «خواطر زراعية» الحلقة رقم (42) شبكة بيئة …

اترك تعليقاً