من الفعل إلى الأثر.. الدوحة ترسم ملامح مرحلة جديدة للمسؤولية المجتمعية

المؤتمر العلمي الدولي الرابع يدفع نحو قياس النتائج وبناء مؤشرات عربية للأثر المجتمعي

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم المهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي، الدوحة 23 سبتمبر 2026
لم يعد السؤال الأكثر أهمية في المسؤولية المجتمعية هو: كم مبادرة نفذت المؤسسة؟ وكم أنفقت عليها؟ بل أصبح: ما الذي تغيّر فعلياً نتيجة هذه المبادرات، ولمن، وبأي مقدار، وهل يمكن إثبات هذا التغيير وقياس استدامته؟
هذه، في تقديري، هي الرسالة المركزية التي حملها المؤتمر العلمي الدولي الرابع للمسؤولية المجتمعية لعام 2026، الذي استضافه معهد الدوحة للدراسات العليا في قطر يوم 21 سبتمبر، تحت عنوان بالغ الدلالة: «من الفعل إلى الأثر: رصد التأثير المجتمعي للممارسات المسؤولة في التنمية المستدامة»، بمشاركة أكاديميين وباحثين وخبراء وممثلين عن القطاعات الحكومية والخاصة وغير الربحية من قطر وعدد من الدول العربية والدولية.

تحول في مفهوم المسؤولية المجتمعية
تكشف قراءة محاور المؤتمر عن تحول منهجي مهم: الانتقال من إدارة المبادرات إلى إدارة الأثر. فالأنشطة والمخرجات، مهما كان حجمها، لا تكفي وحدها لإثبات القيمة المجتمعية.
قد تنظم مؤسسة برنامجاً لتدريب ألف شاب، مثلاً، ويبدو الرقم إنجازاً مهماً. لكن قياس الأثر يطرح أسئلة أعمق: كم منهم اكتسب مهارة فعلية؟ كم وجد فرصة عمل؟ هل تحسن دخله؟ وهل استمر هذا التغيير بعد انتهاء البرنامج؟
وهنا ينتقل القياس من Outputs، أي ما نفذناه، إلى Outcomes، أي النتائج التي تحققت، وصولاً إلى Impact، أي التغيير الأعمق والأطول مدى.
وقد أكد المؤتمر هذا الاتجاه بوضوح؛ إذ ركزت جلساته على قياس الأثر، وتطوير المؤشرات، وتوثيق النتائج، وربط الاستراتيجية المؤسسية بالأثر المستدام، بدلاً من اعتبار عدد المبادرات أو حجم الموارد المخصصة لها مؤشراً كافياً للنجاح.

القياس يبدأ قبل المبادرة لا بعدها
من الأفكار المهمة التي برزت في المؤتمر أن قياس الأثر ليس مرحلة ختامية تضاف إلى المشروع بعد تنفيذه، بل ينبغي أن يبدأ منذ مرحلة التصميم.
وهذا يعني أن تحدد المؤسسة مسبقاً المشكلة التي تريد معالجتها، والفئات المستهدفة، والتغيير المتوقع، والمؤشرات التي ستقيس هذا التغيير، وخط الأساس الذي ستقارن به النتائج، ومصادر البيانات وآليات التحقق.
وهنا تلتقي المسؤولية المجتمعية مع مفاهيم أكثر تقدماً مثل نظرية التغيير Theory of Change، وسلاسل النتائج، ومؤشرات الأداء والأثر، والقياس الكمي والنوعي، وتقييم مساهمة التدخل في النتائج.
وبهذا المعنى، يصبح القياس أداة للتعلم واتخاذ القرار، وليس مجرد وسيلة لإعداد تقرير جميل في نهاية العام.

من الإنفاق الاجتماعي إلى القيمة المجتمعية
ومن أهم التحولات التي ناقشها المؤتمر إعادة النظر في العلاقة بين الإنفاق الاجتماعي والنتائج التنموية.
فارتفاع الإنفاق لا يعني بالضرورة ارتفاع الأثر. قد تحقق مبادرة صغيرة مصممة على أساس احتياج حقيقي أثراً أكبر من برنامج مرتفع التكلفة ضعيف الاستهداف.
لذلك فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من السؤال: كم أنفقنا؟
إلى: ما القيمة التي صنعناها بهذا الإنفاق؟
وهذا التحول يفتح المجال أمام استخدام منهجيات أكثر نضجاً في تقييم القيمة الاجتماعية، بما فيها القياس الكمي والنوعي، وتحليل النتائج، ومنهجيات العائد الاجتماعي على الاستثمار SROI عندما تكون ملائمة لطبيعة التدخل.

الحاجة إلى نموذج عربي لقياس الأثر
ولعل أحد أهم المخرجات المستقبلية التي أُعلن عنها في الدوحة هو مشروع مؤشر عربي لقياس أثر مبادرات ومشروعات المسؤولية المجتمعية، إلى جانب التدشين الرسمي للمجلس العلمي الدولي لبحوث المسؤولية المجتمعية.
وهذه خطوة تستحق الاهتمام، لأن المؤسسات العربية تحتاج إلى الاستفادة من المنهجيات والمعايير الدولية، ولكنها تحتاج أيضاً إلى أدوات تراعي السياقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المحلية.
التحدي هنا ألا يتحول المؤشر العربي إلى مجرد قائمة جديدة من المؤشرات، بل أن يقوم على أساس علمي يميز بين النشاط والمخرج والنتيجة والأثر، ويأخذ في الاعتبار حجم التغيير وعمقه واستمراريته، والفئات التي استفادت منه، ومساهمة المبادرة نفسها في تحقيقه.

البحث العلمي شريك في صناعة الأثر
برز كذلك في المؤتمر دور الجامعات ومراكز البحث باعتبارها شريكاً أساسياً في تطوير المسؤولية المجتمعية. فاستضافة معهد الدوحة للدراسات العليا للمؤتمر، ومشاركة الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا ومكتبة قطر الوطنية والمؤسسات المهنية، قدمت نموذجاً للتكامل بين إنتاج المعرفة وتطبيقها. وأكد رئيس معهد الدوحة أن المسؤولية المجتمعية تحتاج إلى شراكة تجمع الجامعات ومؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني لتحويل المعرفة إلى أثر ملموس.
كما تضمن البرنامج خمس جلسات علمية متخصصة تناولت قياس الأثر والتجارب المؤسسية وأدوات القياس وتحويل المبادرات إلى نتائج قابلة للرصد والتقييم، وتبع المؤتمر في 22 سبتمبر منتدى افتراضي لعرض الأبحاث، بهدف توسيع المشاركة الأكاديمية وربط الدراسات بالممارسة المؤسسية.

المسؤولية المجتمعية تدخل مرحلة «إثبات الأثر»
ما خرجت به الدوحة يتجاوز مؤتمراً علمياً ليعكس تحولاً أوسع في فلسفة المسؤولية المجتمعية.
المؤسسة المسؤولة في المرحلة المقبلة لن تكون فقط المؤسسة التي تفعل الخير، وإنما المؤسسة التي تستطيع أن تحدد المشكلة، وتصمم التدخل المناسب، وتقيس النتائج، وتتحقق من الأدلة، وتتعلم من التجربة، ثم تستخدم النتائج لتحسين قراراتها.
وهذا يفرض تحولاً من ثقافة النشاط إلى ثقافة النتائج، ومن سرد الإنجازات إلى تقديم الأدلة، ومن المسؤولية المجتمعية المنفصلة عن المؤسسة إلى المسؤولية المرتبطة بالاستراتيجية والحوكمة والتنمية المستدامة.
وقد لخصت أعمال المؤتمر هذه الرؤية في مسار واضح: الانتقال من تنفيذ المبادرات إلى إدارة نتائجها، ومن النتائج إلى قياس الأثر، ومن قياس الأثر إلى صناعة أثر مستدام.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للمؤتمر الدولي الرابع: أنه أعاد صياغة السؤال الذي ينبغي أن تواجه به كل مؤسسة برامجها المجتمعية مستقبلاً؛ ليس ماذا فعلنا؟ فقط، وإنما: ما الذي تغيّر بسبب ما فعلناه.. وهل نستطيع إثباته؟
وهذا هو الفارق بين مسؤولية مجتمعية تُمارس، ومسؤولية مجتمعية تصنع أثراً يمكن قياسه واستدامته.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

إدارة المخاطر المناخية

شبكة بيئة ابوظبي، المهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية، تم النشر بالتوازي مع جريدة …

اترك تعليقاً