الدكتور آلان المنصور:
• الشتلات النسيجية توفر السلامة الصحية والتجانس وسرعة الإكثار.. ونسبة نجاحها بعد الزراعة قد تتجاوز 90–95% عند جودة الأقلمة والخدمة
• البصمة الوراثية تثبت المطابقة الصنفية.. لكن ضمان التباينات الجسدية يتطلب سجلاً ميدانياً موثوقاً ومسؤولية تعاقدية للمختبر
حوار خاص بشبكة بيئة أبوظبي، بصفتها شريك إعلامي لكونجرس نخيل التمر بالمملكة المغربية، 26 سبتمبر 2026
أكد الدكتور آلان المنصور، الخبير في زراعة أنسجة نخيل التمر والتكنولوجيا الحيوية النباتية، أن تقنيات زراعة الأنسجة توفر فرصة مهمة للتوسع في زراعة الأصناف الاقتصادية والمتميزة من نخيل التمر، من خلال إنتاج أعداد كبيرة من الشتلات المتجانسة والسليمة صحياً خلال فترة زمنية أقصر مقارنة بالإكثار التقليدي بالفسائل.
وأوضح، في حوار خاص بمناسبة مشاركته في كونغرس نخيل التمر بالمغرب، أن نجاح هذه التقنية لا يتوقف على كون الشتلة منتجة نسيجياً، بل يرتبط بجودة المختبر، وطريقة الإكثار، والمطابقة الصنفية، والأقلمة، والحالة الصحية والجذرية للشتلة، إضافة إلى إمكانية تتبع مصدرها ودفعتها حتى السنوات الأولى من الإثمار.
وشدد المنصور على أن المزارع أو المستثمر ينبغي ألا يشتري الشتلة على أساس السعر أو اسم الصنف فقط، بل عليه التأكد من هوية الشتلة وسلامتها الصحية وسجل المختبر المنتج لها، لأن القرار المتخذ عند تأسيس المزرعة يمكن أن يمتد أثره لسنوات طويلة.
السؤال الأول:
ما المزايا التي توفرها شتلات النخيل المنتجة بتقنيات زراعة الأنسجة للمزارع مقارنة بوسائل الإكثار التقليدية، وما أهم المعايير التي ينبغي التأكد منها لضمان جودة الشتلات وثبات صفاتها؟
الدكتور آلان المنصور:
توفر شتلات النخيل المنتجة بتقنية زراعة الأنسجة مزايا عديدة مقارنة بالفسائل التقليدية، وتأتي السلامة الصحية في مقدمتها.
فالشتلات النسيجية تكون خالية من الأمراض والآفات، بينما يمكن أن تكون الفسائل الطبيعية وسيلة لنقل الآفات والأمراض الزراعية من المزارع المصابة إلى المزارع السليمة، ومن أبرزها سوسة النخيل الحمراء ومرض البيوض، ونحن نعلم جيداً حجم الضرر الذي ألحقه مرض البيوض بنخيل المغرب.
الميزة الثانية هي القدرة على إنتاج أعداد كبيرة من الشتلات خلال وقت قصير وعلى مساحة محدودة. فالنخلة الأم الواحدة لا تعطي طوال حياتها، وفق الصنف ومستوى الخدمة، سوى عدد محدود من الفسائل يتراوح بين 5 و25 فسيلة، وهو ما لا يكفي لتلبية الطلب المتزايد على الأصناف الاقتصادية مثل المجهول والبرحي.
كما يمكن أن تتجاوز نسبة نجاح الشتلات النسيجية بعد الزراعة 90 إلى 95% عندما تكون الشتلة مؤقلمة جيداً وتحصل على الخدمة المناسبة، في حين تتراوح النسبة في الفسائل الطبيعية، بحسب ما ورد في خبرتنا، بين 60 و80%، وقد تنخفض أكثر في صنف المجهول والفسائل الصغيرة.
إنتاج مبكر ومزرعة أكثر تجانساً
ومن المزايا المهمة أيضاً إمكانية ظهور تباشير الإثمار ابتداءً من السنة الثانية في الشتلات النسيجية، رغم أننا ننصح عادة بإزالة الطلع خلال أول سنتين حتى تتجه طاقة النخلة إلى تقوية النمو الخضري.
أما الإنتاج التجاري فيمكن أن يبدأ من السنة الثالثة أو الرابعة، مقابل أربع إلى خمس سنوات بالنسبة للفسائل التقليدية.
وتوفر الشتلات النسيجية أيضاً ميزة المطابقة الوراثية والتجانس؛ فالهدف أن تكون الشتلة نسخة من النخلة الأم المختارة، وهو ما يساعد على إنشاء مزرعة أكثر تجانساً في النمو والنضج والجني، وبالتالي يسهل عمليات الخدمة والإدارة والتسويق.
وتجنب هذه التقنية كذلك الأضرار التي يمكن أن تلحق بالنخلة الأم نتيجة قلع الفسائل، كما تسهل عمليات التبادل الدولي والحصول على الشهادات الصحية والشحن الجوي، وتتيح التخطيط المسبق لإنتاج أعداد الشتلات المطلوبة وفق موعد الزراعة.
كما تمثل زراعة الأنسجة وسيلة مهمة لإكثار الأصناف النادرة والمقاومة التي يصعب توفير الأعداد المطلوبة منها بالطرق التقليدية.
السؤال الثاني:
ما الذي ينبغي للمزارع أو المستثمر التأكد منه قبل شراء الشتلات النسيجية؟
الدكتور آلان المنصور:
ينبغي أولاً اختيار مختبر موثوق وذي سجل ميداني معروف، ويفضل الاعتماد على المختبرات التي تستخدم تقنية التكوين العضوي (Organogenesis)، باعتبارها أقل خطراً من حيث التباينات الوراثية، مع الحد من عدد مرات الإكثار المتتالية ومن استخدام منظمات النمو المرتبطة بزيادة مخاطر التباينات.
كما يجب أن تكون هناك شهادة صحية رسمية تثبت سلامة الشتلات، إلى جانب شهادة للمطابقة الصنفية مع النخلة الأم.
واليوم يمكن التحقق من المطابقة الصنفية باستخدام بصمة الحمض النووي DNA ومؤشرات SSR ومقارنتها بالنخلة الأم، وهو ما يوفر للمزارع مستوى مهماً من التحقق من هوية الصنف الذي يشتريه.
لكن هناك نقطة مهمة يجب الانتباه إليها؛ وهي أن المطابقة الصنفية لا تعني بالضرورة القدرة على اكتشاف جميع التباينات الجسدية (Somaclonal variations) قبل ظهورها.
فحتى الآن، لا يوجد فحص روتيني تجاري معتمد يمكنه التنبؤ بجميع التباينات المحتملة، مثل التقزم أو تعدد الكرابل وغيرها. وهناك مؤشرات بحثية، من بينها دراسات المثيلة MSAP، لكنها ليست موثوقة بعد للاستخدام التجاري لهذا الغرض.
سجل المختبر أهم من الوعود
ولهذا فإن أحد أهم الضمانات العملية أمام المزارع هو السجل الميداني للمختبر.
على المزارع أن يسأل: ما نسبة الشتلات غير المطابقة أو Off-types التي ظهرت في المزارع المزروعة من إنتاج هذا المختبر؟ ومن المفيد، إن أمكن، زيارة مزارع قائمة زُرعت بشتلاته ومشاهدة النتائج على أرض الواقع.
كما أوصي بوجود بند تعاقدي واضح يلزم المختبر باستبدال الشتلات التي تظهر فيها تباينات أو تعويض المزارع عنها بعد الوصول إلى مرحلة الإثمار.
وهذه مسألة مهمة لأن بعض المشكلات قد لا تظهر في المراحل المبكرة من نمو الشتلة، وإنما تتضح بعد سنوات، عندما تدخل النخلة مرحلة الإنتاج.
كيف يتعرف المزارع على الشتلة الجيدة؟
هناك أيضاً مجموعة من المواصفات التي ينبغي فحصها في الشتلة نفسها.
يُفضّل أن يكون عنق الشتلة بحجم بصلة صغيرة تقريباً، وألا يقل طولها عن 30 إلى 35 سنتيمتراً، وأن تحمل ثلاثاً إلى أربع أوراق مع بداية ظهور الأوراق الريشية (Pinnate leaves).
ويجب أن تمتلك الشتلة مجموعاً جذرياً جيداً يملأ الأصيص من دون التفاف غير طبيعي للجذور، وأن تكون قد أكملت مراحل الأقلمة بصورة صحيحة، بدءاً من البيت المحمي ثم الانتقال التدريجي إلى ظروف الظل.
كما ينبغي التأكد من خلو الأصيص ووسط الزراعة من الآفات والأعشاب.
وفي المغرب، يجب الانتباه إلى وجود الشهادات الصحية الرسمية الصادرة عن الجهات المختصة، إلى جانب النظر إلى خبرة المختبر وسمعته وشهادات الجودة لديه، ومنها ISO إن وجدت، ومراجعة تجارب عملائه السابقين، مع تفضيل الشراء مباشرة من المختبر بدلاً من الوسطاء.
من شهادة المنشأ إلى «هوية رقمية» لكل شتلة
وأرى أن الخطوة التي ينبغي تطويرها بصورة أكبر مستقبلاً هي نظام التتبع.
فمن المهم أن نستطيع ربط كل شتلة بالمختبر الذي أنتجها ورقم الدفعة التي خرجت منها، ثم متابعتها في المزرعة حتى السنة الثالثة أو الرابعة ودخولها مرحلة الإثمار.
بهذه الطريقة لا تصبح عملية شراء الشتلة نهاية العلاقة بين المختبر والمزارع، وإنما بداية لمسار يمكن من خلاله تقييم أداء الشتلات، ورصد أي تباينات محتملة، وبناء سجل حقيقي لجودة إنتاج كل مختبر.
وهذا مهم بصورة خاصة عند تأسيس المشروعات التجارية الكبيرة؛ لأن المزارع لا يشتري شتلة لموسم واحد، وإنما يؤسس أصلاً إنتاجياً سيبقى معه لسنوات طويلة.
لذلك فإن السؤال الأهم قبل شراء الشتلة النسيجية ليس: كم سعرها؟ بل: من أنتجها؟ وكيف أُنتجت؟ وهل هويتها الصنفية موثقة؟ وما سجلها الصحي والميداني؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا ظهرت التباينات بعد الإثمار؟
هذه الأسئلة هي التي تحول زراعة الأنسجة من مجرد وسيلة سريعة لإكثار النخيل إلى أداة آمنة لبناء مزارع تجارية أكثر تجانساً واستدامة وثقة.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز