خلال مشاركته في المؤتمر العلمي الدولي الرابع للمسؤولية المجتمعية 2026
سعد: لم يعد السؤال كم أنفقت المؤسسة على المجتمع.. بل ما القيمة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية التي صنعتها؟
شبكة بيئة أبوظبي، خاص من الدوحة، دولة قطر 27 سبتمبر 2026
دعا المهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي ورئيس شبكة بيئة أبوظبي، إلى تطوير مفهوم المسؤولية المجتمعية في المؤسسات العربية والانتقال به من نموذج يقوم بصورة أساسية على المبادرات والإنفاق المجتمعي، إلى نموذج مؤسسي أكثر نضجاً يقوم على صناعة الأثر وقياسه وربطه باستراتيجية المؤسسة ونموذج أعمالها.
جاء ذلك خلال مشاركته في المؤتمر العلمي الدولي الرابع للمسؤولية المجتمعية لعام 2026، الذي استضافته الدوحة يوم 21 سبتمبر، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والخبراء والمتخصصين في المسؤولية المجتمعية والتنمية المستدامة.
وقدم سعد خلال المؤتمر ورقة علمية بعنوان «ما بعد المسؤولية المجتمعية.. هل حان الوقت للانتقال من CSR إلى اقتصاد الأثر؟»، طرح فيها رؤية لتطوير الممارسة المؤسسية للمسؤولية المجتمعية بحيث تنتقل من تمويل المبادرات والأنشطة المنفصلة إلى صناعة قيمة اقتصادية واجتماعية وبيئية قابلة للقياس والاستدامة.

نجاح النشاط لا يعني نجاح الأثر
وأكد سعد أن السنوات الماضية شهدت توسعاً واضحاً في برامج ومبادرات المسؤولية المجتمعية، إلا أن التحدي الحقيقي لم يعد في عدد المبادرات أو حجم الإنفاق أو عدد المستفيدين، وإنما في القدرة على الإجابة عن سؤال أكثر أهمية: ما الذي تغير فعلياً نتيجة هذه المبادرات؟
وأوضح أن نجاح النشاط لا يساوي بالضرورة نجاح الأثر، داعياً المؤسسات إلى الانتقال من قياس ما تنفذه وتنفقه إلى قياس التغيير الحقيقي الذي تحدثه برامجها في المجتمع والاقتصاد والبيئة.
وأشار إلى أن من أوجه القصور في النموذج التقليدي للمسؤولية المجتمعية انفصال بعض المبادرات عن استراتيجية المؤسسة، والتركيز على المخرجات بدلاً من الأثر، والنظر إلى المجتمع بوصفه مستفيداً أكثر من كونه شريكاً، إضافة إلى ضعف قياس استدامة النتائج بعد انتهاء المبادرات.

من «فعل الخير» إلى «خلق القيمة»
وبيّن سعد أن اقتصاد الأثر لا يمثل اسماً جديداً للمسؤولية المجتمعية، وإنما تحولاً في الطريقة التي تصنع بها المؤسسات القيمة، بحيث يصبح الأثر جزءاً من نموذج الأعمال والاستثمار وصناعة القرار.
وقال إن التحول المطلوب يمكن تلخيصه في الانتقال من «فعل الخير» إلى «خلق القيمة»، ثم إلى «إحداث تأثير»، بحيث تتكامل القيمة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية بدلاً من التعامل معها باعتبارها مسارات منفصلة.
وأوضح أن القيمة المؤسسية المستدامة في هذا النموذج تقوم على ثلاثة أبعاد مترابطة: القيمة الاقتصادية، والقيمة الاجتماعية، والقيمة البيئية، بما يجعل المسؤولية المجتمعية جزءاً من قدرة المؤسسة على الاستمرار والنمو وإدارة المخاطر وتعزيز الثقة.

من قياس الأداء إلى قياس الأثر
وشدد سعد على ضرورة تطوير أدوات القياس المؤسسي، والانتقال من المؤشرات التقليدية التي تحصي الأنشطة والمخرجات إلى أدوات تستطيع رصد النتائج والتغيرات طويلة الأجل التي تحققها البرامج.
وأشار إلى أهمية البيانات والأدلة، ومؤشرات قياس الأثر، وقياس العائد الاجتماعي على الاستثمار SROI، ونظرية التغيير، باعتبارها أدوات تساعد المؤسسات على معرفة القيمة الحقيقية التي أنتجتها استثماراتها المجتمعية.
كما طرح مفهوم «عائد الأثر» بوصفه أوسع من الحساب المالي التقليدي للعائد على الاستثمار، لأنه ينظر إلى القيمة الاجتماعية والبيئية والاقتصادية المتحققة مقارنة بالموارد المستثمرة.
المستفيد شريك في صناعة الأثر
وتناول سعد في ورقته ضرورة إعادة تعريف العلاقة بين المؤسسة والمجتمع، بحيث ينتقل المستفيد من موقع المتلقي إلى «صاحب أثر» يشارك في تصميم الحلول وتنفيذها وتقييم نتائجها.
وأكد أن إشراك أصحاب المصلحة بصورة حقيقية يرفع ملاءمة المبادرات للاحتياجات الفعلية، ويعزز الثقة، ويخفض المخاطر، ويدعم استدامة الأثر على المدى الطويل.

خمس مراحل نحو اقتصاد الأثر
واختتم سعد ورقته بتقديم نموذج للانتقال من المسؤولية المجتمعية إلى اقتصاد الأثر يتدرج عبر خمس مراحل: العطاء، والمسؤولية المجتمعية، والاستدامة الاستراتيجية، وإدارة الأثر، وصولاً إلى اقتصاد الأثر؛ حيث يصبح الأثر في المرحلة الأكثر نضجاً جزءاً من تصميم الأعمال والاستثمار وصناعة القيمة نفسها.
وأكد أن مستقبل المسؤولية المجتمعية لن يتحدد بحجم ما تنفقه المؤسسات بقدر ما سيتحدد بقدرتها على إثبات ما صنعته من تغيير مستدام وقيمة مشتركة.
واختصر سعد رسالته بالقول إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مؤسسات لا تكتفي بالسؤال: «ماذا قدمنا للمجتمع؟»، بل تنتقل إلى السؤال الأعمق:
«ما الأثر الذي صنعناه؟ وهل سيستمر هذا الأثر بعد انتهاء المبادرة؟»

بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز