هل للطير لغة تشبه لغة البشر؟

أغاريد طائر الفينش البنغالي تكشف أن تعلّم الأصوات قد ينتج أنماطًا إحصائية مشتركة بين أنواع متباعدة، دون أن يجعل تغريد الطيور لغة بشرية.

سلسلة (خواطر وراثية)، الحلقة رقم (61)

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم: الدكتور قاسم زكي؛ أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، مصر، 01 أكتوبر 2026
حين نستمع إلى طائر يغرد، قد يبدو لنا صوته سلسلة من النغمات الجميلة لا أكثر. لكن الطائر الذي يتعلم أغنيته من غيره لا يختار النغمات ويرتبها عشوائيًا. فهل يمكن أن نجد في أغاريده شيئًا يشبه ما يحدث حين يتعلم الطفل الكلام؟ هذا السؤال تناولته دراسة نُشرت في دورية Science Advances في أغسطس ٢٠٢٦، وفحصت أغاني طائر الفينش البنغالي خلال مراحل نموه.

قبل الحديث عن النتائج، يلزم توضيح اسم الطائر. الدراسة الجديدة تتناول الفينش البنغالي، الذي يُعرف بالإنجليزية باسم Bengalese finch، وليس طائر الزيبرا فينش أو «طائر الزيبرا». كلاهما يُستخدم في أبحاث تعلّم التغريد، لكن الخلط بينهما ينسب نتائج الدراسة إلى نوع لم يكن موضوعها.

كيف يبحث العلماء عن نمط داخل الأغنية؟
تتكون أغنية الطائر من وحدات صوتية تتتابع بترتيبات مختلفة. وقد حلل الباحثون تسجيلات لأغاني الفينش البنغالي باستخدام أدوات طُوّرت أصلًا لدراسة كيفية تمييز الأطفال حدود الكلمات في الكلام المتصل. تقوم الفكرة على ملاحظة احتمال أن تتبع وحدة صوتية أخرى: بعض الوحدات تظهر معًا كثيرًا، فتكوّن مقاطع مترابطة إحصائيًا، بينما تكون روابط غيرها أضعف.

وجد الباحثون في أغاني الطيور مقاطع متماسكة من هذا النوع. وعندما قارنوا عدد مرات ظهور المقاطع، ظهر نمط قريب مما يُعرف بتوزيع زيف: مقاطع قليلة تتكرر كثيرًا، ومقاطع عديدة تظهر مرات أقل. ونرى صورة مشابهة في استعمال الكلمات البشرية؛ فكلمات قليلة شائعة للغاية، بينما تُستخدم كلمات كثيرة على نحو نادر. التشابه هنا يتعلق بتوزيع التكرار، ولا يعني أن المقطع الغنائي يحمل معنى كلمة بشرية.

التعلّم يبدأ مبكرًا
لم يقتصر البحث على أغاني الطيور البالغة. فقد درس الفريق تسجيلات من مراحل مختلفة في تطور الأغنية، ووجد أن الترابط بين المقاطع يزداد مع تقدم الطائر في التعلم، بينما يظهر نمط التوزيع القائم على كثرة القليل وندرة الكثير طوال مراحل التطور التي فُحصت. وبعبارة أبسط، تصبح الأغنية أكثر انتظامًا مع الممارسة، لكن التفاوت بين المقاطع الشائعة والنادرة يظهر مبكرًا.
يساعدنا هذا على فهم ما يفعله الطائر الصغير وهو يستمع إلى أصوات الطيور الأخرى ويحاول تقليدها. فهو لا يحتاج إلى قائمة مكتوبة بالنغمات أو تعليمات تحدد موضع كل صوت. إن تكرار سماع أنماط معينة يتيح له التقاط العلاقات بينها، ثم تتغير محاولاته الصوتية تدريجيًا. وتشبه هذه الفكرة، من زاوية إحصائية محددة، استفادة الطفل من تكرار المقاطع والعلاقات بينها عند استماعه إلى الكلام.

وقد سبق للباحثين أن وجدوا أنماطًا إحصائية شبيهة في أغاني الحيتان الحدباء. ووجودها لدى طيور وحيتان وبشر، رغم اختلاف هذه الأنواع، يثير احتمالًا علميًا مثيرًا: ربما تساعد بعض أشكال تنظيم الأصوات على تعلّم سلاسل التواصل ونقلها بين الأفراد والأجيال. غير أن ذلك تفسير للنتائج يحتاج إلى مزيد من الاختبار، وليس برهانًا على أن الأنواع الثلاثة تتواصل بالطريقة نفسها.

التشابه الرياضي وحدود المقارنة
قد تدفع عبارة «أغاني تشبه اللغة» إلى تصور أن الطيور تتبادل قصصًا أو تناقش أحداث يومها. الدراسة لا تقول ذلك. فاللغة البشرية تتيح لنا الحديث عن الماضي والمستقبل، وصوغ عدد هائل من الرسائل الجديدة، ونقل أفكار ومعانٍ دقيقة. أما البحث الحالي فاختبر كيفية ترتيب المقاطع الصوتية وتكرارها في أغنية طائر يتعلم التغريد.

كذلك لا يكفي العثور على توزيع زيف للقول إن مقاطع الأغنية «كلمات». فالأنماط الرياضية قد تظهر في ظواهر مختلفة لأسباب متعددة. وما يجعل نتيجة الدراسة جديرة بالاهتمام هو اجتماع أمرين: وجود مقاطع مترابطة إحصائيًا، واتباع تكرارها نمطًا محددًا، ثم تتبع هاتين الخاصيتين أثناء تطور الأغنية. ومع ذلك، تبقى وظيفة هذه المقاطع ومعانيها، إن وُجدت، سؤالًا مختلفًا عن السؤال الذي أجابت عنه الدراسة.

تفتح النتائج بابًا لأبحاث جديدة: هل تظهر الأنماط نفسها لدى أنواع أخرى من الطيور؟ وكيف تتغير إذا اختلف ما يسمعه الفرخ أثناء التعلم؟ وهل يساعد هذا التنظيم فعلًا على حفظ الأغنية ونقلها بدقة أكبر؟ الإجابة تتطلب تجارب تتجاوز رصد التشابه الإحصائي إلى اختبار أثره في التعلم والتواصل.

حين يغرد الفينش البنغالي، إذن، لا نسمع نسخة مصغرة من حديث البشر. لكننا نسمع نظامًا صوتيًا متعلمًا يكشف كيف يمكن للاستماع والتكرار أن ينظما الأصوات. وهنا تكمن قيمة الدراسة: إنها تقرّبنا من فهم بعض المبادئ التي تشكل أنظمة التواصل، مع الحفاظ على الفارق الكبير بين أغنية الطائر ولغة الإنسان.

المصدر العلمي :
1. Kirby, S., Okanoya, K., Garland, E., Takahasi, M., & Arnon, I. (2026). Language-like statistical structure arises in learned signalling: evidence from birdsong. Science Advances, 12(32), Article aea3015. https://doi.org/10.1126/sciadv.aea3015

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

المحاصيل المحررة جينيًا… هل تلحق أوروبا بقطار الثورة الزراعية؟

قواعد الاتحاد الأوروبي الجديدة خطوة تاريخية، لكن تقييد عدد التعديلات قد يعوق إنتاج نباتات تتحمل …

اترك تعليقاً