شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري، كلية الاقتصاد جامعة دمشق، 17 أكتوبر 2026
تربط التنمية البشرية بالتنمية المستدامة علاقة تكاملية وثيقة، حيث يمثل الإنسان المحور الأساسي والهدف النهائي لكل جهود التنمية والتطوير. وقد أنتج الاندماج بين هذين المفهومين ما يُعرف اليوم بـ “التنمية البشرية المستدامة”، وهي العملية التي تهدف إلى توسيع خيارات البشر وقدراتهم مع الحفاظ على حقوق الأجيال القادمة. ومن الممكن عرض لأبعاد المفهومين والعلاقة المتبادلة بينهما وفقاً لما يلي:
• (تركز التنمية البشرية بشكل أساسي على تحسين جودة حياة الأفراد والارتقاء بمستوياتهم المعيشية، الصحية، والتعليمية.
• توسيع الخيارات: تتيح للأفراد فرصة عيش الحياة التي يطمحون إليها عبر توفير بيئة ملائمة للإبداع والإنتاج.
• الاستثمار في الإنسان: تشمل الرعاية الصحية، والتعليم المستمر، واكتساب المعرفة كأدوات أساسية لبناء مجتمع متمكن.
• تمكين الأفراد: تؤهل الأفراد للمشاركة الفعالة في القرارات السياسية والاجتماعية التي تؤثر على مسار حياتهم).
في حين تُعنى التنمية المستدامة بالسعي لتحقيق توازن دقيق ومستمر يضمن تلبية احتياجات الأجيال الحاضرة دون المساس بقدرة أجيال المستقبل على تلبية احتياجاتها الخاصة، وهي ترتكز على ثلاثة أبعاد رئيسة:
1. (البعد الاقتصادي: توليد نمو اقتصادي مستقر ومستدام يعتمد على الابتكار والتشغيل الكامل للموارد البشريّة.
2. البعد الاجتماعي: تحقيق العدالة التوزيعية للثروات والفرص، ومحاربة الفقر والتهميش لضمان حياة كريمة للجميع.
3. البعد البيئي: إدارة الموارد الطبيعية بكفاءة، والحد من التلوث، والحفاظ على التنوع الحيوي لمنع استنزاف كوكب الأرض).
العلاقة التكاملية بين التنمية البشرية والتنمية المستدامة (التنمية البشرية المستدامة):
لا يمكن تحقيق استدامة حقيقية دون وجود عنصر بشري مؤهل يقود هذا التغيير ويحافظ عليه. وتتجلى هذه العلاقة في النقاط التالية:
• الإنسان كوسيلة وغاية: التنمية البشرية تبني المهارات والقدرات (الوسيلة)، بينما تضمن التنمية المستدامة توفير البيئة والموارد المستمرة التي تسمح باستثمار هذه القدرات عبر الزمن (الغاية).
• النمو مع العدالة: التوليف بين المنهجين يضمن عدم الاكتفاء بتوليد الأرباح والنمو الاقتصادي، بل يركز على توزيع عوائده بعدالة وحماية البيئة المحيطة بدلاً من تدميرها.
• مجتمع المعرفة: الاستثمار في التعليم والبحث العلمي يساهم مباشرة في ابتكار حلول بيئية واقتصادية مستدامة، مما يدعم استمرارية الموارد.
أولاً – التنمية البشرية:
تزايد عدد السكان يعني ازدياد حجم القوة العاملة في المجتمع وزيادة الإنتاج “وينقسم السكان عادة، في كل مجتمع إلى قسمين رئيسين: السكان داخل القوة البشرية، والسكان خارج القوة البشرية. والقوة البشرية بالتعريف هي القوة القادرة على العمل من حيث السن والمقدرة الجسدية والذهنية، أما السكان خارج القوة البشرية فينقسمون إلى ثلاث فئات رئيسة هي: الأطفال، والكهول الذين تزيد أعمارهم على /65/ سنة، وذوو العاهات، وغالباً ما تشكل فئة الأطفال الغالبية العظمى لغير القادرين على العمل تليها فئة الكهول ثم فئة ذوو العاهات، الذين يشكلون نسبة ضئيلة جداً من هذه القوى”. [1] أما قوة العمل فهي تشمل جميع الأفراد الذين يعملون فعلاً من أرباب عمل وعمال ومستخدمين وكذلك الأشخاص الذين لا يعملون إلا أنهم قادرون على العمل وراغبون فيه وباحثون عنه.
وتعتمد تقارير التنمية البشرية على مؤشر تجميعي لقياس ومقارنة إنجاز الدول في مجال التنمية البشرية يسمى index human development ومؤشر التنمية البشرية العالمي الذي يستخدم في مقارنة وترتيب الدول حسب جهود التنمية البشرية، هو مؤشر تركيبي يتم حسابه من ثلاثة عناصر رئيسية وهي:
• متوسط نصيب الفرد من الناتج القومي الإجمالي (وهو مؤشر لقياس مدى الحصول على الموارد اللازمة لتحقيق مستوى حياة كريمة)؛
• العمر المتوقع عند الميلاد (مؤشر لقياس طول العمر)؛
• نسبة الإلمام بالقراءة والكتابة (مؤشر لقياس اكتساب المعرفة).
كما تستخدم تقارير التنمية البشرية في كل دولة نفس طريقة القياس لمؤشر التنمية البشرية الذي تم تطويره في تقارير التنمية البشرية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ويمكن لأي دولة استخدامه لمقارنة تطور جهود التنمية على مستوى المحافظات. [3] نلاحظ بعض التحفظات والملاحظات الفنية على منهجية وشمولية مؤشر التنمية البشرية المستخدم في تقارير التنمية البشرية من قبل بعض الباحثين والكتاب (على سبيل المثال يمكن الرجوع إلى: إسماعيل صبري عبد الله 1994، على نصار 1997).
ثانياً – التنمية المستدامة:
أما مصطلح التنمية المستدامة فقد اكتسب اهتماماً عالمياً كبيراً بعد ظهور تقرير مستقبلنا المشترك الذي أعدته اللجنة العالمية للبيئة والتنمية في عام 1987 (WCED,1987). حين تم صياغة أول تعريف للتنمية المستدامة في هذا التقرير على أنها (التنمية التي تلبي حاجات الجيل الحاضر دون المساومة على قدرة الأجيال المقبلة في تلبية حاجاتهم).
Sustainable development is development that meets “the needs of the present without compromising the ability of future generations to meet their own needs”
هذا التعريف يحدد فقط الإطار العام للتنمية المستدامة التي تطالب بالتساوي بين الأجيال من حيث تحقيق الحاجات الرئيسية، وهذا ما دعا الكثير من الكتاب والباحثين إلى محاولة تقديم تعريفات وتفسيرات للتنمية المستدامة مثل:
Sustainable growth- Sustainable income- Sustainable Economy- Carrying capacity – Ecologically sustainable economic development – Sustainable resource use- Regional sustainable development- Sustainable society.
مفهوم التنمية المستدامة يعني ضرورة التوازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على الموارد الطبيعية والعدالة بين الأجيال المتعاقبة لتلبية الحاجات الرئيسة.
أهداف التنمية المستدامة:
اعتمد قادة العالم في أيلول/سبتمبر 2015 في قمة أممية رسمياً تحديد أهداف التنمية المستدامة الـ 17 خطة التنمية المستدامة لعام 2030، التي بدأت في 1 كانون الثاني/يناير 2016. بحيث تعمل دول العالم خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة على حشد الجهود للقضاء على الفقر بجميع أشكاله ومكافحة عدم المساواة ومعالجة تغير المناخ، واضعة نصب أعينها هذه الأهداف التي تنطبق عالمياً على جميع دول العالم.
الهدف 1 – القضاء على الفقر بجميع أشكاله في كل مكان: الفقر هو أكثر من مجرد الافتقار إلى الدخل والموارد ضماناً لمصدر رزق مستدام، لأن مظاهره تشمل الجوع وسوء التغذية، وضآلة إمكانية الحصول على التعليم وغيره من الخدمات الأساسية، إضافة إلى التمييز الاجتماعي، وعدم المشاركة باتخاذ القرارات. لذا، يتعين أن يكون النمو الاقتصادي شاملاً بحيث يوفر الوظائف المستدامة ويشجع على وجود فرص التكافؤ.
الهدف 2 – القضاء على الجوع وتوفير الأمن الغذائي والتغذية المحسّنة وتعزيز الزراعة المستدامة: لا بد من إعادة التفكير في كيفية تنمية الغذاء واستهلاكه. حيث يمكن للمزارع والغابات ومصائد الأسماك أن توفر طعاماً للجميع، وأن تولد مصادر دخل لائقة، ودعم تنمية ريفية ترتكز على الناس، وحماية البيئة.
الهدف 3 – ضمان تمتّع الجميع بأنماط عيش صحية وبالرفاهية في جميع الأعمار: في التنمية المستدامة لا بد من ضمان الحياة الصحية وتشجيع الرفاه للجميع من كل الأعمار.
الهدف 4 – ضمان التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع وتعزيز فرص التعلّم مدى الحياة للجميع: الحصول على تعليم جيد هو الأساس الذي يرتكز عليه تحسين حياة الناس وتحقيق التنمية المستدامة.
الهدف 5 – تحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين كل النساء والفتيات: تشكل المساواة بين الجنسين ليس حقاً أساسياً من حقوق الإنسان فحسب، ولكن أيضا أساساً من الأسس الضرورية اللازمة لإحلال السلام والرخاء والاستدامة في العالم.
الهدف 6 – ضمان توافر المياه وخدمات الصرف الصحي للجميع: يعد توفر المياه النقية للجميع جزأً أساسياً لتحقيق العالم الذي نريد أن نحيا فيه. وتوجد مياه عذبة كافية على كوكب الأرض لتحقيق هذا الحلم.
الهدف 7 – ضمان حصول الجميع على خدمات الطاقة الحديثة الموثوقة والمستدامة بتكلفة ميسورة: إمكانية حصول الجميع على الطاقة موضوع جوهري، سواء من أجل فرص العمل أو الأمن أو تغير المناخ أو إنتاج الأغذية أو زيادة الدخل. وتلزم طاقة مستدامة من أجل تعزيز الاقتصادات، وتحقيق الإنصاف.
الهدف 8 – تعزيز النمو الاقتصادي المطرد والشامل للجميع والمستدام، والعمالة الكاملة والمنتجة، وتوفير العمل اللائق للجميع: استمرار انعدام فرص العمل اللائق، وعدم كفاية الاستثمارات، وقلة الاستهلاك يفضي إلى تضرر العقد الاجتماعي الأساسي الذي ترتكز عليه المجتمعات الديمقراطية وضرورة مشاركة الجميع في التقدم.
الهدف 9 – إقامة بنى تحتية قادرة على الصمود، وتحفيز التصنيع الشامل للجميع والمستدام، وتشجيع الابتكار: يعد الاستثمار في البنية الأساسية –النقل، والري، والطاقة، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات – عنصراً حيوياً من عناصر تحقيق التنمية المستدامة والتمكين للمجتمعات في كثير من البلدان، مما يقتضي الاستثمار في البنية الأساسية.
الهدف 10 – الحد من انعدام المساواة داخل البلدان وفيما بينها: خطى المجتمع الدولي خطوات واسعة في محاربة الفقر. ولا تزال أشد الدول فقراً – أقل البلدان نمواً– التي تشق طريقها صوب خفض حدة الفقر. هناك تباينات واسعة في إمكانية الحصول على الخدمات الصحية والتعليمية وغير ذلك من الأصول الإنتاجية.
الهدف 11 – جعل المدن والمستوطنات البشرية شاملة للجميع وآمنة وقادرة على الصمود ومستدامة: تعد المدن مراكز الأفكار والتجارة والثقافة والعلم والإنتاجية والتنمية الاجتماعية وما هو أكثر من ذلك بكثير. فالمدن مكّنت الناس، في أفضل حالاتها، من التقدم اجتماعياً واقتصادياً.
الهدف 12 – ضمان وجودة أنماط استهلاك وإنتاج مستدامة: تتعلق أنماط الاستهلاك والإنتاج المستدامة بتشجيع الكفاءة في الموارد والطاقة، واستدامة البنية الأساسية، وتوفير إمكانية الحصول على الخدمات الأساسية، وتوفير فرص العمل اللائق وغير المضر بالبيئة، وتحسين جودة الحياة لصالح الجميع.
الهدف 13 – اتخاذ إجراءات عاجلة للتصدي لتغير المناخ وآثاره: ينشأ عن تغير المناخ، الناتج عن النمو الاقتصادي والسكاني، تأثيرات واسعة النطاق في النظم البشرية والطبيعية بكل بلد من البلدان،
الهدف 14 – حفظ المحيطات والبحار والموارد البحرية واستخدامها على نحو مستدام لتحقيق التنمية المستدامة: إن محيطات العالم ــ درجة حرارتها والكيمياء الخاصة بها وتياراتها والحياة فيها ــ هي التي تجعل كوكب الأرض صالحاً للسكنى بالنسبة للبشرية. فمياه أمطارنا ومياه شربنا وطقسنا ومناخنا وسواحلنا وقدر كبير من غذائنا، بل وحتى الأكسجين الموجود في الهواء الذي نتنفس، توفرها البحار وتنظمها.
الهدف 15 – حماية النظم الإيكولوجية البرية وترميمها وتعزيز استخدامها على نحو مستدام، وإدارة الغابات على نحو مستدام، ومكافحة التصحر، ووقف تدهور الأراضي وعكس مساره، ووقف فقدان التنوع البيولوجي
الهدف 16 – السلام والعدل والمؤسسات: تبدو أهمية الحرية والسلام والأمن واحترام حقوق الإنسان ضرورية جداً في إطار التنمية المستدامة الذي سينبني على الأهداف الإنمائية للألفية، والحاجة إلى المجتمعات التي يسود فيها العدل والديمقراطية بغية إنجاز التنمية المستدامة.
الهدف 17 – تعزيز وسائل التنفيذ وتنشيط الشراكة العالمية من أجل التنمية المستدامة: يحتاج عالمنا المعاصر جدول تنمية مستدامة ناجع وشراكات بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني. وهذه الشراكات الشاملة تُبنى على قواعد وقيم ورؤية مشتركة وأهداف مشتركة تضع الناس والكوكب في القلب من هذه الجهود.
قياس التنمية البشرية المستدامة:
يتم قياس مؤشرات التنمية البشرية المستدامة عبر دمج الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية مع البعد البيئي لضمان عدم تحقيق الرفاهية الحالية على حساب الأجيال القادمة. وتعتمد الهيئات الدولية، ولا سيما برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، على عدة مؤشرات مركبة وصيغ مطورة لقياس هذا التمازج:
1. مؤشر التنمية البشرية المستدامة (HSDI):
هو النسخة المطورة من مؤشر التنمية البشرية التقليدي (HDI)، حيث يدمج الأبعاد الثلاثة الأساسية مع بعد رابع لحماية كوكب الأرض:
الحياة الصحية والمديدة، وتُقاس عبر متوسط العمر المتوقع عند الولادة.
المعرفة والتعليم: يُقاس من خلال متوسط سنوات الدراسة للبالغين، وسنوات الدراسة المتوقعة للأطفال. مستوى المعيشة اللائق ويُقاس بواسطة نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي (GNI) المَعدّل بحسب القوة الشرائية. والاستدامة البيئية (البُعد المضاف) ويُقاس من خلال معدل انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون للفرد، وحجم البصمة المادية واستهلاك الموارد.
2. مؤشرات الاستدامة الاجتماعية والاقتصادية:
طوّرت الأمم المتحدة أدوات فرعية متقدمة لضمان أن تكون التنمية عادلة ومستمرة:
• مؤشر التنمية البشرية المَعدّل بفعل عدم المساواة (IHDI): يقيس الخسارة في التنمية البشرية الناتجة عن التوزيع غير العادل للصحة، التعليم، والدخل بين أفراد المجتمع.
• مؤشر الفقر متعدد الأبعاد (MPI): يحدد أوجه الحرمان المباشرة التي يواجهها الأفراد في حياتهم اليومية، مثل غياب المياه الصالحة للشرب، سوء التغذية، وانقطاع الكهرباء.
• مؤشر الفجوة بين الجنسين (GGI): يقيس مدى تمكين المرأة وفجوة المساواة في المقاعد البرلمانية، التحصيل العلمي، والمشاركة في سوق العمل.
3. مؤشرات أداء الاستدامة البيئية والتهديدات:
لقياس الكفاءة البيئية للدول وتأثير أنشطتها البشرية على الطبيعة، يجري تتبع معايير حاسمة تشمل، معدلات استهلاك الطاقة، مؤشر القائمة الحمراء (IUCN)، إدارة الموارد الطبيعية:
• معدلات استهلاك الطاقة: نسبة الاعتماد على الطاقة المتجددة مقارنة بالوقود الأحفوري.
• مؤشر القائمة الحمراء (IUCN): لقياس خطر انقراض الأنواع الحيوية والتدهور البيولوجي الناتج عن التوسع البشري الجائر.
• إدارة الموارد الطبيعية: وتشمل نسب سحب المياه العذبة، وتدهور الأراضي، ومعدلات الوفيات الناجمة عن تلوث الهواء والمياه غير الآمنة.
4. أطر العمل العالمية الشاملة (SDGs):
ترتبط هذه القياسات مباشرة بإطار أهداف التنمية المستدامة الـ 17 للأمم المتحدة (رؤية 2030)، والتي تشتمل على أكثر من 230 مؤشراً فرعياً فريداً لتتبع التقدم البشري والبيئي المشترك. ويمكن استكشاف البيانات الإحصائية التفصيلية وتصنيفات الدول الحالية عبر مستودع بيانات التنمية البشرية للأمم المتحدة.
ثالثاً – البعد السكان:
يهتم علم السكان بدراسة وتحليل ديناميكية التغير في هيكل السكان حسب النوع والعمر والخصائص الديمغرافية ويتم التركيز عادة على المتغيرات السكانية التالية: حجم السكان – المواليد، الوفيات، الهجرة، معدل النمو السكاني، التوزيع الإقليمي للسكان، الزواج والطلاق، القوى العاملة، نسبة الإعالة. ويستخدم علم السكان أدوات مساعدة لتحليل المتغيرات الديمغرافية وإجراء الإسقاطات السكانية وتحديد اتجاه التغيرات الديمغرافية مستقبلاً أهمها: الأساليب الإحصائية، النماذج الرياضية، برمجيات الحاسب كبرنامج ال (S P S S ).
ونظراً لأهمية البعد السكاني كغاية للتنمية وكمحور أساسي في مجمل التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فقد ازداد الاهتمام أيضاً – على المستوى الدولي والقومي – وتتعاون مجالات علمية عديدة (multi disciplines ) في محاولة قياس وتحليل العوامل التي تؤثر على تنمية نوعية حياة ورفاهية السكان ، التي يمكن التعبير عنها من خلال مؤشرات : نوعية التعليم – الرعاية الصحية – العدالة في توزيع الدخل – حقوق الإنسان السياسية والاجتماعية والمدنية والثقافية – توفير الخدمات الأساسية من مياه الشرب والصرف الصحي، والكهرباء والإسكان والخدمات الأخرى.
وكانت نتيجة الاهتمام المتزايد بجانب السكان أن ظهرت مصطلحات ومفاهيم جديدة مثل رأس المال البشرى (human capital) والتنمية البشرية (human development) والتنمية المستدامة (Sustainable development). ورأس المال البشري هو مصطلح للتعبير عن أهمية تراكم القوى العاملة من الناحية العددية والنوعية (مستوى التعليم والخبرة)، كمدخل هام في العملية الإنتاجية. وفى هذا السياق يمكن القول بأن عائد الإنفاق الاستثماري على التنمية البشرية لا يقل أهمية عن رأس المال من الآلات والمعدات، ذلك لأن المعرفة البشرية هي السبيل البديل لمساعدة الدول الناشئة والدول النامية على النهوض والتقدم – خصوصاً في حالة محدودية الموارد الطبيعية ورأس المال – لسد الفجوة في القدرة على الابتكار وملاحقه التطور السريع في مجالات: التقدم التكنولوجي – التنظيم والإدارة – التخطيط – استغلال الموارد – اتخاذ القرار على أساس علمي – ملاحقة التطور في برمجيات ونظم الحاسب الآلي.
أما مصطلح ” التنمية البشرية ” فبدأ يظهر على الساحة مع إصدار أول تقرير للتنمية البشرية [2] من قبل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في عام 1990. وتم تعريف مفهوم التنمية البشرية في تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي كما يلي: (التنمية البشرية هي عملية توسيع الخيارات المتاحة أمام الناس. ومن حيث المبدأ، فإن هذه الخيارات بلا حدود وتتغير بمرور الوقت. أما من حيث التطبيق فقد تبين أنه على جميع مستويات التنمية، تتركز الخيارات الأساسية في ثلاث هي : أن يحيا الناس حياة طويلة خالية من العلل، وأن يكتسبوا المعرفة، وأن يحصلوا على الموارد اللازمة لتحقيق مستوى حياة كريمة. وما لم تكن هذه الخيارات الأساسية مكفولة، فإن الكثير من الفرص الأخرى سيظل بعيد المنال. كما أن هناك خيارات إضافية يهتم بها الكثير من الناس وهي تمتد من الحريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلى فرص الخلق والإبداع، واستمتاع الأشخاص بالاحترام الذاتي، وضمان حقوق الإنسان).
النسق السكاني:
لدراسة وفهم دينامية النسق السكاني للتعرف على كافة القضايا سالفة الذكر المرتبطة بتنمية البشر وضمان استدامتها هناك حاجة إلى تطوير مؤشرات كمية لقياس التطور عبر الزمن، وهذا في الواقع يستلزم تطوير نموذج متكامل (يتعدى مجرد التركيز على الإسقاط السكاني. ولكن أيضاً يتسع إلى تضمين كافة العوامل الاقتصادية – الاجتماعية – البيئية المؤثرة على البعد السكاني). وتعتمد دراسة نوعية السكان في أية دولة من دول العالم بشكل رئيسي على المتغيرات الديمغرافية الكمية (عدد السكان، معدل النمو السكاني، الزيادة السكانية…) – ويشترك فيها باحثون من مجالات علمية أخرى أهمها:
• الطب (من الناحية الصحية والبدنية).
• التعليم (من الناحية المعرفية والتربوية).
• الاجتماع وعلم النفس (من الناحية الاجتماعية والنفسية).
• القانون (ويعالج بعد حقوق الإنسان).
يظل علم الاقتصاد هو المعني بتلبية حاجات الإنسان من السلع، بالإضافة إلى توفير الإنفاق الاستثماري اللازم للجوانب سالفة الذكر من الصحة والتعليم والخدمات الأخرى).
تتطلب عملية التنمية الشاملة المستدامة التوافق بين السياسات المختلفة. الاقتصادية والاجتماعية والسكانية وهذه مسألة هامة جداً ولا تتحقق بسهولة. لذلك لا بد من الأخذ بعين الاعتبار أن الموارد البشرية هي أغلى ما تملكه الأمة. وأن رفع مستوى المعيشة وتحقيق الرفاه للمجتمع هي أهم الأهداف التي تسعى لتحقيقها التنمية كما أن أي تغيير يطرأ على معدلات النمو السكاني يؤدي بدوره إلى تغير مباشر في الطلب على الحاجات الأساسية للفرد واستهلاكها. بينما نلاحظ أن أي تغير يحصل في معدل النمو السكاني لا يؤثر في حجم قوة العمل والمساهمة في التطور الاجتماعي والاقتصادي. إلا بعد مرور أكثر من 15 سنة من تاريخ حدوث ذلك التغير. وهي الفترة بين تاريخ الولادة وتاريخ إمكانية القيام بعمل منتج. [4]
دلت تجربة الإنسان التاريخية، وتدل دوماً على أنه بوسع الموارد البشرية حين تنمو وتزدهر أن تتغلب على نقص الموارد المادية الأخرى اللازمة لعملية الإنتاج بفضل العلم والتقنية الحديثة بوجه خاص. على سبيل المثال، ما تكاد تنفذ طاقة حتى يحل الابتكار البشري محلها طاقة جديدة. والواضح أن أفضل استثمار هو الاستثمار في العقل البشري. ومن هنا نظر بعض الباحثين إلى الهوة بين البلدان المتقدمة والبلدان النامية على أنها هوة في تنظيم العقل البشري وتوظيفه التوظيف الأمثل.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز