وجبة … إبداع وابتكار (143) القيادة بالحوكمة مقابل التميز بالمساءلة المؤسسية – 1

عندما تصبح السلطة مسؤولة عن أثرها

شبكة بيئة ابوظبي: بقلم د. أنيس رزوق (*)، مستشار تخطيط استراتيجية الجودة والتميز، 27 أكتوبر 2026

قد تنهار مؤسسة تمتلك هيكلاً تنظيمياً واضحاً، ولجاناً متخصصة، وسياسات معتمدة، ونظاماً للرقابة الداخلية، دون أن يكون الخلل في غياب أيٍّ من هذه العناصر، فقد تكون المشكلة أن الجميع مارس صلاحياته، وأدى ما اعتقد أنه مسؤوليته، بينما لم يمتلك أحد القدرة الكافية على رؤية ما يحدث بين هذه المسؤوليات، أو مساءلة القرارات التي صنعت النتيجة النهائية، عندها لا يكون السؤال عن وجود الحوكمة، بل عن قدرتها على ضبط السلطة قبل أن تتحول أخطاؤها إلى إخفاق مؤسسي.

تزداد خطورة هذه المفارقة كلما اتسعت المؤسسة وتوزعت صلاحياتها، فالتفويض الذي يمنح العمل مرونة وسرعة قد يخلق فجوات في الرقابة والمساءلة إذا لم تصاحبه قواعد واضحة تحدد حدود القرار، ومسؤولية متابعته، وحق الاعتراض عليه، وآليات التعامل مع نتائجه. ولا تتمثل مهمة القيادة بالحوكمة في إحاطة المؤسسة بمزيد من الإجراءات، بل في بناء نظام يجعل ممارسة السلطة واضحة ومنضبطة وقابلة للمراجعة، بينما يظهر التميز بالمساءلة المؤسسية عندما تصبح هذه القدرة جزءاً من عمل المؤسسة وثقافتها، لا ممارسة ترتبط بيقظة قائد أو تدخل جهة رقابية
.
لا تنفصل القيادة بالحوكمة عن التميز بالمساءلة المؤسسية، لكن لكل منهما وظيفة مختلفة، فالقيادة تؤسس القواعد التي تضبط ممارسة السلطة، وتحدد حدود الصلاحيات، وتنظم الرقابة وإدارة المخاطر وتعارض المصالح. أما التميز فيظهر حين تتحول هذه القواعد إلى ممارسة مؤسسية مستقرة، تستطيع من خلالها المؤسسة تتبع القرارات، وتحديد المسؤوليات، ومراجعة النتائج، وتصحيح الانحرافات، دون أن تعتمد فاعلية المساءلة على تدخل القائد في كل حالة، وبهذا لا تكون المساءلة إجراءً يأتي بعد وقوع الخطأ، بل قدرة مؤسسية ترافق القرار منذ نشأته حتى ظهور أثره.

تقوم الحوكمة في جوهرها على تنظيم العلاقات التي تُوجَّه من خلالها المؤسسة، وتُتخذ قراراتها، وتُراقب نتائجها، وتُحدد فيها مسؤوليات الأطراف المختلفة، غير أن وجود هذه العلاقات في الوثائق والهياكل لا يضمن فاعليتها في الواقع، فقد تبدو المؤسسة محكومة بقواعد واضحة، بينما تكشف ممارساتها أن السلطة الفعلية لا تتحرك دائماً وفق ما تنص عليه تلك القواعد، وهنا تبدأ المسافة بين الحوكمة بوصفها إطاراً معتمداً، والحوكمة بوصفها ممارسة تضبط القرار والسلوك المؤسسي.

قد تمتلك مؤسسة لجاناً للحوكمة والمخاطر والتدقيق، ومصفوفة معتمدة للصلاحيات، وسياسة لتعارض المصالح، وإطاراً للرقابة الداخلية، وتقدم وثائق تثبت انتظام هذه الممارسات، ومع ذلك قد تُتخذ قرارات مؤثرة خارج المسارات المعتمدة، أو تُناقش تقارير المخاطر دون أن يترتب عليها إجراء، أو تُغلق ملاحظات التدقيق شكلياً دون معالجة أسبابها، أو تتوزع المسؤوليات بطريقة تجعل كل جهة قادرة على إثبات التزامها باختصاصها، بينما تبقى النتيجة المشتركة بلا مساءلة واضحة. عندئذ تكون المؤسسة قد أثبتت وجود أدوات الحوكمة، لكنها لم تثبت قدرتها على توجيه القرار وضبط السلوك ومعالجة الانحراف.

فاللجنة لا تحقق الحوكمة لمجرد انتظام اجتماعاتها، والسياسة لا تضمنها بمجرد اعتمادها، ومصفوفة الصلاحيات لا تكفي إذا اقتصرت على تحديد الحدود المالية والإدارية للقرار، فقد تظهر فاعلية هذه الأدوات عندما تواجه المؤسسة موقفاً غير متوقع، فتستطيع تحديد صاحب القرار وحدود سلطته، والتحقق من المعلومات التي استند إليها، ومدى مراعاته للمخاطر، وقدرة الجهات الرقابية على اكتشاف الإشارات المبكرة والتدخل عند الحاجة، والأهم أن تكون المسؤوليات واضحة بما يسمح بتفسير ما حدث ومعالجة أسبابه، بدلاً من أن يتحول الإخفاق إلى تبادل للاتهامات بين الأطراف.

تحدد المسؤولية ما يقع ضمن اختصاص الفرد أو الجهة، وما يُتوقع منهما القيام به، أما المساءلة فتتعلق بوجوب تقديم تفسير عن كيفية ممارسة تلك المسؤولية، والأسس التي بُنيت عليها القرارات، والنتائج المترتبة عليها، والإجراءات المتخذة عند ظهور الانحرافات، وقد تتوزع المسؤوليات التنفيذية بين أطراف متعددة، لكن هذا التوزيع لا ينبغي أن يجعل النتيجة المشتركة بلا جهة محددة تُسأل عن متابعتها وتفسيرها، فوضوح المسؤوليات يحدد من يقوم بالعمل، بينما يضمن نظام المساءلة ألا تنفصل ممارسة السلطة عن واجب تفسيرها وتحمل تبعاتها المؤسسية.

وتزداد أهمية هذا التمييز عندما تتجاوز العمليات حدود الإدارات والوحدات التنظيمية، فقد تؤدي كل جهة مهامها وفق اختصاصاتها، بينما تظهر المشكلة في المساحات التي تربط أعمالها بعضها ببعض، وهنا لا يكفي تحديد مسؤولية كل طرف عن الجزء الذي ينفذه، بل ينبغي أن تكون هناك مساءلة واضحة عن النتيجة المشتركة، وعن القرارات والتنسيق اللازمين لتحقيقها، فالخلل قد لا ينشأ من تقصير جهة بعينها، وإنما من غياب المسؤولية الواضحة عن تكامل عمل الجهات المختلفة.

فكلما توزعت السلطة، ازدادت الحاجة إلى وضوح المساءلة، وهذا لا يعني إعادة السلطة إلى المركز. بل يعني أن اللامركزية الناضجة تحتاج إلى حوكمة أكثر وضوحاً، لا إلى مركزية أكبر. فالمؤسسة تستطيع أن تمنح مديراً صلاحية واسعة، وفي الوقت نفسه تحدد حدود المخاطر التي يستطيع قبولها، والمعلومات التي يجب أن يبني عليها قراره، والحالات التي تستوجب التصعيد، والنتائج التي يُطلب منه تفسيرها وتحمّل مسؤوليتها ضمن حدود اختصاصه، وبذلك تصبح الحوكمة حامية للتمكين، لا نقيضاً له.

لا تتحدد قيمة القيادة بالحوكمة بمقدار السلطة التي تحتفظ بها، وإنما بقدرتها على بناء نظام يتيح توزيع الصلاحيات دون ضياع المسؤولية عن استخدامها، فكلما اتسعت مساحة القرار، أصبحت الحاجة أكبر إلى قواعد واضحة تضمن إمكان تفسيره ومراجعته ومتابعة نتائجه، ومن هنا، لا يكون التميز بالمساءلة المؤسسية امتداداً لكثرة الضوابط، بل تعبيراً عن قدرة المؤسسة على ممارسة صلاحياتها بانضباط، دون أن تفقد المرونة اللازمة للعمل أو تعتمد على تدخل القيادة في كل موقف.

غير أن وضوح الصلاحيات والمسؤوليات لا يلغي التحديات التي تنشأ عندما تُفوَّض السلطة وتتعدد مستويات اتخاذ القرار، فقد تتسع الفجوة بين من يمنح الصلاحية ومن يمارسها، وبين ما تعرفه الجهات الرقابية وما يحدث فعلياً داخل المؤسسة، ومن هذه المساحة تنطلق المقالة الثانية، لتتناول تحديات التفويض وحدود الرقابة المؤسسية، وكيف يمكن أن تتحول فجوات المعلومات والإشراف إلى إخفاقات تتجاوز مسؤولية الفرد إلى النظام الذي سمح بحدوثها.

الكلمات المفتاحية:
القيادة بالحوكمة، التميز بالمساءلة المؤسسية، الحوكمة المؤسسية، المسؤولية والمساءلة، تفويض الصلاحيات، اللامركزية، فاعلية الحوكمة، ضبط السلطة.

(*) الدكتور أنيس رزوق:
عميد كلية الحوسبة والأعمال، وأستاذاً مساعداً بجامعة العلوم الإبداعية، سابقاً، مستشاراً في تخطيط استراتيجيات الجودة والتميز، ومقيّماً معتمداً في نموذج التميز المؤسسيEFQM، خبرة متقدمة في الحوكمة، واستراتيجيات القوة الناعمة، وصناعة سيناريوهات المستقبل، وإدارة مراكز إسعاد المتعاملين (STAR 7)، خبير ومحكّم معتمد في دولة الإمارات العربية المتحدة، وزميل الأكاديمية البريطانية في مجال التميز المؤسسي.

المراجع:
1. Board of Banking Supervision. (1995). Report of the Board of Banking Supervision inquiry into the circumstances of the collapse of Barings (House of Commons Paper No. 673). HMSO. https://www.gov.uk/government/publications/report-into-the-collapse-of-barings-bank
2. Jensen, M. C., & Meckling, W. H. (1976). Theory of the firm: Managerial behavior, agency costs and ownership structure. Journal of Financial Economics, 3(4), 305–360. https://doi.org/10.1016/0304-405X(76)90026-X
3. Organisation for Economic Co-operation and Development. (2023). G20/OECD principles of corporate governance 2023. OECD Publishing. https://doi.org/10.1787/ed750b30-en
4. Tabassi, E. (2023). Artificial intelligence risk management framework (AI RMF 1.0) (NIST AI 100-1). National Institute of Standards and Technology. https://doi.org/10.6028/NIST.AI.100-1
5. EFQM. (2024). The EFQM Model 2025. https://efqm.org/the-efqm-model/

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

“وجبة ….. إبداع وابتكار (139) ” القيادة بالتجانس مقابل التميز بالتنوع المعرفي – 1 “

حين يصبح انسجام الفريق سبباً في ضيق الرؤية شبكة بيئة ابوظبي: بقلم د. أنيس رزوق …

اترك تعليقاً