“وجبة ….. إبداع وابتكار (139) ” القيادة بالتجانس مقابل التميز بالتنوع المعرفي – 1 “

حين يصبح انسجام الفريق سبباً في ضيق الرؤية

شبكة بيئة ابوظبي: بقلم د. أنيس رزوق (*)، مستشار تخطيط استراتيجية الجودة والتميز، واستشراف المستقبل 22 سبتمبر 2026
قد يجلس حول طاولة القيادة أفضل الخبراء في المؤسسة، يحملون مؤهلات عالية، وخبرات طويلة، وسجلات مهنية ناجحة، ويتفاهمون بسرعة، ويتفقون على معظم القضايا، ومع ذلك تكون المؤسسة أمام مشكلة لا يراها أحد منهم، ليس لأنهم يفتقرون إلى الذكاء أو الخبرة، بل لأنهم ينظرون إليها من الزاوية نفسها تقريباً، وهنا تظهر إحدى المفارقات التي قد لا تنتبه إليها القيادة: بأن قوة الأفراد لا تعني بالضرورة اتساع عقل الفريق، وكثرة العقول حول الطاولة لا تعني تعدد الزوايا التي ترى منها المؤسسة واقعها.

»حين يحيط القائد نفسه بمن يفكرون مثله، قد يبني فريقاً منسجماً، لكنه يضيّق المجال الذي ترى منه المؤسسة الواقع«.
فالتجانس ليس مشكلة في ذاته، فالفرق تحتاج إلى لغة مشتركة، وقيم مهنية متقاربة، وقدر من الانسجام يسمح لها بالعمل واتخاذ القرار، لكن التجانس يتحول إلى خطر عندما يمتد من التفاهم الضروري للعمل إلى تشابه طرائق التفكير نفسها، فيصبح أعضاء الفريق متقاربين في تخصصاتهم وخبراتهم وافتراضاتهم ومصادر معرفتهم وطريقة تعريفهم للمشكلة والبحث عن حلولها، وعندها قد تتعدد الأسماء حول الطاولة بينما يبقى العقل الذي ينظر إلى المشكلة واحداً تقريباً.

وهذا ما يجعل «التنوع المعرفي» مختلفاً عن المعنى الشائع للتنوع، فموضوعنا هنا ليس الجنس أو العمر أو الجنسية أو الخلفية الاجتماعية في ذاتها، رغم أن هذه الاختلافات قد تسهم أحياناً في إنتاج خبرات ووجهات نظر متنوعة، وإنما الاختلاف في الكيفية التي يفهم بها الأفراد المشكلة، والمعلومات التي يعتبرونها مهمة، والافتراضات التي ينطلقون منها، والأدوات الذهنية التي يستخدمونها في البحث عن الحلول.

وقد قدم Hong وPage أساساً نظرياً مهماً لهذه الفكرة من خلال دراسة نماذج لحل المشكلات، حيث أظهرا أنه تحت شروط محددة يمكن لمجموعة متنوعة وظيفياً من حلالّي المشكلات أن تتفوق على مجموعة مكونة من أصحاب أعلى أداء فردي، لأن اختيار الأفضل فردياً قد يقود إلى مجموعة متشابهة في طرائق البحث عن الحل، بينما يتيح التنوع منظورات واستدلالات مختلفة توسع مجال البحث عن الحلول، ولا ينبغي تحويل هذه النتيجة إلى قاعدة مطلقة بأن «التنوع يتفوق دائماً على القدرة»، فالنتيجة مشروطة بنموذج الدراسة وطبيعة المشكلة، لكنها تكشف فكرة شديدة الأهمية للقيادة: قيمة الفريق لا تتحدد فقط بمجموع قدرات أفراده، بل أيضاً بمقدار الاختلاف المفيد بين الطرق التي يستخدمون بها تلك القدرات.

وهنا يمكن فهم لماذا قد يقع قائد ناجح في «فخ التشابه». فالإنسان يميل بطبيعته إلى سهولة التعامل مع من يفهم منطقه ويتحدث لغته المهنية ويشاركه كثيراً من الافتراضات، والقائد كذلك قد يشعر براحة أكبر مع أشخاص يعرف مسبقاً كيف سيحللون المشكلة وكيف سيتفاعلون مع قرارات، ومع مرور الوقت قد يصبح معيار الثقة متداخلاً من دون قصد مع معيار التشابه، فيقترب من دائرة القرار من يفكرون بالطريقة المألوفة، بينما تبقى الزوايا المختلفة على الأطراف.

ولا يحتاج ذلك إلى قرار متعمد بإقصاء المختلفين. قد يحدث من خلال الاختيار والترقية وتشكيل اللجان وفرق المشروعات وتحديد من يُستشار في القضايا المهمة، فإذا كان القائد يرجع دائماً إلى الأشخاص أنفسهم، من التخصصات نفسها، وذوي المسارات المهنية المتقاربة، فإنه قد يبني تدريجياً ما يمكن تسميته “مرآة التشابه القيادي”: فريقاً يعكس طريقة تفكيره أكثر مما يوسعها.

وهنا لا تكون المشكلة أن المرآة تقدم معلومات خاطئة، بل أنها تعيد للقائد الصورة التي يعرفها.
»القائد لا يحتاج حوله إلى عقول تؤكد ما يراه فقط، بل إلى عقول تساعده على رؤية ما لا يراه«.

وتصبح هذه القضية أكثر أهمية كلما ازدادت المشكلة تعقيداً. فالمشكلة التشغيلية البسيطة قد يستطيع خبير متخصص حلها بكفاءة، لكن القرارات الاستراتيجية الكبرى نادراً ما تكون أحادية البعد. فالتحول الرقمي، مثلاً، ليس قضية تقنية فقط، بل يتداخل فيه المتعامل والموظف والعمليات والتكلفة والمخاطر والأمن والبيانات والقانون والثقافة التنظيمية، فإذا عولج بمنظور تقني وحده فقد ينتج نظاماً ممتازاً تقنياً وضعيفاً من حيث الاستخدام، وإذا عولج بمنظور مالي فقط فقد يخفض التكلفة ويضعف القيمة، وإذا عولج بمنظور تشغيلي فقط فقد يحسن العملية الحالية دون أن يسأل إن كانت العملية نفسها لا تزال ضرورية.

وهنا تظهر قيمة التنوع المعرفي، ليس لأنه يزيد عدد الآراء، بل لأنه يوسع الأبعاد التي تدخل في تعريف المشكلة قبل البحث عن حلها، فالمؤسسة قد تمتلك خبرات عالية ومعلومات دقيقة، لكن جودة ما تعرفه لا تكفي إذا كانت المشكلة تُقرأ دائماً من الزوايا نفسها.

ولا ينبغي الخلط هنا بين التنوع المعرفي والتميز المعرفي، فالتميز المعرفي يبحث في انتقال المعرفة من الفرد إلى المؤسسة وتحولها إلى قدرة قابلة للتراكم والاستمرار وإعادة الإنتاج، أما التنوع المعرفي فيبحث في تعدد المنظورات التي تستدعيها القيادة لفهم المشكلة وصناعة القرار، ولذلك قد تمتلك المؤسسة معرفة مؤسسية راسخة ومنظمة، ومع ذلك تبقى رؤيتها محدودة إذا تشابهت الخلفيات والافتراضات وطرائق التفكير المحيطة بالقرار، فالتميز المعرفي يحمي المؤسسة من أن تفقد ما تعرفه، أما التنوع المعرفي فيحميها من أن ترى ما تعرفه من زاوية واحدة.

وعندما يستمر هذا التشابه يتشكل ما يمكن تسميته «ضيق المجال المعرفي القيادي»، وهو تقلص الزوايا والتفسيرات التي تستطيع القيادة من خلالها قراءة الواقع.

ولا تظهر خطورة هذا الضيق دائماً في القرارات اليومية، لأن البيئة المستقرة قد تسمح للفريق المتجانس بأن يعمل بكفاءة، خصوصاً عندما تكون المشكلات مألوفة والحلول السابقة ما زالت صالحة، لكن الخطر يتكشف عندما تتغير طبيعة المشكلة، أو تظهر أزمة غير مألوفة، أو تدخل تقنية تعيد تشكيل قواعد العمل. عندها يصبح الفريق المتجانس أكثر ميلاً إلى البحث عن الإجابة داخل المساحة التي يعرفها، بينما قد تكون المشكلة الجديدة قد خرجت أصلاً من حدود تلك المساحة، فلا تعود الحاجة إلى البحث عن حل مختلف فقط، بل قد تمتد إلى إعادة النظر في الإطار الذي عُرّفت المشكلة من خلاله أصلاً، وهنا لا يعود السؤال: كم تعرف المؤسسة؟ بل: من أي زوايا تستطيع أن ترى ما تعرفه وما تواجهه؟

وتقدم تجربة IBM مثالاً واضحاً على تحويل هذه الفكرة من قيمة عامة إلى ممارسة مؤسسية مقصودة، فالشركة الأمريكية التي تأسست عام 1911 وتعمل في قطاع التكنولوجيا والخدمات والحلول الرقمية، جعلت من تنوع الخبرات والمنظورات جزءاً من منهجها في Enterprise Design Thinking، انطلاقاً من أن تشكيل الفريق لا يحدد فقط من سيعمل على المشكلة، بل يؤثر أيضاً في الكيفية التي ستُفهم بها المشكلة نفسها، ولهذا تؤكد المنهجية أهمية تشكيل فرق تجمع تخصصات وخبرات ومنظورات مختلفة، بحيث لا يحتكر تخصص واحد تعريف المشكلة أو تحديد الحل، بل تدخل إلى عملية الفهم زوايا متعددة ترتبط بالمستخدم والتقنية والأعمال والتنفيذ وغيرها. وتؤكد منهجية IBM أن اختلاف الأشخاص في تفسير الموقف نفسه يمكن أن يساعد الفريق على بناء فهم أكثر ثراءً للمشكلة قبل الانتقال إلى الحل.

وتكمن أهمية التجربة عنا بأن التنوع هنا لا يُعامل باعتباره مجرد اختلاف بين أعضاء الفريق، بل باعتباره جزءاً من تصميم عملية التفكير نفسها، فحين تختار المؤسسة من يجلس حول طاولة المشكلة، فإنها تختار بصورة غير مباشرة الزوايا التي ستُرى المشكلة من خلالها، وإذا اقتصرت هذه الطاولة على تخصص أو خبرة أو منطق واحد، فقد يكون الفريق عالي الكفاءة، لكنه يظل يعمل داخل مجال معرفي ضيق. أما إدخال منظورات متعددة منذ مرحلة تعريف المشكلة، فيوسع المجال الذي يمكن أن تتحرك داخله القيادة قبل أن تستقر على تفسير أو قرار، فعند إعداد خطة استراتيجية، مثلاً، لا يكفي أن يتشكل الفريق من متخصصين في الاستراتيجية وحدها، بل يحتاج إلى زوايا أخرى يمثلها المختصون في المالية والموارد البشرية والعمليات والتقنية وإدارة المخاطر وخدمة المتعاملين، بحسب طبيعة المؤسسة، فكل تخصص يقرأ الخطة من زاوية مختلفة: الاستراتيجية تنظر إلى الاتجاه والأولويات، والمالية إلى الموارد والاستدامة، والموارد البشرية إلى القدرات، والتقنية إلى الممكنات والتحول، والعمليات إلى قابلية التنفيذ، ومن اجتماع هذه الزوايا تتشكل رؤية أكثر اكتمالاً مما يستطيع تخصص واحد، مهما بلغت خبرته، أن يقدمه بمفرده.

تشكيل الفريق ليس قراراً يتعلق بمن سيشارك فقط، بل قرار يحدد من أي زوايا ستتمكن المؤسسة من رؤية المشكلة.
وهنا يتضح أن التحدي الذي تواجهه القيادة لا يكمن دائماً في نقص الخبرة أو ضعف الكفاءة، بل قد يكمن في تشابه الزوايا التي تستخدم بها هذه الخبرات والكفاءات، فالفريق قد يضم أفراداً على درجة عالية من التخصص، لكنه يظل محدود الرؤية إذا كانت خبراتهم وافتراضاتهم وطرائق تفكيرهم تقودهم إلى قراءة المشكلة بالطريقة نفسها، وعندها يصبح التنوع المعرفي وسيلة لتوسيع المجال الذي ترى من خلاله القيادة الواقع، لا مجرد إضافة أصوات جديدة إلى طاولة القرار.
لكن وجود هذا التنوع لا يعني أن المؤسسة أصبحت قادرة تلقائياً على الاستفادة منه، فاختلاف المنظورات قد يوسع مجال التفكير، لكنه قد يضيف في الوقت نفسه تحديات تتعلق بالتنسيق وبناء الفهم المشترك والوصول إلى القرار، ولذلك لا تتوقف القضية عند جمع عقول مختلفة، بل تمتد إلى كيفية تحقيق التوازن بين اختلافها وقدرتها على العمل معاً.

ومن هنا تستكمل المقالة اللاحقة هذا المسار بالانتقال من سؤال: لماذا تحتاج القيادة إلى التنوع المعرفي؟ إلى سؤال أكثر تقدماً: كيف تستفيد من هذا التنوع دون أن يتحول الاختلاف إلى تشتت، وكيف تجمع بين الكفاءة وتعدد المنظورات بما يوسع رؤية المؤسسة ويحسن قدرتها على فهم المشكلات وصناعة القرار؟

القيادة بالتجانس، التنوع المعرفي، ضيق المجال المعرفي القيادي، مرآة التشابه القيادي، تعدد المنظورات، تشكيل فرق العمل، حل المشكلات المعقدة، صناعة القرار.

(*) د. أنيس رزوق:
أكاديمي ومستشار قيادي في التخطيط الاستراتيجي والتميز المؤسسي واستشراف المستقبل.
عميد كلية الحوسبة والأعمال، وأستاذاً مساعداً بجامعة العلوم الإبداعية، سابقاً، مستشاراً في تخطيط استراتيجيات الجودة والتميز، ومقيّماً معتمداً في نموذج التميز المؤسسيEFQM، خبرة متقدمة في الحوكمة، واستراتيجيات القوة الناعمة، وصناعة سيناريوهات المستقبل، وإدارة مراكز إسعاد المتعاملين (STAR 7)، خبير ومحكّم معتمد في دولة الإمارات العربية المتحدة، وزميل الأكاديمية البريطانية في مجال التميز المؤسسي.

المراجع:
1. Hong, L., & Page, S. E. (2004). Groups of diverse problem solvers can outperform groups of high-ability problem solvers. Proceedings of the National Academy of Sciences, 101(46), 16385–16389. https://doi.org/10.1073/pnas.0403723101
2. IBM. (n.d.). Enterprise Design Thinking framework. IBM.
https://www.ibm.com/training/enterprise-design-thinking/framework

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

“وجبة ….. إبداع وابتكار (135) ” القيادة بالشفافية مقابل التميز بالوضوح المؤسسي – 1″

من إتاحة المعلومة إلى صناعة الفهم شبكة بيئة ابوظبي: بقلم د. أنيس رزوق (*)، مستشار …

اترك تعليقاً