نحو استراتيجية متكاملة للتكيف المناخي في المدن العربية
شبكة بيئة أبوظبي، مصطفى بنرامل (*) ، خبير بيئي، رئيس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ، المملكة المغربية 28 أكتوبر 2026
الملخص
تمثل الجزر الحرارية الحضرية أحد التحديات البيئية والمناخية المتنامية التي تواجه المدن العربية، نتيجة التفاعل بين الاحترار العالمي، والتوسع العمراني، وتغير استعمالات الأراضي، وتراجع الغطاء النباتي، وتزايد الاعتماد على أنظمة التبريد الميكانيكي. وتتضاعف خطورة هذه الظاهرة عند تزامنها مع موجات الحر والجفاف والعواصف الترابية والأمطار الغزيرة والفيضانات المفاجئة، بما يترتب عن ذلك من آثار صحية واقتصادية واجتماعية متفاوتة بين السكان والأحياء الحضرية.
وتكتسب هذه الإشكالية أهمية استراتيجية في ضوء تقرير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، الذي أكد أن سنة 2024 كانت الأشد حرارة على الإطلاق في المنطقة العربية، بمتوسط حراري أعلى بـ1.08 درجة مئوية من متوسط الفترة المرجعية 1991–2020، مع تسارع الاحترار الإقليمي وتزايد شدة موجات الحر والجفاف والأحداث المطرية المتطرفة (WMO, 2025).
كما أظهرت دراسة شملت 21 مدينة رئيسية في الشرق الأوسط خلال الفترة 2003–2019 أن أكثر من 11 مليون نسمة في المدن الكبرى المشمولة بالدراسة يعيشون في مناطق معرضة لمخاطر حرارية مرتفعة، وأن ارتفاع درجات حرارة سطح الأرض ليلاً يشكل أحد المؤشرات المهمة على تفاقم الإجهاد الحراري الحضري (Tzyrkalli et al., 2024).
ينطلق هذا المقال من مقاربة تحليلية تجمع بين الأدبيات العلمية والتقارير الدولية والمؤشرات المناخية المتاحة، بهدف تفسير آليات نشوء الجزر الحرارية، وتحليل علاقتها بالظواهر الجوية المتطرفة، واستجلاء أبعادها الصحية والاقتصادية والاجتماعية. كما يقترح استراتيجية عربية للتكيف تقوم على التخطيط الحضري المناخي، والبنية التحتية الخضراء والزرقاء، والتصميم المعماري السلبي، وإدارة الطلب على الطاقة والمياه، والإنذار المبكر، وتعزيز العدالة الحرارية. ويختتم باقتراح مؤشر مركب لتقييم قدرة المدن العربية على التكيف مع الحرارة، مع التأكيد على ضرورة بناء خطوط أساس محلية قبل تحديد الأهداف الكمية النهائية.
الكلمات المفتاحية: الجزر الحرارية الحضرية؛ التغير المناخي؛ الظواهر الجوية المتطرفة؛ المدن العربية؛ التكيف المناخي؛ العدالة الحرارية؛ التخطيط الحضري؛ الحلول القائمة على الطبيعة؛ الأمن الصحي؛ المرونة الحضرية.
مقدمة: التحول المناخي للمدينة العربية
لم تعد المدينة العربية مجرد فضاء عمراني لاستيعاب السكان والأنشطة الاقتصادية، بل أصبحت مجالاً تتقاطع داخله المخاطر المناخية والضغوط الديموغرافية والاختلالات البيئية والتفاوتات الاجتماعية. فالتوسع الحضري المتسارع، عندما لا يُواكَب بتخطيط مناخي استباقي، يؤدي إلى زيادة المساحات المغطاة بالإسفلت والخرسانة، وتراجع نفاذية التربة، وتقلص المساحات الخضراء، وتغيير أنماط حركة الهواء وتبادل الطاقة بين سطح الأرض والغلاف الجوي.
وتشير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ إلى أن المناطق الحضرية أصبحت بؤراً متزايدة الأهمية للتعرض للمخاطر المناخية، وأن تفاعل الاحترار العالمي مع النمو الحضري يمكن أن يرفع درجات الحرارة محلياً، بينما يؤدي فقدان البنية التحتية الخضراء إلى إضعاف قدرة المدن على التكيف (IPCC, 2022).
وتتضح خطورة هذا التحول في المنطقة العربية، حيث تتداخل الحرارة الشديدة مع ندرة المياه، وتزايد الطلب على الكهرباء، وتفاوت جودة السكن والخدمات الأساسية. فقد سجلت سنة 2024 متوسطاً حرارياً إقليمياً أعلى بـ1.08 درجة مئوية من متوسط الفترة 1991–2020، وأشارت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أن معدل الاحترار في المنطقة العربية يتجاوز تقريباً ضعف المعدل العالمي، وفق تقييمها المنشور سنة 2025. كما تأثرت المنطقة في السنة نفسها بأحداث متطرفة أودت بحياة أكثر من 300 شخص وأثرت في نحو 3.8 ملايين شخص، أساساً بفعل موجات الحر والفيضانات (WMO, 2025).
تؤكد هذه المعطيات أن المخاطر الحرارية لا يمكن تفسيرها من خلال التغير المناخي وحده، بل ينبغي تحليلها باعتبارها حصيلة تفاعل بين الظروف المناخية الإقليمية والخصائص العمرانية المحلية والهشاشة الاجتماعية. ومن هنا تتحدد الإشكالية المركزية للمقال في السؤال الآتي: كيف يمكن للمدن العربية تطوير استراتيجية متكاملة للتكيف مع الجزر الحرارية الحضرية والظواهر الجوية المتطرفة، بما يضمن خفض التعرض للمخاطر، وحماية الفئات الهشة، وترشيد استخدام المياه والطاقة، وتحقيق العدالة المناخية؟
ويتفرع عن هذه الإشكالية عدد من الأسئلة: ما العوامل التي تتحكم في تشكل الجزر الحرارية؟ وكيف تتفاعل مع موجات الحر والجفاف والأمطار الغزيرة؟ وما حدود الحلول التقنية المنفردة؟ وكيف يمكن تحويل التكيف الحراري إلى سياسة حضرية قابلة للقياس والتقييم والمساءلة؟
1- المنهجية والإطار المفاهيمي
يعتمد المقال منهجاً تحليلياً تركيبياً يستند إلى مراجعة مجموعة من المراجع العلمية والتقارير المؤسسية الدولية، مع توظيف مؤشرات كمية منشورة لتوصيف السياق المناخي العربي ومخاطر التعرض الحضري. ويستفيد من تقرير حالة المناخ في المنطقة العربية لسنة 2024، وتقييم الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ للمدن والبنية التحتية، والدراسة الإقليمية المتعلقة بالتعرض للإجهاد الحراري في مدن الشرق الأوسط، فضلاً عن تقارير برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية والبنك الدولي. ولا يمثل هذا المقال دراسة ميدانية أصلية لمدينة عربية محددة؛ إذ لا يتضمن قياسات حرارية مستقلة أو مسحاً سكانياً جديداً. لذلك تُستخدم الأرقام المنشورة لتوصيف الاتجاهات العامة، بينما تُعرض المؤشرات المقترحة لاحقاً باعتبارها إطاراً منهجياً يحتاج إلى التحقق والتطبيق على المستوى المحلي. ومن الناحية المفاهيمية، ينبغي التمييز بين ثلاثة مصطلحات مترابطة:
• الاحترار العالمي: الارتفاع طويل الأمد في متوسط درجة حرارة سطح الأرض والنظام المناخي.
• الجزيرة الحرارية الحضرية (Urban Heat Island – UHI): الفرق الحراري بين المجال الحضري ومحيطه الأقل تحضراً، ويُقاس وفق طبيعة المؤشر المعتمد، مثل حرارة الهواء أو حرارة سطح الأرض.
• الإجهاد الحراري: التأثير الفسيولوجي المشترك لدرجة الحرارة والرطوبة والإشعاع والرياح والنشاط البدني في قدرة جسم الإنسان على تبديد الحرارة.
ويكتسي هذا التمييز أهمية منهجية، لأن درجة حرارة سطح الأرض المستخرجة من الأقمار الصناعية ليست مطابقة لدرجة حرارة الهواء التي يتعرض لها الإنسان، كما أن التعرض الحراري لا يتحدد بالحرارة وحدها، بل يتأثر بالرطوبة والظل والتهوية وطبيعة النشاط البشري. وبناء على ذلك، فإن تقييم الخطر الحراري ينبغي أن يجمع بين البيانات المناخية والخصائص العمرانية ومعلومات السكان والصحة والخدمات، بدلاً من الاعتماد على مؤشر حراري منفرد (IPCC, 2022).
2- آليات تشكل الجزر الحرارية الحضرية
تنشأ الجزر الحرارية نتيجة تغير ميزان الطاقة السطحية بفعل التحول العمراني. فالمباني والطرق والأسطح الإسفلتية والخرسانية تمتص الإشعاع الشمسي وتخزن جزءاً من طاقته، ثم تعيد إطلاقه تدريجياً، خصوصاً خلال المساء والليل. وفي المقابل، يؤدي تراجع الغطاء النباتي إلى تقليص الظل والتبريد بالتبخر والنتح، بينما يمكن أن تحد الكثافة العمرانية غير الملائمة من التهوية الطبيعية. ويمكن تصنيف العوامل المساهمة في الظاهرة إلى أربع مجموعات مترابطة:
• أولاً: العوامل الفيزيائية والعمرانية. وتشمل طبيعة مواد البناء، ودرجة انعكاس الأسطح للإشعاع الشمسي، وكثافة المباني وارتفاعها وتوزيعها، ونسبة المساحات غير المنفذة للمياه، ومدى اتصال المساحات الخضراء بعضها ببعض.
• ثانياً: العوامل البيئية. وتشمل ندرة الغطاء النباتي، وجفاف التربة، وانخفاض الرطوبة المتاحة للتبخر، وتراجع المساحات الطبيعية المحيطة بالمدينة.
• ثالثاً: العوامل المرتبطة بالأنشطة البشرية. وتشمل الحرارة المنبعثة من المركبات والمنشآت الصناعية وأجهزة التكييف والأنشطة الاقتصادية، إضافة إلى الطاقة المستهلكة في المباني.
• رابعاً: العوامل المناخية والمجالية. وتشمل طبيعة المناخ المحلي، والرطوبة، وسرعة الرياح واتجاهها، والتضاريس، والقرب من السواحل أو المسطحات المائية، والتوقيت الذي تُجرى فيه القياسات.
ويشير تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ إلى أن تأثير الجزيرة الحرارية الحضرية قد يضيف ما يصل إلى نحو درجتين مئويتين من الاحترار المحلي في بعض السياقات، مع اختلاف حجم التأثير بحسب خصائص المدينة والظروف المحيطة بها (IPCC, 2022). غير أن هذا الرقم لا ينبغي اعتباره قيمة ثابتة لجميع المدن العربية، ولا زيادة موحدة في حرارة الهواء أو سطح الأرض. فهو مؤشر على إمكانية تضاعف الخطر في سياقات حضرية معينة، وليس معاملاً عاماً يصلح للتطبيق المباشر على كل مدينة أو حي.
3- المؤشرات الرقمية ودلالاتها بالنسبة إلى المدن العربية
تتيح البيانات المناخية والدراسات الإقليمية تحديد عدد من المؤشرات التي تساعد على فهم حجم التحدي، مع ضرورة التمييز بين الأرقام المقاسة إقليمياً والنتائج المستخلصة من دراسات محددة.
• الانحراف الحراري سنة 2024 +1.08°C مقارنة بمتوسط 1991–2020 في المنطقة العربية؛
• المدن المشمولة بالدراسة 21 مدينة رئيسية في الشرق الأوسط؛
• السكان في مناطق معرضة للحرارة أكثر من 11 مليوناً ضمن المدن الكبرى التي شملتها الدراسة الإقليمية؛
• تغطية خدمات الإنذار المبكر نحو 60% من دول المنطقة العربية، وفق تقرير WMO.
تشير المؤشرات إلى مستويات إقليمية أو إلى نطاق الدراسة المعنية، ولا تمثل قياسات موحدة لكل المدن العربية. WMO (2025)؛ Tzyrkalli et al. (2024).
3-1 سنة 2024 بوصفها مؤشراً على تصاعد المخاطر
أكدت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن سنة 2024 كانت الأشد حرارة في السجل المناخي للمنطقة العربية، بمتوسط يزيد بـ1.08 درجة مئوية عن متوسط الفترة 1991–2020. كما رصد التقرير اتجاهاً نحو موجات حر أطول وأكثر شدة، خاصة في شمال إفريقيا والشرق الأدنى، فضلاً عن تزايد مخاطر الجفاف والأمطار الغزيرة والفيضانات المفاجئة (WMO, 2025). وتكتسي هذه المعطيات أهمية خاصة للمدن العربية، لأنها تعمل بوصفها سياقاً مناخياً عاماً يمكن أن تتفاقم داخله آثار الخصائص العمرانية المحلية. لكنها لا تثبت بمفردها أن الزيادة الحرارية المسجلة إقليمياً ناتجة عن الجزر الحرارية؛ فهذه الأخيرة تتطلب قياسات مقارنة بين المجال الحضري ومحيطه.
3-2 التعرض الحراري في المدن الكبرى
حللت دراسة Tzyrkalli وزملائه تغيرات حرارة سطح الأرض خلال فصل الصيف في 21 مدينة رئيسية في الشرق الأوسط بين عامي 2003 و2019. وأظهرت النتائج أن حرارة سطح الأرض الليلية ارتفعت بوتيرة أسرع من الحرارة النهارية في عدد من المدن، وأن أكثر من 11 مليون شخص في المدن الكبرى المشمولة بالدراسة يعيشون في مناطق معرضة للإجهاد الحراري المرتفع (Tzyrkalli et al., 2024).
وتبرز أهمية هذه النتيجة في أن استمرار درجات الحرارة المرتفعة خلال الليل يحدّ من فرص استعادة الجسم توازنه الحراري بعد التعرض للحرارة الشديدة نهاراً، مما يزيد من الإجهاد الحراري والمخاطر الصحية، خاصة لدى الفئات الهشة. كما قد يؤدي غياب الانخفاض الليلي الكافي في درجات الحرارة إلى اضطراب النوم، وتفاقم المشكلات الصحية، وتقليص قدرة الجسم على التكيف مع موجات الحر المتتالية. وتكتسي هذه الظاهرة أهمية خاصة في المدن التي تشهد تأثير جزيرة الحرارة الحضرية،
نتيجة كثافة البناء وتراجع المساحات الخضراء. ومع ذلك، ينبغي التعامل بحذر مع النتائج الكمية للدراسة، إذ اقتصرت على مدن محددة في الشرق الأوسط، ولا يجوز تعميم الرقم السكاني الوارد فيها على مجموع سكان المنطقة العربية. ومن ثم، تظل الحاجة قائمة إلى دراسات إقليمية ومحلية أكثر شمولاً، تراعي التفاوتات المناخية والديمغرافية والعمرانية، من أجل تقييم المخاطر الصحية بدقة وتطوير سياسات فعالة للتكيف مع موجات الحر.
3-3 فجوة الإنذار المبكر
أفادت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية بأن نحو 60% من دول المنطقة العربية تتوفر على خدمات للإنذار المبكر بالمخاطر المتعددة. ورغم أهمية هذا التقدم، فإنه يكشف عن فجوة مؤسسية تستدعي توسيع نطاق الخدمات وتحسين دقتها وربطها بخطط استجابة محلية واضحة (WMO, 2025).
ومن الناحية التطبيقية، لا يكفي وجود نظام وطني للإنذار المبكر لضمان حماية سكان كل حي؛ إذ ينبغي تقييم وصول الرسائل إلى السكان، وتوافر مراكز التبريد، واستعداد المؤسسات الصحية، ومدى قدرة الفئات الهشة على اتخاذ تدابير وقائية فعالة.
4- التفاعل بين الجزر الحرارية والظواهر الجوية المتطرفة
تتجاوز خطورة الجزر الحرارية الحضرية تأثيرها المباشر في رفع درجات الحرارة، لتشمل تفاعلها مع منظومة أوسع من المخاطر المناخية، مثل موجات الحر والجفاف والأمطار الغزيرة والفيضانات. ويؤكد التقييم السادس للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أن المخاطر الحضرية تتشكل من تفاعل الأخطار المناخية مع التعرض والهشاشة، وأن القرارات المتعلقة باستعمال الأراضي وتصميم المباني والبنية التحتية تؤثر في مستوى المخاطر التي تواجه السكان (IPCC, 2022).
4-1 موجات الحر وتراكم الحرارة الليلية
خلال موجات الحر، ترتفع درجات الحرارة الإقليمية، بينما يمكن للأسطح العمرانية تخزين الطاقة الحرارية وإطلاقها بعد غروب الشمس. ويؤدي ذلك، في بعض السياقات الحضرية، إلى استمرار الإجهاد الحراري خلال الليل، خصوصاً في الأحياء ذات الكثافة البنائية المرتفعة والتهوية المحدودة.
وتكتسب هذه الظاهرة أهمية صحية لأن مخاطر الحرارة لا تتحدد بالقيم القصوى المسجلة نهاراً وحدها، وإنما أيضاً بمدة التعرض، والرطوبة، ودرجة الحرارة الليلية، والقدرة على الوصول إلى مساكن جيدة التهوية أو فضاءات تبريد آمنة.
4-2 الجفاف وندرة المياه
تؤدي موجات الجفاف إلى انخفاض رطوبة التربة وتراجع النشاط النباتي، مما يحد من التبريد الناتج عن التبخر والنتح. وفي المقابل، قد تتطلب بعض مشاريع التشجير الحضري كميات إضافية من مياه الري، الأمر الذي يفرض ضرورة التوفيق بين التكيف الحراري والأمن المائي. وتزداد أهمية هذه المعادلة في المنطقة العربية، التي تضم 15 دولة من بين أكثر دول العالم شحاً في المياه، وفق المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO, 2025).
وعليه، لا يمكن أن تقوم سياسة التبريد الحضري على زيادة المساحات الخضراء بصورة كمية فقط، بل يجب أن تستند إلى اختيار الأنواع النباتية الملائمة للمناخ المحلي، وتدبير مياه الري، وإعادة استخدام المياه المعالجة وفق الضوابط الصحية والبيئية، وحماية التربة من التدهور.
4-3 الأمطار الغزيرة والفيضانات الحضرية
يمكن للتوسع العمراني وتزايد الأسطح غير المنفذة للمياه أن يرفعا سرعة الجريان السطحي ويزيدا الضغط على شبكات تصريف مياه الأمطار. وعندما تتزامن هذه الظروف مع أمطار شديدة، ترتفع مخاطر الفيضانات المحلية، خاصة في المناطق المنخفضة والأحياء التي تعاني من قصور البنية التحتية. ويشير IPCC إلى أن زيادة الأسطح غير المنفذة والتوسع العمراني في المناطق المعرضة للفيضانات يمكن أن يفاقما المخاطر المرتبطة بالأمطار الغزيرة والفيضانات الساحلية والنهرية (IPCC, 2022).
لذلك ينبغي ألا يُنظر إلى الجزر الحرارية والفيضانات بوصفهما ملفين منفصلين؛ إذ يمكن لبعض الحلول، مثل الحدائق المطرية، والأسطح الخضراء الملائمة، والأرصفة المنفذة للمياه، واستعادة الأراضي الرطبة الحضرية، أن تسهم في معالجة الحرارة والجريان السطحي معاً، شريطة تقييم ملاءمتها للظروف المحلية.
4-4 حلقة التغذية الراجعة بين الحرارة والطاقة
تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى زيادة الطلب على التبريد الميكانيكي، وقد يؤدي تشغيل أجهزة التكييف إلى إطلاق الحرارة خارج المباني وزيادة الضغط على شبكات الكهرباء. وعندما تعتمد أنظمة التبريد على كهرباء مرتفعة الانبعاثات، يمكن أن تتفاقم أيضاً آثارها المناخية غير المباشرة.
وتوضح الأدبيات العلمية أن العلاقة بين الحرارة والتبريد الحضري ليست أحادية الاتجاه، بل تتأثر بكفاءة الأجهزة، وخصائص المباني، ومصادر الكهرباء، وطبيعة النسيج العمراني (IPCC, 2022). ومن ثم، فإن خفض الطلب على التبريد من خلال الظل والعزل والتهوية الطبيعية يمثل تدخلاً وقائياً يمكن أن يحقق فوائد صحية وطاقية واقتصادية متزامنة.
5- الأبعاد الصحية والاجتماعية والاقتصادية
5-1 الحرارة بوصفها خطراً على الصحة العامة
ترتبط الحرارة الشديدة بمخاطر الإجهاد الحراري والجفاف واضطرابات وظائف الجسم، وتزداد خطورتها لدى كبار السن والأطفال والأشخاص المصابين بأمراض مزمنة والعاملين في الهواء الطلق. كما يمكن أن يؤدي ارتفاع الحرارة داخل المساكن إلى تعريض الأشخاص الذين لا يستطيعون الوصول إلى وسائل التبريد المناسبة لمخاطر متواصلة.
وتؤكد الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أن التعرض للحرارة في المدن يتوزع بصورة غير متكافئة، وأن السكان ذوي الدخل المحدود وكبار السن والأطفال وغيرهم من الفئات الهشة يواجهون مخاطر أكبر، نتيجة تفاعل التعرض البيئي مع محدودية الموارد والقدرة على التكيف (IPCC, 2022).
وبناءً على ذلك، ينبغي أن تتجاوز الاستجابة الصحية حملات التوعية العامة لتشمل خططاً عملية، منها:
• وضع بروتوكولات صحية للتعامل مع موجات الحر، تطوير نظم رصد للحالات المرتبطة بالإجهاد الحراري.
• تحديد الفئات المعرضة للخطر وإتاحة خدمات المساعدة لها.
• توفير فضاءات تبريد عامة يسهل الوصول إليها.
• إعداد خطط خاصة للمؤسسات الصحية والمدارس ودور الرعاية.
• تكييف ساعات العمل في المهن الخارجية وفق القواعد الصحية والقانونية المعمول بها.
5-2 العدالة الحرارية والتفاوت بين الأحياء
لا يتوزع التعرض الحراري داخل المدينة بالتساوي؛ إذ قد تختلف درجات الحرارة والظل والتهوية وإمكانية الوصول إلى الحدائق بين الأحياء، كما تتفاوت قدرة السكان على تحمل تكاليف الكهرباء والعزل الحراري وصيانة المساكن.
ويؤكد تقرير World Cities Report 2024 أن الفقر والتفاوتات الاجتماعية يفاقمان آثار المخاطر المناخية على الفئات المهمشة، وأن بناء مدن أكثر قدرة على الصمود يتطلب مقاربة شاملة تعالج أسباب الهشاشة، ولا تقتصر على التدخلات الهندسية أو البيئية (UN-Habitat, 2024).
ومن هذا المنطلق، يُقصد بمفهوم العدالة الحرارية (Urban Heat Justice) ضمان توزيع أكثر إنصافاً للحماية من الحرارة، من خلال إعطاء الأولوية للأحياء الأكثر تعرضاً والأقل استفادة من المساحات الخضراء والخدمات الصحية والبنية التحتية الملائمة. وتقتضي هذه المقاربة أن تُوجَّه الاستثمارات وفق خرائط المخاطر والهشاشة، وليس وفق القيمة العقارية للأحياء أو جاذبيتها السياحية وحدها. كما ينبغي إشراك السكان، ولا سيما النساء والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن، في تحديد الأولويات وتقييم نتائج المشاريع.
5-3 الكلفة الاقتصادية للحرارة الحضرية
تؤثر الحرارة الشديدة في إنتاجية العمل، واستهلاك الكهرباء، وتكاليف تشغيل المباني، والنقل، والبناء، والسياحة، والخدمات الصحية. وقد تتفاقم هذه التكاليف عندما تتزامن موجات الحر مع اضطرابات في إمدادات الطاقة أو المياه.
ويشير البنك الدولي إلى أهمية الانتقال من التعامل مع الحرارة الحضرية باعتبارها مشكلة طارئة إلى إدماجها في سياسات الاستثمار والتخطيط الحضري، مع الاستفادة من التدخلات للحد من التعرض وتقليل الأضرار (World Bank, 2024).
غير أن تقدير الكلفة الاقتصادية في مدينة بعينها يتطلب بيانات محلية حول استهلاك الطاقة، وأيام العمل المفقودة، والنفقات الصحية، والأضرار التي تلحق بالبنية التحتية، والخسائر التي تتكبدها الأنشطة الاقتصادية. لذلك لا يصح إسناد قيمة مالية موحدة إلى ظاهرة الجزر الحرارية في المدن العربية من دون دراسة اقتصادية مخصصة.
6- استراتيجية متكاملة للتكيف مع الجزر الحرارية في المدن العربية
إن مواجهة الجزر الحرارية لا يمكن أن تقتصر على حملات التشجير أو طلاء الأسطح أو زيادة أجهزة التكييف، بل تتطلب سياسة عامة متكاملة تجمع بين التدخلات العمرانية والبيئية والصحية والاجتماعية. ويقترح المقال ثمانية محاور مترابطة.
6-1 المحور الأول: إعداد خرائط حرارية حضرية دقيقة
تمثل المعرفة المكانية نقطة الانطلاق لأي سياسة ناجعة للتكيف. ويتطلب ذلك دمج صور الأقمار الصناعية وبيانات محطات الأرصاد والقياسات الأرضية ونظم المعلومات الجغرافية (GIS) مع بيانات السكان واستعمالات الأراضي والخدمات الصحية. وينبغي أن تحدد الخرائط:
1. المناطق التي تسجل أعلى درجات حرارة سطح الأرض والهواء.
2. الأحياء ذات الغطاء النباتي المحدود، المناطق ذات الكثافة العمرانية المرتفعة وضعف التهوية.
3. المدارس والمستشفيات ودور الرعاية والمرافق العامة،
4. مواقع العمل الخارجي ومحاور تنقل المشاة.
5. الأحياء التي تجمع بين التعرض الحراري والهشاشة الاجتماعية.
ويمكن الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل الأنماط المكانية وتحديد المناطق ذات الأولوية، بشرط التحقق من جودة البيانات، وعدم الخلط بين حرارة السطح وحرارة الهواء، وإتاحة النتائج للجهات المحلية والمجتمع المدني.
ويُوصى بإعداد خرائط موسمية ونهارية وليلية، لأن البؤر الحرارية قد تختلف باختلاف التوقيت والظروف الجوية.
6-2 المحور الثاني: التشجير الحضري والظل المستدام
تسهم الأشجار والنباتات في تخفيف الحرارة من خلال الظل والتبخر والنتح، كما يمكنها تحسين جودة الفضاءات العامة وتعزيز الرفاه الحضري. وتُعد الحلول القائمة على الطبيعة من الخيارات للتكيف الحضري، وفق تقييم IPCC (2022).
لكن نجاح التشجير في المدن العربية يستلزم اعتماد معايير تتجاوز عدد الأشجار المزروعة، وتشمل:
• اختيار الأنواع المحلية أو المتكيفة مع المناخ، وفق تقييم بيئي متخصص.
• تقليل الاحتياجات المائية غير الضرورية، اعتماد خطط للصيانة والري المستدام.
• إعطاء الأولوية للشوارع ومحطات النقل والمدارس والفضاءات الأكثر تعرضاً للشمس.
• قياس نسبة الظل الفعلي الذي توفره الأشجار في المجال العام.
• تقييم معدلات بقاء الأشجار ونموها بعد الزراعة.
كما ينبغي عدم اعتبار التشجير بديلاً عن إدارة المياه أو حماية النظم الإيكولوجية القائمة، بل جزءاً من استراتيجية أوسع تجمع بين استعادة الطبيعة وتخطيط المجال الحضري.
6-3 المحور الثالث: إعادة تصميم الشوارع والساحات
يمكن للشوارع والساحات أن تتحول إلى عناصر فعالة في التكيف المناخي من خلال الجمع بين الظل والتهوية والمواد المناسبة وإدارة مياه الأمطار. وتشمل التدخلات المقترحة إنشاء ممرات مظللة للمشاة، وزيادة الأشجار على جوانب الطرق، وتقليص المساحات الإسفلتية غير الضرورية، واستخدام مواد رصف ملائمة، وتوفير أماكن استراحة مظللة، وتحسين الاتصال بين المساحات الخضراء. ويجب أن تُقيَّم هذه التدخلات على مستوى الشارع والحي، مع مراعاة احتياجات الأشخاص ذوي الحركة المحدودة، وراكبي الدراجات، ومستعملي النقل العمومي، والعمال الذين يقضون ساعات طويلة في الفضاء الخارجي. ولا ينبغي أن ينحصر نجاح المشروع في التحسن الجمالي، بل يجب قياس التغير في التعرض الحراري، وراحة المشاة، وسهولة الوصول إلى الفضاءات العامة.
6-4 المحور الرابع: الأسطح الباردة والخضراء والعزل الحراري
يمكن للأسطح ذات الانعكاسية الشمسية المرتفعة أن تقلل امتصاص الإشعاع، بينما تسهم الأسطح الخضراء والعزل الحراري والتظليل الخارجي في الحد من انتقال الحرارة إلى داخل المباني.
غير أن اختيار الحلول يجب أن يستند إلى تقييم دورة حياة المبنى، والمناخ المحلي، والقدرة الإنشائية، واحتياجات الصيانة، وتوافر المياه، والانعكاسات المحتملة على الراحة الحرارية في الفضاءات المحيطة.
فلا توجد تقنية واحدة مناسبة لجميع السياقات. كما ينبغي تجنب افتراض أن جميع الأسطح الخضراء توفر مستوى التبريد نفسه، لأن أدائها يتأثر برطوبة الوسط الزراعي وكثافة الغطاء النباتي والظروف المناخية.
ومن الأفضل أن تتضمن برامج التجديد الحضري معايير للأداء الحراري للمباني، مع إعطاء الأولوية للمساكن والمدارس والمرافق الصحية ذات التعرض المرتفع للحرارة.
6-5 المحور الخامس: استلهام العمارة التقليدية في تصميم المباني الحديثة
تحتوي العمارة التقليدية في عدد من المدن العربية والمتوسطية على حلول متكيفة مع المناخ، مثل الأفنية الداخلية، والجدران ذات الكتلة الحرارية المناسبة، والممرات المظللة، والنوافذ العميقة، والمشربيات، والملاقف الهوائية في السياقات التي تسمح بها الظروف المناخية. ولا يعني استلهام هذه العناصر العودة الحرفية إلى أنماط البناء القديمة، بل إعادة تقييم مبادئها الفيزيائية ودمجها في التصميم المعاصر، وفق معايير الراحة الحرارية والسلامة وكفاءة الطاقة.
ويمكن أن يسهم هذا التوجه في خفض الاعتماد على التبريد الميكانيكي، شريطة مراعاة التهوية وجودة الهواء والرطوبة والضوضاء والخصوصية، وعدم افتراض أن التهوية الطبيعية وحدها كافية خلال جميع موجات الحر.
6-6 المحور السادس: تطوير منظومة تبريد حضري مستدامة
يقترح المقال اعتماد تسلسل للأولويات في إدارة الحرارة داخل المباني والفضاءات العامة:
1. الوقاية: تقليل التعرض المباشر للشمس وتوفير الظل.
2. التصميم المناخي: تحسين التوجيه والعزل والتهوية الملائمة.
3. التبريد السلبي: استخدام الحلول المعمارية التي تحد من اكتساب الحرارة.
4. كفاءة الطاقة: اعتماد أنظمة تبريد مرتفعة الكفاءة عند الحاجة.
5. الطاقة المتجددة: تقليل البصمة الكربونية للتبريد حيثما كان ذلك مجدياً.
6. إدارة الطلب: تحسين أنماط الاستهلاك وتخفيف ذروة الطلب على الكهرباء.
ويجب أن تراعي هذه المنظومة احتياجات الفئات التي لا تستطيع الاستغناء عن التبريد خلال موجات الحر الشديدة. فالهدف ليس إلغاء التكييف، بل تقليل الحاجة إليه حيثما أمكن، وضمان الوصول العادل إلى وسائل التبريد الآمنة.
6-7 المحور السابع: الإنذار المبكر والاستجابة الصحية
ينبغي أن ترتبط التوقعات الجوية بخطط استجابة عملية تحدد مستويات الإنذار والإجراءات الواجب اتخاذها من قبل الجماعات الترابية والمؤسسات الصحية والمدارس ومصالح الحماية المدنية. وتشمل هذه الخطط تطوير رسائل تحذير واضحة، وتحديد الفئات الأكثر تعرضاً، وفتح فضاءات تبريد عامة، وتوفير آليات للمساعدة، وتكييف الأنشطة الخارجية عند الضرورة، وتوثيق الحالات الصحية المرتبطة بالحرارة. ويجب تقييم فعالية النظام من خلال مؤشرات مثل زمن وصول الإنذار، ونسبة السكان الذين تلقوا الرسائل، ومدى جاهزية المرافق الصحية، وإمكانية الوصول إلى مراكز التبريد.
وتبرز أهمية هذا المحور في ضوء فجوة التغطية الإقليمية التي رصدتها المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، إذ لا تزال خدمات الإنذار المبكر بالمخاطر المتعددة غير متاحة على نحو شامل في المنطقة العربية (WMO, 2025).
6-8 المحور الثامن: الحوكمة والتمويل والعدالة المناخية
يتطلب تنفيذ استراتيجية فعالة توزيعاً واضحاً للمسؤوليات بين القطاعات الحكومية والجماعات الترابية ومؤسسات الصحة والتعمير والطاقة والمياه، إلى جانب الجامعات ومراكز البحث ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص.
كما ينبغي إدماج المخاطر الحرارية في وثائق التعمير، وبرامج العمل الجماعية، وخطط تدبير المخاطر، وبرامج تجديد المباني والفضاءات العامة. وتقتضي الحوكمة الفعالة اعتماد آليات للتمويل المستدام، وتحديد مسؤوليات الصيانة، ونشر البيانات، وتقييم أثر المشاريع، وضمان مشاركة السكان في تحديد الأولويات.
ويؤكد تقرير الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية أن الاستجابة الحضرية لتغير المناخ تتطلب مقاربة متعددة الأبعاد تعالج التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية إلى جانب الأخطار البيئية (UN-Habitat, 2024).
7- نحو مؤشر عربي للتكيف مع الجزر الحرارية الحضرية
من أجل الانتقال من التدخلات المتفرقة إلى سياسة قابلة للتقييم، يقترح المقال تطوير المؤشر العربي للتكيف مع الحرارة الحضرية (Arab Urban Heat Adaptation Index – AUHAI).
ويُقصد بهذا المؤشر أن يكون إطاراً تشخيصياً مقارناً، لا مؤشراً معتمداً أو مطبقاً حالياً. ويحتاج تطويره إلى تحديد تعريفات موحدة للمؤشرات، واختبارها ميدانياً، وتحديد أوزانها استناداً إلى منهجية علمية معلنة.
7-1 الأبعاد المقترحة للمؤشر

ملاحظة منهجية:
هذه مؤشرات مقترحة وليست نتائج قياس فعلية. وينبغي تحديد خط الأساس، والفترة المرجعية، ومصدر البيانات، ودورية التحديث، والمسؤول عن جمعها قبل اعتمادها للمقارنة بين المدن.
7-2 طريقة احتساب المؤشر
يمكن بناء المؤشر المركب من خلال تطبيع القيم إلى سلم موحد، ثم تجميعها وفق أوزان معلنة. ويجب التمييز بين مؤشرات القدرة على التكيف، مثل تغطية الإنذار المبكر، ومؤشرات التعرض والمخاطر، مثل ارتفاع الحرارة أو تفاوت توزيع الظل.
ويجب أن تحدد الأوزان من خلال منهجية شفافة، مثل التشاور مع الخبراء وتحليل الحساسية واختبار صلاحية المؤشر، بدلاً من إسناد أوزان اعتباطية.
كما ينبغي عدم اختزال الأداء الحضري في درجة إجمالية واحدة؛ إذ قد تحصل مدينة على نتيجة جيدة في التشجير، لكنها تعاني ضعفاً في حماية العمال أو في الإنذار المبكر. لذلك يُستحسن نشر النتائج لكل بعد، مع إظهار الفوارق بين الأحياء.
7-3 مؤشرات نوعية مكملة
لا تكفي البيانات الرقمية وحدها لقياس نجاح التكيف. ولهذا ينبغي إجراء استطلاعات دورية حول شعور السكان بالأمان الحراري، وسهولة الوصول إلى الظل، ورضاهم عن المساحات الخضراء، وثقتهم في الإنذارات المبكرة، ومدى مشاركتهم في تصميم المشاريع. ويمكن الجمع بين هذه المعطيات والاستشارات المجتمعية والملاحظات الميدانية لتفسير أسباب التفاوت بين الأحياء وتحديد التدخلات الأكثر ملاءمة.
8- خارطة طريق تنفيذية للمدن العربية
لتحويل الاستراتيجية المقترحة إلى برنامج قابل للتنفيذ، يمكن اعتماد خارطة طريق أولية تمتد لخمس سنوات. وتُعد المراحل والمدد الواردة أدناه مقترحاً تخطيطياً يحتاج إلى التكييف بحسب حجم المدينة وقدراتها المالية والمؤسسية.
• السنة 1: التشخيص وبناء خط الأساس؛ إعداد الخرائط الحرارية، وجمع البيانات الصحية والعمرانية، وتحديد الأحياء الأكثر تعرضاً، وإجراء مشاورات مع السكان.
• السنة 2: التجريب وتحديد الأولويات؛ تنفيذ مشاريع تجريبية للظل والتشجير المستدام والأسطح الباردة، وتطوير بروتوكولات الإنذار والاستجابة الصحية.
• السنة 3: الإدماج في السياسات العمومية؛ إدراج معايير الحرارة في وثائق التعمير وبرامج العمل الجماعية ومشاريع تجديد الأحياء والمرافق العامة.
• السنة 4: التوسيع والتعبئة المالية؛ توسيع التدخلات ذات النتائج المثبتة، وتعبئة التمويل المناخي، وتطوير الشراكات مع الجامعات والقطاع الخاص والمجتمع المدني.
• السنة 5: التقييم والمساءلة؛ قياس التغير في التعرض الحراري واستهلاك الطاقة والمياه، وتقييم الفوارق الاجتماعية، ونشر تقرير سنوي عن الأداء.
ولضمان نجاح هذه الخارطة، ينبغي تحديد مسؤول مؤسسي عن كل إجراء، وميزانية تقديرية، وجدول زمني، ومؤشرات إنجاز ونتائج، مع اعتماد آليات مستقلة للتقييم والمراجعة. كما ينبغي تجنب ربط التمويل بعدد الأشجار المزروعة أو عدد الأسطح التي جرى طلاؤها فقط، لأن هذه مؤشرات إنجاز لا تثبت وحدها حدوث انخفاض مستدام في التعرض الحراري أو تحسن العدالة المناخية.
9- من المدينة الجميلة إلى المدينة القادرة على الصمود المناخي
تفرض الجزر الحرارية إعادة النظر في المعايير التقليدية التي يُقاس بها نجاح التنمية الحضرية. فحداثة المباني واتساع الطرق وجاذبية الفضاءات العامة لا تكفي لضمان جودة الحياة إذا كانت هذه الفضاءات شديدة الحرارة، أو إذا تعذر على السكان الوصول إلى الظل والمياه والخدمات الصحية.
وتشير الأدبيات الدولية إلى أن التكيف الحضري الفعال يتطلب الجمع بين تخطيط استعمالات الأراضي، وتصميم المباني، والبنية التحتية الخضراء، وحماية الفئات الهشة، وتحسين الخدمات الأساسية (IPCC, 2022؛ UN-Habitat, 2024).
ومن هذا المنطلق، يمكن تحديد ثمانية مبادئ توجيهية لبناء مدينة عربية أكثر قدرة على مواجهة الحرارة:
1. عدم التوسع في الأحياء الجديدة دون تقييم مخاطر الحرارة والمياه والفيضانات.
2. إدماج الظل وراحة المشاة في تصميم الشوارع والساحات، تحسين الأداء الحراري للمباني العمومية والسكنية.
3. إعداد خرائط دورية للمخاطر الحرارية وتحديثها، ربط التشجير الحضري بخطة مستدامة لإدارة المياه.
4. توجيه الاستثمارات نحو الأحياء الأكثر تعرضاً والأقل قدرة على التكيف.
5. توفير نظام إنذار مبكر مرتبط باستجابة صحية واجتماعية واضحة.
6. إشراك السكان في التخطيط والتقييم والمساءلة.
ولا ينبغي أن تتحول هذه المبادئ إلى قائمة شكلية من الالتزامات، بل إلى معايير عملية مرتبطة بالتراخيص العمرانية والميزانيات وبرامج الاستثمار ونتائج التقييم.
10- مناقشة: حدود الحلول التقنية وشروط الفعالية
تظهر المحاور السابقة أن التعامل مع الجزر الحرارية يتطلب الجمع بين الحلول التقنية والبيئية والمؤسسية. ومع ذلك، لا يمكن افتراض أن كل تدخل يؤدي بالضرورة إلى النتائج نفسها في جميع المدن. فقد تتأثر فعالية الأسطح العاكسة بالغبار والتلوث والصيانة، بينما يرتبط أداء الأسطح الخضراء بتوافر المياه وخصائص الغطاء النباتي. كما أن التشجير قد يكون أقل استدامة عندما يعتمد على أنواع عالية الاحتياجات المائية، أو عندما تُهمل صيانته بعد مرحلة الزراعة.
وبالمثل، قد يؤدي التوسع في أجهزة التكييف دون تحسين كفاءة المباني إلى زيادة استهلاك الطاقة والحرارة المنبعثة في الفضاء الخارجي. كما أن الاستثمار في تحسين الأحياء قد يرفع جاذبيتها العقارية، مما يستدعي الانتباه إلى احتمال إقصاء بعض السكان ذوي الدخل المحدود إذا لم تُرافق مشاريع التكيف بتدابير اجتماعية مناسبة. وتؤكد الأدبيات التي يستعرضها IPCC أن خيارات التكيف الحضري ينبغي أن تُقيَّم في ضوء آثارها المتعددة، بما في ذلك العدالة الاجتماعية، واستهلاك الموارد، والنتائج طويلة الأمد (IPCC, 2022). وبناء على ذلك، فإن المعيار الأساسي لنجاح أي استراتيجية لا يتمثل في عدد التدخلات المنجزة، بل في قدرتها المثبتة على خفض التعرض الحراري، وتحسين الصحة العامة، وتقليل الضغط على المياه والطاقة، وضمان استفادة الفئات الأكثر هشاشة.
خاتمة عامة
أصبحت الجزر الحرارية الحضرية أحد التحديات البنيوية التي تواجه المدن العربية في سياق الاحترار العالمي وتزايد الظواهر الجوية المتطرفة. ولم تعد المسألة مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة وحده، بل بتفاعل معقد بين التوسع العمراني، ومواد البناء، وتراجع الغطاء النباتي، وندرة المياه، والطلب المتزايد على الطاقة، والتفاوتات الاجتماعية.
وتؤكد المؤشرات المتاحة حجم التحدي؛ فقد سجلت سنة 2024 أعلى متوسط حراري في تاريخ المنطقة العربية، بزيادة قدرها 1.08 درجة مئوية عن متوسط الفترة المرجعية 1991–2020. كما أظهرت دراسة شملت 21 مدينة في الشرق الأوسط تعرض أكثر من 11 مليون شخص في المدن الكبرى المشمولة لمخاطر حرارية مرتفعة، مع رصد اتجاهات مقلقة في حرارة سطح الأرض الليلية (WMO, 2025؛ Tzyrkalli et al., 2024).
غير أن تحويل هذه المؤشرات إلى سياسات فعالة يستلزم تجاوز المقاربة القطاعية الضيقة نحو تخطيط حضري يدمج الحرارة في قرارات الإسكان والنقل والطاقة والمياه والصحة وإدارة المخاطر. ويقتضي هذا التحول اعتماد خرائط حرارية دقيقة، وتطوير البنية التحتية الخضراء والظل الحضري، وتحسين الأداء الحراري للمباني، وتوسيع خدمات الإنذار المبكر، وتعزيز مشاركة السكان، وتوجيه الاستثمارات نحو الأحياء والفئات الأكثر تعرضاً. كما يتطلب بناء منظومة تقييم تستند إلى مؤشرات قابلة للتحقق، مع التمييز بين الإنجازات المادية والنتائج الفعلية، ونشر البيانات التي تسمح بتقييم أثر السياسات ومقارنتها بمرور الزمن.
وفي هذا السياق، فإن التحدي الاستراتيجي أمام المدن العربية ليس مجرد التكيف مع ارتفاع درجات الحرارة، بل إعادة بناء العلاقة بين العمران والطبيعة والموارد والإنسان، بما يجعل المدينة أكثر أماناً وصحة وإنصافاً وقدرة على الصمود.
إن المدينة العربية القادرة على مواجهة مناخ المستقبل هي المدينة التي تُظلّل فضاءاتها قبل أن تضطر إلى تكثيف تبريدها، وتحمي مواردها المائية قبل أن تتوسع في استهلاكها، وتدمج المخاطر المناخية قبل أن تتحول إلى كوارث، وتضع صحة الإنسان والعدالة المجالية في صميم سياساتها العمرانية.
المراجع العلمية
1. Intergovernmental Panel on Climate Change. (2022). Climate change 2022: Impacts, adaptation and vulnerability. Chapter 6: Cities, settlements and key infrastructure. Cambridge University Press. https://www.ipcc.ch/report/ar6/wg2/chapter/chapter-6/
2. Tzyrkalli, A., et al. (2024). Modes of summertime thermal urban stress over major cities in the Middle East: A comprehensive assessment of heat exposure risks. Sustainable Cities and Society, 102, 105236. https://doi.org/10.1016/j.scs.2024.105236
3. UN-Habitat. (2024). World cities report 2024: Cities and climate action. United Nations Human Settlements Programme. https://unhabitat.org/world-cities-report-2024-cities-and-climate-action
4. World Bank. (2024). Combating heat in cities: Operationalizing the urban heat agenda at the World Bank. World Bank. https://ppp.worldbank.org/library/combating-heat-cities-operationalizing-urban-heat-agenda-world-bank
5. World Meteorological Organization. (2025). State of the climate in the Arab region 2024. WMO. https://wmo.int/resources/dashboards/state-of-climate-arab-region
(*) مصطفى بنرامل:
هو استشاري في مجالات البيئة والمناخ والتنمية المستدامة، يتمتع بخبرة مهنية وميدانية تمتد لأكثر من خمسة وعشرين عامًا (25) في تصميم البرامج البيئية، والتأطير، وبناء القدرات، وتطوير المبادرات المتعلقة بالاستدامة والعمل المناخي.
حاصل على دبلوم الدراسات العليا المعمقة في المجال البيئي من جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، كما نال شهادة مكون المكونين (Training of Trainers) المعتمدة من جامعة أوريغن الأمريكية، إلى جانب شهادة في تدبير الكوارث الطبيعية من الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر.
كما حصل على شهادة مكون المكونين في الإسعافات الأولية من الهلال الأحمر المغربي، وشهادة تكوين المكونين في المجال البيئي والمحافظة على الثروات الطبيعية من كتابة الدولة المكلفة بالتنمية المستدامة، إضافة إلى شهادة مكون تربوي من وزارة التربية الوطنية.
تتمحور خبرته حول إعداد وتنفيذ البرامج والمشاريع البيئية والمناخية، وتطوير المناهج والحقائب التكوينية، وتأطير الدورات التدريبية لفائدة المؤسسات العمومية والجماعات الترابية والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني، مع تخصص في مجالات التربية البيئية، والتربية على المناخ، والتربية من أجل التنمية المستدامة، وإدارة المخاطر والكوارث، والقيادة البيئية، والترافع من أجل السياسات البيئية والمناخية.
ويُعد من الفاعلين في مجال نشر الثقافة البيئية وتعزيز الوعي المناخي، حيث أسهم في إعداد العديد من الدراسات والأبحاث والمقالات العلمية، وإنتاج الأدلة والبرامج التكوينية، والمشاركة في المؤتمرات والندوات الوطنية والدولية ذات الصلة بقضايا البيئة والتغير المناخي والتنمية المستدامة.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز