الشعير المستنبت كأداة للتكيف مع الجفاف وتعزيز الأمن المائي والعلفي بالمغرب

تحليل مقارن لكفاءة استعمال المياه والجدوى الاقتصادية وآفاق الزراعة الذكية مناخيًا

دراسة تحليلية مقارنة لفعالية المياه والإنتاج العلفي وإمكانات التعميم بالمغرب

شبكة بيئة أبوظبي، بالتعاون مع مجلة إسكندرية 2050، بقلم مصطفى بنرامل (*) ، خبير بيئي، رئيس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ، المملكة المغربية 18 أكتوبر 2026

الملخص
أصبح تدبير العلاقة بين الماء والزراعة وتربية الماشية من أكبر التحديات الاستراتيجية التي تواجه المغرب في سياق التغير المناخي وتوالي سنوات الجفاف. فقد انخفض نصيب الفرد المغربي من الموارد المائية المتاحة سنويًا من نحو 2,500 م³ خلال ستينيات القرن الماضي إلى حوالي 600 م³ سنة 2020، مقتربًا من عتبة الندرة المطلقة المحددة عند 500 م³ للفرد سنويًا. كما شهد المغرب خلال السنوات الأخيرة تزايدًا في تواتر وشدة موجات الجفاف، الأمر الذي انعكس على الزراعات المطرية والمراعي وإنتاج الحبوب والأعلاف والقطيع الوطني.

في هذا السياق، تبرز تقنية إنتاج الشعير المستنبت أو العلف الأخضر المستنبت مائيًا (Hydroponic Barley Fodder – HBF) كإحدى التقنيات الواعدة لإنتاج علف أخضر على مدار السنة باستعمال كميات محدودة من المياه ومساحات صغيرة، دون الاعتماد المباشر على التربة أو الأمطار. وتبين دراسات دولية أن إنتاج كيلوغرام واحد من العلف الأخضر بالشعير المستنبت يمكن أن يتطلب كميات مائية أقل بكثير من الإنتاج الحقلي التقليدي، مع إمكانية الوصول إلى دورة إنتاج قصيرة تتراوح عادة حول 7–10 أيام.

وتزداد أهمية هذا الخيار بالنسبة للمغرب مع ظهور نتائج بحثية وطنية حديثة؛ فقد حددت دراسة مغربية منشورة سنة 2025 خطوطًا وراثية واعدة للشعير المستنبت، وسجل أحدها، وهو M9V5، إنتاجًا بلغ 17.26 كغ من العلف الأخضر/م² ومحتوى بروتينيًا بلغ % 16 في ظروف الدراسة. كما أعلنت المعهد الوطني للبحث الزراعي عن صنف شعير جديد موجه لإنتاج الأعلاف الخضراء في نظام الزراعة المائية منخفض التكلفة، خاصة للمناطق الجافة وظروف الإجهاد المائي.

وتخلص الدراسة إلى أن الشعير المستنبت لا ينبغي اعتباره بديلًا مطلقًا للزراعة العلفية التقليدية، وإنما جزءًا من منظومة متكاملة للأمن المائي والعلفي، خصوصًا خلال فترات الجفاف والضغط على المراعي. كما توصي بإطلاق برامج تجريبية مغربية تجمع بين كفاءة المياه، القيمة الغذائية، تكلفة الإنتاج، استهلاك الطاقة، صحة الحيوان، والجدوى الاقتصادية، قبل التوسع في اعتماد التقنية.

الكلمات المفتاحية: الشعير المستنبت؛ الزراعة المائية؛ الأمن المائي؛ الأمن العلفي؛ الجفاف؛ تغير المناخ؛ الماشية؛ كفاءة استخدام المياه؛ المغرب؛ الزراعة الذكية مناخيًا.

المقدمة
يمر المغرب بمرحلة متقدمة من الإجهاد المائي والمناخي، بحيث لم يعد تدبير المياه قضية قطاعية مرتبطة بالري فقط، بل أصبح قضية استراتيجية ترتبط بالأمن الغذائي، والأمن العلفي، واستدامة تربية الماشية، واستقرار الدخل القروي، وحماية النظم البيئية.

وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن تواتر وشدة الجفاف وموجات الحر في المغرب ارتفعا خلال العقد الأخير، في الوقت الذي تراجعت فيه الموارد المائية المتاحة للفرد بصورة حادة. وخلال السنوات الخمس السابقة للتقرير، عرف المغرب أربع سنوات من الجفاف، كما انخفضت احتياطيات السدود المخصصة للزراعة بنحو النصف خلال عشر سنوات، وهو ما انعكس على المساحات المسقية.

وتتزامن هذه الوضعية مع هشاشة منظومة الإنتاج الحيواني. فالجفاف لا يؤثر فقط على كمية المياه المتاحة للشرب، وإنما يؤثر بصورة مباشرة على المراعي وإنتاج الشعير والحبوب والأعلاف الخضراء، وبالتالي على تكلفة تغذية الحيوانات وعلى إنتاج اللحوم والحليب.

وقد أعلنت الحكومة المغربية في 2024 أن الموسم الزراعي 2024–2025 يأتي بعد خمس سنوات متتالية من الجفاف أثرت على مختلف مكونات القطاع الزراعي، مع التأكيد على ضرورة إعادة بناء القطيع وتعزيز صموده أمام تغير المناخ وندرة المياه.
وفي سنة 2025، أظهرت المعطيات الدولية والوطنية استمرار الضغط المناخي؛ فقد سجلت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن أمطار الشتاء بين ديسمبر 2024 وفبراير 2025 كانت أقل من المتوسط طويل الأمد بأكثر من 60% في عدد من المناطق المنتجة، مع توقع إنتاج حبوب في حدود 4 ملايين طن، أي أقل بنحو 27% من المتوسط. وسجل إنتاج الشعير حوالي 650 ألف طن سنة 2024 مقابل متوسط 2020–2024 بلغ نحو 1.224 مليون طن.

وعليه، فإن السؤال لم يعد فقط: كيف ننتج المزيد من الأعلاف؟ بل أصبح: كيف ننتج كمية مناسبة من العلف باستخدام أقل قدر ممكن من الماء والأرض والطاقة، خصوصًا خلال سنوات الجفاف؟
وهنا يطرح الشعير المستنبت نفسه كأحد الخيارات التقنية التي تستحق البحث والتجريب والتقييم في السياق المغربي.

1- الإطار العام للدراسة ومنهجيتها
1-1 إشكالية الدراسة
تتمثل الإشكالية المركزية للدراسة في السؤال الآتي: إلى أي حد يمكن لإنتاج الشعير المستنبت مائيًا أن يساهم في عقلنة استعمال المياه وتعزيز الأمن العلفي للماشية بالمغرب، خاصة في المناطق المتأثرة بالجفاف والإجهاد المائي، وما الشروط التقنية والاقتصادية والبيئية اللازمة لتعميمه؟

وتتفرع عن هذا السؤال مجموعة من الأسئلة:
1. ما حجم أزمة الماء والأعلاف في المغرب؟
2. ما مقدار المياه التي يمكن اقتصادها باستخدام الشعير المستنبت مقارنة بالإنتاج العلفي التقليدي؟
3. هل توفر التقنية علفًا ذا قيمة غذائية مناسبة للماشية؟
4. ما تكلفة إنتاج الشعير المستنبت مقارنة بالأعلاف التقليدية؟
5. ما أثر استهلاك الكهرباء والبنية التحتية على البصمة البيئية والاقتصادية؟
6. هل يمكن تطبيق التقنية في الضيعات الصغيرة والمتوسطة؟
7. ما الدروس التي يمكن للمغرب الاستفادة منها من تجارب الأردن والسعودية ودول الخليج والهند وغيرها؟
8. ما النموذج المغربي الأنسب للتوسع: وحدات فردية، تعاونيات، مراكز جماعية أم وحدات مرتبطة بالطاقة الشمسية؟

1-2 فرضيات الدراسة
تنطلق الدراسة من أربع فرضيات رئيسية:
• الفرضية الأولى: يمكن للشعير المستنبت أن يحقق كفاءة مائية أعلى بكثير من إنتاج الشعير العلفي في الحقول، خصوصًا عندما يعتمد النظام على إعادة تدوير المياه.
• الفرضية الثانية: يمكن للإنتاج المستنبت أن يوفر مصدرًا مستقرًا نسبيًا للعلف الأخضر خلال فترات الجفاف، عندما تتراجع المراعي والإنتاجات العلفية المطرية.
• الفرضية الثالثة: لا تعني الكفاءة المائية بالضرورة الجدوى الاقتصادية؛ إذ يمكن أن تؤدي تكاليف التجهيز والكهرباء والبذور والعمالة إلى تقليص الربحية، كما أظهرت دراسة حديثة في السعودية.
• الفرضية الرابعة: سيكون النموذج الأكثر ملاءمة للمغرب هو نموذج منخفض التكلفة، شمسي الطاقة، محلي الإنتاج، ومتكامل مع الأعلاف الأخرى بدل الاعتماد على أنظمة هيدروبونية عالية الاستثمار.

1-3 منهجية الدراسة
اعتمدت الدراسة على منهجية تجمع بين:
• المراجعة المنهجية للأدبيات العلمية؛
• تحليل المعطيات الرسمية والدولية حول المياه والجفاف والزراعة في المغرب؛
• تحليل نتائج الدراسات التجريبية حول الشعير المستنبت؛
• المقارنة الدولية بين تجارب البلدان الجافة وشبه الجافة؛
• تحليل مؤشرات كفاءة استخدام المياه Water Use Efficiency؛
• تحليل أولي للجدوى الاقتصادية؛
• اقتراح نموذج تجريبي مغربي قابل للقياس والتقييم.
ويجب التأكيد منهجيًا أن الدراسة الحالية مراجعة تحليلية مقارنة وليست تجربة تغذية حيوانية ميدانية؛ ولذلك لا ينبغي تعميم أي رقم عالمي باعتباره نتيجة مغربية قبل إجراء تجارب محلية مضبوطة.

2- المغرب بين أزمة الماء وأزمة العلف
2-1 التحولات البنيوية للمياه والزراعة بالمغرب
يواجه المغرب تحولًا بنيويًا في ميزان الموارد المائية. فقد أشار البنك الدولي إلى انخفاض الموارد المائية المتاحة للفرد من حوالي 2,600 م³ في ستينيات القرن العشرين إلى نحو 600 م³ في 2020. ويقترب هذا الرقم من عتبة 500 م³ للفرد سنويًا التي تمثل مستوى الندرة المائية المطلقة.

ولا تقتصر الأزمة على كمية المياه، بل ترتبط أيضًا بتزايد التنافس بين الاستخدامات المنزلية والصناعية والزراعية والبيئية.
وتقدم حالة فرشة برشيد مثالًا واضحًا على ذلك؛ إذ تشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن أكثر من 95% من المياه المستخرجة من الفرشة تستخدم في الزراعة، في حين بلغ العجز السنوي للفرشة نحو 32 مليون م³ نتيجة الاستغلال المفرط وتراجع التغذية الطبيعية بسبب اضطراب التساقطات.
وبالنسبة للإنتاج الزراعي، يقدر البنك الدولي أن متوسط إنتاجية الحبوب في المغرب انخفض بنحو 40% بين فترتي 2001–2016 و2016–2023، كما انخفضت المساحات المزروعة بالحبوب من حوالي 4 ملايين هكتار سنة 2016 إلى 2.5 مليون هكتار خلال 2023–2024.

أما الشعير، وهو أحد المكونات التقليدية لتغذية الماشية المغربية، فقد بلغ إنتاجه حوالي 650 ألف طن سنة 2024، مقابل متوسط قدره 1.224 مليون طن خلال الفترة 2020–2024، أي أن إنتاج 2024 كان أقل بحوالي 47% من متوسط السنوات الخمس السابقة. وفي 2025 قُدر الإنتاج بنحو 750 ألف طن.
وهذه الأرقام تكشف عن مفارقة أساسية: المغرب يحتاج إلى الأعلاف في الوقت الذي تتراجع فيه القدرة المناخية والمائية على إنتاجها بالطرق التقليدية.

2-2 الجفاف وأزمة القطيع الوطني
أدى توالي سنوات الجفاف إلى تدهور المراعي وارتفاع تكلفة الأعلاف، وهو ما انعكس على حجم القطيع والإنتاج الحيواني.
وفي فبراير 2025، أفادت معطيات رسمية نقلتها رويترز بأن عدد رؤوس الأبقار والأغنام بالمغرب انخفض بنحو 38% مقارنة بآخر إحصاء قبل تسع سنوات، في سياق ست سنوات متتالية من الجفاف. كما انخفضت التساقطات بنحو 53% عن متوسط الثلاثين سنة السابقة في ذلك الموسم، بينما كانت نسبة ملء السدود الوطنية في حدود 26% آنذاك.
وفي مايو 2025، تضمن البرنامج الحكومي لإعادة تكوين القطيع دعم الأعلاف، حيث خصصت الدولة حوالي 2.5 مليار درهم لدعم بيع الشعير والأعلاف المركبة، مع دعم يصل إلى 7 ملايين قنطار لكل من الشعير والأعلاف المركبة الموجهة للأغنام والماعز.

وتوضح هذه المؤشرات أن قضية العلف ليست مسألة فلاحية محضة، بل أصبحت قضية مالية واجتماعية واستراتيجية.
ومن هنا يمكن للشعير المستنبت أن يؤدي دورًا تكميليًا: ليس إلغاء الحاجة إلى الأعلاف التقليدية، بل توفير علف أخضر عالي التواتر الإنتاجي خلال فترات العجز العلفي.

3- ما المقصود بالشعير المستنبت؟
الشعير المستنبت هو إنتاج الكتلة الخضراء من حبوب الشعير خلال فترة قصيرة، في بيئة يتم فيها التحكم في الماء والرطوبة والتهوية ودرجة الحرارة، دون الحاجة إلى دورة زراعية كاملة في التربة. تمر عملية إنتاج الشعير المستنبت الموجّه لتغذية الماشية بعدة مراحل متتابعة، تبدأ باختيار الحبوب الجيدة والسليمة، ثم تنظيفها وتعقيمها لضمان خلوّها من الشوائب والملوثات، يلي ذلك نقعها في الماء لمدة مناسبة لتسهيل الإنبات. بعد ذلك، تُترك الحبوب لتبدأ عملية الإنبات، ثم توضع في صوانٍ مخصصة تسمح بنمو البراعم والجذور، مع الحرص على ريّها المتكرر بكميات صغيرة من الماء للحفاظ على الرطوبة اللازمة للنمو. وتستمر هذه العملية عادةً لمدة تتراوح بين 7 و10 أيام، حسب الظروف البيئية وجودة الحبوب، إلى أن تتكوّن كتلة خضراء متماسكة من الشعير المستنبت، تصبح جاهزة للحصاد وتقديمها للماشية كمكمّل غذائي غني بالعناصر الغذائية.

3-1 الكفاءة المائية للشعير المستنبت
تمثل كفاءة استخدام المياه المؤشر الأكثر أهمية في الحالة المغربية (WUE) ، وهي تعرف بمدى فعالية استغلال المياه في إنتاج العلف، ويتم قياسها من خلال حساب نسبة كمية العلف المنتج إلى كمية المياه المستعملة خلال عملية الإنتاج. ويتيح هذا المؤشر تقييم مردودية النظام الإنتاجي من حيث استهلاك المياه، إذ تشير القيمة المرتفعة لكفاءة استخدام المياه إلى إنتاج كمية أكبر من العلف باستخدام كمية أقل من المياه، مما يعزز الاستدامة المائية والنجاعة الاقتصادية للإنتاج العلفي. وتُحسب كفاءة استخدام المياه وفق المعادلة التالية:

وتُعبّر عن النتيجة عادةً بوحدة كيلوغرام من العلف لكل متر مكعب من المياه (كغ/م³)، مع ضرورة تحديد ما إذا كانت كمية العلف محسوبة على أساس الوزن الطازج أو المادة الجافة لضمان دقة المقارنة بين الأنظمة الإنتاجية المختلفة. أي أن ارتفاع قيمة WUE يعني إنتاج كمية أكبر من العلف لكل متر مكعب من الماء.

في دراسة تجريبية منشورة، بلغ استهلاك الشعير المستنبت حوالي 1.55 لتر لكل كيلوغرام من المادة الخضراء الطازجة، بما يعادل نحو 645 كلغ من العلف الطازج لكل م³ من المياه. وفي المقابل، أشارت مراجعة علمية إلى أن احتياجات إنتاج كيلوغرام من العلف الأخضر هيدروبونيًا قد تدور في حدود 1.5–2 لتر، مقابل احتياجات أعلى بكثير للإنتاج الحقلي التقليدي، مع اختلاف النتائج حسب المحصول والمناخ ونظام الري.

لكن إحدى أحدث الدراسات المقارنة في السعودية قدمت نتيجة أكثر تحفظًا وذات أهمية كبيرة للسياق المغربي: فقد احتاج إنتاج طن واحد من العلف الأخضر بالشعير هيدروبونيًا إلى حوالي 2.83 م³ من المياه، مقابل 117 م³ في الزراعة الحقلية في ظروف التجربة، أي فرق يقارب 41 مرة على أساس العلف الطازج. وعلى أساس المادة الجافة كانت الكفاءة المائية للهيدروبونيك أعلى بنحو 2.4 مرة وفق تلك الدراسة.

وتبين هذه النتائج أن الحديث عن “توفير المياه بنسبة ثابتة” غير دقيق علميًا؛ لأن النتائج تتغير بحسب: الصنف؛ كثافة البذر؛ درجة الحرارة؛ الرطوبة؛ عدد أيام الحصاد؛ جودة المياه؛ نظام إعادة تدوير المياه؛ نسبة المادة الجافة في المنتج النهائي.

3-2 المعادلة الأكثر أهمية: الماء لكل كيلوغرام من المادة الجافة
يجب ألا يعتمد تقييم الشعير المستنبت على الوزن الطازج فقط. فالحبوب المستنبتة تمتص الماء بسرعة، وبالتالي يرتفع وزن العلف الأخضر بصورة كبيرة، لكن جزءًا مهمًا من هذه الزيادة في الوزن يعود إلى الماء وليس إلى المادة النباتية الجديدة.
ولهذا يجب أن تقارن الدراسات العلمية بين: لتر ماء/كلغ علف طازج – و – لتر ماء/كلغ مادة جافة – و – كلغ بروتين/م³ ماء – و ميغاجول طاقة/م³ ماء – و – درهم تكلفة/كلغ مادة جافة.
وهذا التفريق مهم جدًا حتى لا يقع الباحث في تضخيم الفائدة المائية للتقنية.

4- النتائج المغربية الحديثة: من البحث إلى التطبيق
تشكل الأبحاث المغربية الحديثة عنصرًا مهمًا في الانتقال من الاستيراد التقني إلى التكييف المحلي للتكنولوجيا. فقد درست دراسة منشورة سنة 2025 نحو 480 سلالة من الشعير تحت ظروف هيدروبونية بالمغرب بهدف تحديد الصفات الوراثية الأكثر ملاءمة للإنتاج المستنبت. وتم تحديد عدة خطوط واعدة، من بينها الصنف M9V5 الذي سجل إنتاجًا بلغ 17.26 كلغ/م² من العلف الأخضر ومحتوى بروتينيًا بلغ 16% في ظروف التجربة.

كما أن بحثًا مغربيًا آخر حول الاستخدام المزدوج للشعير أظهر متوسط إنتاج للكتلة الحيوية بلغ 7.95 طن/هكتار في ظروف الحقل، ومتوسط إنتاج حبوب بلغ 1.18 طن/هكتار لدى 20 تركيبًا وراثيًا، مع وجود خطوط مناسبة للإنتاج المزدوج علفًا وحبوبًا. كما بلغ إنتاج المادة الجافة عند القطع في مرحلة الإزهار الكامل حوالي 6.78 طن/هكتار خلال سنتين من التجارب. وهذا يفتح أمام المغرب خيارًا استراتيجيًا يتمثل في عدم حصر الشعير في وظيفة واحدة، وإنما تطوير منظومة تجمع بين:
الشعير الحبيبي + الشعير العلفي + الشعير المستنبت + تحسين الأصناف + الإدارة الذكية للمياه.

4-1 القيمة الغذائية: هل الشعير المستنبت علف كامل؟
من الخطأ اعتبار الشعير المستنبت وحده “علفًا كاملًا” في جميع الحالات. فالقيمة الغذائية تعتمد على: المادة الجافة؛ البروتين الخام؛ الألياف؛ الطاقة؛ المعادن؛ عمر النبات عند الحصاد؛ نوع الحيوان؛ تركيب العليقة الكاملة.
وتشير الدراسات إلى أن الشعير المستنبت يمكن أن يكون مصدرًا جيدًا للعلف الأخضر، إلا أنه ينبغي دمجه ضمن عليقة متوازنة وليس بالضرورة استبدال جميع مكونات الغذاء الحيواني به. وقد بينت دراسة تغذية حديثة على الجاموس الحلوب أن الاستبدال الكامل لسيلاج الذرة بالعلف الهيدروبوني من الشعير لم يؤد إلى آثار سلبية كبيرة على مكونات الحليب، لكنه ارتبط أيضًا بارتفاع كبير في تكلفة إنتاج العلف وبصمة الطاقة؛ إذ كان إنتاج العلف الهيدروبوني أكثر تكلفة بنحو أربعة أضعاف من السيلاج المنتج في المزرعة في ظروف الدراسة.
وهذا يؤكد قاعدة مهمة: كفاءة المياه لا تساوي بالضرورة الكفاءة الاقتصادية أو الطاقية.

4-2 الطاقة: الحلقة المفقودة في النقاش
إذا كانت الزراعة الهيدروبونية تقلل استهلاك المياه، فإنها قد تزيد الحاجة إلى: الكهرباء؛ المضخات؛ التهوية؛ التبريد أو التدفئة؛ الإضاءة في بعض الأنظمة؛ التحكم في الرطوبة.
وبالتالي، فإن تقييم الاستدامة يجب أن يعتمد على ثلاث بصمات على الأقل:
• البصمة المائية: م³ ماء/طن علف أو كلغ مادة جافة.
• البصمة الطاقية: kWh/كلغ مادة جافة.
• البصمة الاقتصادية: درهم/كغ مادة جافة أو درهم/كلغ بروتين.
ولهذا فإن أفضل نموذج للمغرب، خصوصًا في المناطق ذات الإشعاع الشمسي المرتفع، قد يكون: الشعير المستنبت، الطاقة الشمسية الكهروضوئية، إعادة تدوير المياه، مراقبة رقمية.

5- المقارنة الدولية لتجارب الشعير المستنبت
5-1 الأردن
يعتبر الأردن من أكثر الدول العربية ارتباطًا بتقنيات الإنتاج العلفي الهيدروبوني بسبب ندرة المياه. وقد أظهرت دراسة تجريبية أن الشعير المستنبت حقق حوالي 645 كلغ من المادة الخضراء لكل م³ من المياه، مقارنة بكفاءة أقل بكثير في الشعير والبرسيم المزروعين في الحقل. وتبرز التجربة الأردنية أهمية التقنية في البيئات شبه الجافة، لكنها تؤكد في الوقت نفسه ضرورة التحكم في جودة المياه والتكاليف.

5-2 السعودية
تمثل السعودية تجربة شديدة الأهمية بالنسبة للمغرب بسبب التشابه المناخي. فقد وجدت دراسة سعودية حديثة أن إنتاج طن من العلف الأخضر الهيدروبوني بالشعير احتاج إلى حوالي 2.83 م³ من الماء مقابل 117 م³ للزراعة الحقلية. لكن الدراسة نفسها وجدت أن النظام الهيدروبوني لم يكن مربحًا اقتصاديًا للمزارع الصغيرة بسبب ارتفاع التكاليف الثابتة والمتغيرة. إذن يقدم النموذج السعودي درسين:
• الدرس الأول: كفاءة مائية مرتفعة.
• الدرس الثاني: ضرورة خفض التكلفة الاستثمارية والطاقة قبل التعميم.

5-3 الهند
تستعمل الهند أنظمة العلف الهيدروبوني خصوصًا في المناطق التي تعاني من نقص الأراضي والمراعي. وتشير مراجعات FAO إلى توسع الاهتمام بهذه التقنية في آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا، خصوصًا بسبب قدرتها على إنتاج العلف في مساحات محدودة وبشكل مستقل نسبيًا عن التربة. وتتمثل أهم الاستفادة بالنسبة للمغرب في إمكانية تطوير وحدات صغيرة للتعاونيات ومربي الماشية بدل الاقتصار على الوحدات الصناعية الكبرى.

5-4 أنظمة منخفضة التكلفة
تظهر تجارب أخرى إمكانية تطوير أنظمة أقل اعتمادًا على التجهيزات المعقدة. وقد وثقت ICARDA نظامًا منخفض التكلفة وخارج الشبكة الكهربائية لإنتاج الشعير العلفي، بقدرة تصل إلى 150–200 كغ من العلف الطازج كل سبعة أيام. وتحمل هذه التجربة أهمية خاصة للمغرب، لأن مستقبل التكنولوجيا لا يرتبط فقط بتحقيق أعلى إنتاج، وإنما بتحقيق: أقل تكلفة، أقل ماء، أقل طاقة، سهولة الصيانة، قابلية الإصلاح محليًا.

6- إعادة استعمال المياه: فرصة إضافية ومقارن تركيبية
6-1 إعادة استعمال المياه
يمكن أن تتطور منظومة الشعير المستنبت في المغرب إلى نموذج أكثر كفاءة إذا تم ربطها، وفق ضوابط صحية صارمة، بمصادر مياه غير تقليدية. وقد أظهرت دراسة حول استخدام مياه الصرف الحضري المعالجة لإنتاج الشعير الهيدروبوني أن معالجة المياه بالتقنيات المناسبة والتطهير الإضافي سمحت بإنتاج علف دون تأثيرات رئيسية سلبية على صحة الأبقار أو إنتاج الحليب أو جودته في ظروف الدراسة. لكن هذا الخيار لا ينبغي تطبيقه عشوائيًا، بل يتطلب: معالجة متقدمة؛ مراقبة ميكروبيولوجية؛ مراقبة المعادن الثقيلة؛ مراقبة الملوحة؛ احترام المعايير الصحية؛ نظام تتبع كامل.

وبالتالي، يمكن التفكير مستقبلًا في ربط إنتاج الشعير المستنبت بمفهوم الاقتصاد الدائري للمياه، من خلال اعتماد تقنيات تُمكّن من ترشيد الاستهلاك المائي وإعادة استخدام المياه المتبقية، متى كانت جودتها ملائمة وآمنة. كما يمكن دمج هذا النظام ضمن مشاريع فلاحية مستدامة تستثمر الموارد المتاحة بكفاءة، وتحدّ من الهدر المائي. ويساهم هذا التوجه في تعزيز الأمن العلفي، وتقليل الضغط على الموارد المائية، ودعم قدرة الأنشطة الفلاحية على التكيف مع التغيرات المناخية. كما يتيح هذا التوجه فرصًا لتطوير نماذج إنتاجية مبتكرة تجمع بين الاستنبات العلفي، والطاقة المتجددة، والتدبير المستدام للمياه، بما يساهم في خفض تكاليف الإنتاج. ويمكن تعميم هذه النماذج تدريجيًا على صغار الفلاحين ومربي الماشية، وفق مقاربة تراعي الخصوصيات المحلية والجدوى الاقتصادية والبيئية.

6-2 مقارنة تركيبية

6-3 نموذج حسابي أولي للمغرب
إذا افترضنا، لأغراض السيناريو فقط وليس كنتيجة مغربية ميدانية، إنتاج وحدة هيدروبونية بمعدل 150 كلغ علف طازج يوميًا، فإن الإنتاج السنوي النظري سيكون: بناءً على إنتاج يومي يبلغ 150 كلغ من العلف، فإن إجمالي الإنتاج السنوي يُقدَّر بحوالي 54,750 كلغ، أي ما يعادل 54.75 طنًا سنويًا، وذلك بافتراض استمرار الإنتاج بالمعدل نفسه طوال 365 يومًا.أ ي حوالي: 54.75 طن من العلف الطازج سنويًا. وإذا استُخدم مؤشر مائي قدره 2.83 م³ ماء/طن، كما في التجربة السعودية، فإن الاحتياج المائي النظري سيكون: بناءً على استهلاك مائي قدره 2.83 م³ لكل طن من العلف المنتج، ومع إنتاج سنوي يبلغ 54.75 طنًا، فإن إجمالي كمية المياه المستعملة سنويًا يُقدَّر بحوالي 154.94 م³/سنة، وفقًا للمعادلة التالية:

أي حوالي: 155 م³ ماء سنويًا. لكن هذه ليست نتيجة مغربية؛ بل سيناريو حسابي مبني على معامل منشور في دراسة سعودية. والأهمية العلمية هنا هي أن التجربة المغربية المقترحة تستطيع أن تتحقق مما إذا كان هذا المستوى من الكفاءة قابلًا للتحقيق في: القنيطرة ( عموما في منطقة الغرب)؛ سوس ماسة؛ درعة تافيلالت؛ الشرق؛ مراكش–آسفي؛ فاس–مكناس؛ مناطق الواحات.

6-4 نموذج مقترح لتجربة مغربية
تقترح الدراسة إنشاء منصة وطنية تجريبية للشعير المستنبت تضم عدة مناطق مناخية.
• المرحلة الأولى: التجربة التقنية؛ اختبار (5 أصناف شعير؛ 3 كثافات بذر؛ 3 أنظمة ري؛ 3 مدد للحصاد: 7، 8، 10 أيام؛ نظام مع إعادة تدوير المياه؛ نظام بدون إعادة تدوير كمرجع).
• المرحلة الثانية: القياسات؛ ينبغي قياس ( • كيلوغرام من العلف الطازج لكل متر مكعب من المياه؛ كيلوغرام من المادة الجافة لكل متر مكعب من المياه؛ كمية البروتين لكل متر مكعب من المياه؛ كيلوغرام من المادة الجافة لكل كيلوغرام من البذور؛ كيلوواط ساعة لكل كيلوغرام من المادة الجافة؛ الدرهم المغربي لكل كيلوغرام من المادة الجافة؛ نسبة الفطريات؛ البروتين؛ الألياف؛ الرماد؛ الطاقة الغذائية؛ قابلية الاستهلاك الحيواني.

6-5 التجربة الحيوانية المقترحة
يمكن إجراء تجربة على ثلاث مجموعات من الأغنام أو الأبقار:
• المجموعة A: عليقة تقليدية.
• المجموعة B: استبدال 25% من العلف الأخضر بالشعير المستنبت.
• المجموعة C: استبدال% 50.

ويتم قياس: زيادة الوزن؛ استهلاك العلف؛ معدل التحويل الغذائي؛ استهلاك المياه؛ صحة الحيوان؛ إنتاج الحليب عند الأبقار الحلوب؛ تكلفة التغذية؛ هامش الربح.
وبذلك ينتقل البحث من سؤال: “هل ينتج الشعير المستنبت علفًا كثيرًا؟”
إلى السؤال الأكثر أهمية: “كم كيلوغرامًا من البروتين الحيواني يمكن إنتاجه لكل متر مكعب من الماء المستعمل؟”
وهذا هو المؤشر الأكثر ارتباطًا بالأمن الغذائي والمائي.

6-6 النموذج المغربي المقترح: من الشعير المستنبت إلى “المزرعة الذكية”
لا ينبغي أن ينتهي الابتكار عند إنتاج الشعير المستنبت. يمكن بناء منظومة متكاملة ومستدامة لإنتاج الشعير المستنبت، ترتكز على استخدام الألواح الشمسية لتوفير الطاقة اللازمة لتشغيل مضخة مياه منخفضة الاستهلاك، وتزويد وحدة الاستنبات باحتياجاتها من المياه والطاقة. كما يمكن تجهيز الوحدة بأنظمة استشعار لقياس درجة الحرارة والرطوبة، بما يضمن تحسين ظروف الإنبات وترشيد استهلاك الموارد، مع اعتماد تقنيات لإعادة تدوير المياه متى كانت جودتها ملائمة. وبعد إنتاج العلف، يُقدَّم للماشية، بينما تُستغل مخلفاتها العضوية في إنتاج السماد الطبيعي الذي يُستخدم في زراعة الأعلاف أو الأشجار العلفية. ويساهم هذا التكامل في تقليص النفايات، وتحسين كفاءة استخدام المياه والطاقة، وخفض تكاليف الإنتاج، وصولًا إلى إرساء نموذج للاقتصاد الدائري المحلي يجمع بين الطاقات المتجددة والإنتاج العلفي وتثمين المخلفات العضوية، ويدعم الاستدامة البيئية والاقتصادية للأنشطة الفلاحية.
ويمكن إضافة الذكاء الاصطناعي لتوقع: درجة الحرارة؛ الاحتياجات المائية؛ موعد الحصاد؛ مخاطر الفطريات؛ كمية العلف المطلوبة؛ كلفة الإنتاج؛ استهلاك الكهرباء.

6-7 البعد الاقتصادي
تكشف التجارب الدولية أن أكبر خطأ محتمل هو التركيز على الماء فقط وإهمال الاقتصاد. فالدراسة السعودية وجدت أن إنتاج العلف الهيدروبوني حقق تفوقًا كبيرًا في كفاءة المياه، لكنه لم يكن اقتصاديًا للمزارع الصغيرة؛ فقد بلغ معامل المنفعة/التكلفة حوالي 0.96 للنظام الهيدروبوني مقابل 1.20 للنظام التقليدي في ظروف التجربة. وهذا يعني أن المغرب يحتاج إلى هندسة اقتصادية للتقنية وليس مجرد نقل التكنولوجيا.
ويجب أن تتجه الأبحاث إلى: تصنيع الهياكل محليًا؛ استعمال مواد مغربية؛ خفض المضخات؛ الطاقة الشمسية؛ استعمال أجهزة استشعار منخفضة التكلفة؛ الإنتاج الجماعي للتعاونيات؛ شراء البذور جماعيًا؛ الصيانة المحلية.

6-8 البعد الاجتماعي
يمكن للشعير المستنبت أن يمثل فرصة خاصة لـ: صغار مربي الماشية؛ التعاونيات النسائية؛ الشباب القروي؛ الفلاحين في المناطق الجافة؛ المشاريع التضامنية؛ التعاونيات المنتجة للحليب؛ المشاريع الاجتماعية الخضراء.
وبذلك لا يصبح الشعير المستنبت مجرد تقنية زراعية، وإنما يمكن أن يتحول إلى: نشاط اقتصادي أخضر محلي قائم على المعرفة والابتكار والاقتصاد في الماء.

6-9 البعد المناخي
من منظور التكيف مع تغير المناخ، تكمن أهمية الشعير المستنبت في تقليل اعتماد جزء من إنتاج العلف على المطر والتربة والمساحات الكبيرة. وتؤكد الدراسات الدولية أن المناطق الجافة وشبه الجافة تمثل أحد المجالات الرئيسية التي يمكن أن تجد فيها تقنيات الأعلاف الهيدروبونية تطبيقات مفيدة. لكن يجب ألا يُفهم ذلك على أنه حل منفرد لأزمة المناخ.
فالتكيف الحقيقي يجب أن يجمع بين: تحسين السلالات الحيوانية، إدارة المراعي، الأعلاف المحلية، الشعير المستنبت، حصاد مياه الأمطار، الري الموضعي، الطاقة المتجددة، الاقتصاد الدائري.

6-10 من “إنتاج العلف” إلى “إنتاج الماء الافتراضي”
تسمح تقنية الشعير المستنبت بإعادة التفكير في مفهوم الماء الافتراضي. فكل كيلوغرام من العلف التقليدي يحمل في داخله كمية من المياه المستعملة لإنتاجه. وقد بينت دراسة حول تربية الأبقار في منطقة تادلة المغربية أن الأعلاف القادمة من خارج الضيعة ساهمت بحوالي 33% من إجمالي استعمالات المياه المرتبطة بالإنتاج الحيواني، كما احتاج إنتاج كيلوغرام من الحليب إلى حوالي 1.7 م³ من المياه في ظروف الدراسة. وبالتالي، فإن خفض المياه اللازمة لإنتاج الأعلاف يمكن أن ينعكس بصورة غير مباشرة على البصمة المائية للمنتجات الحيوانية.
وهذا يفتح مجالًا بحثيًا جديدًا في المغرب: أي البصمة المائية لأنظمة تغذية الماشية المغربية.

6-11 حدود التقنية ومخاطرها
رغم المزايا، لا ينبغي تقديم الشعير المستنبت كحل سحري. ومن أهم المخاطر:
• الفطريات: الرطوبة والحرارة يمكن أن توفر بيئة مناسبة لنمو الفطريات.
• جودة المياه: المياه الملوثة قد تؤدي إلى مخاطر صحية.
• الكهرباء: انقطاع الكهرباء يمكن أن يؤثر على المضخات والتهوية.
• تكلفة البذور: ارتفاع أسعار الشعير يمكن أن يرفع تكلفة العلف.
• المادة الجافة: الوزن الطازج المرتفع قد يعطي انطباعًا مضللًا عن كمية المادة الغذائية.
• الاقتصاد: قد تكون تكلفة الاستثمار عالية بالنسبة لصغار المربين.
• التغذية: لا ينبغي استخدام العلف المستنبت بشكل منفرد دون تركيب عليقة متوازنة.

7- التوصيات الاستراتيجية للمغرب
استنادًا إلى الأدلة العلمية المتاحة، تقترح الدراسة إطلاق برنامج وطني تجريبي للشعير المستنبت من أجل التكيف مع الجفاف يقوم على سبعة محاور:
• المحور الأول: البحث العلمي: تطوير أصناف مغربية مخصصة للاستنبات المائي.
• المحور الثاني: وحدات تجريبية: إنشاء وحدات صغيرة في المناطق الأكثر تعرضًا للجفاف.
• المحور الثالث: الطاقة الشمسية: دمج الوحدات مع الطاقة الشمسية لتقليل كلفة الكهرباء.
• المحور الرابع: الاقتصاد في الماء: إلزام المشاريع التجريبية بقياس المياه بدقة لكل كيلوغرام مادة جافة.
• المحور الخامس: الأمن الصحي: اعتماد بروتوكولات للنظافة والتعقيم وجودة المياه.
• المحور السادس: التمويل الأخضر: إدماج هذه الوحدات في برامج تمويل التكيف المناخي والاقتصاد الأخضر.
• المحور السابع: الرقمنة: إنشاء نظام رقمي لمراقبة: الماء نحو الطاقة نحو الإنتاج نحو التغذية نحو صحة الحيوان نحو التكلفة نحو الانبعاثات.

8- نموذج مؤشر وطني نقترحه في هذه الدراسة
يمكن للمغرب تطوير مؤشر كفاءة العلف المائي المغربي (Moroccan Water-Fodder Efficiency Index – MWFEI)، باعتباره أداة تقييم كمية لقياس كفاءة استخدام الموارد المائية في إنتاج الأعلاف، مع مراعاة القيمة الغذائية للعلف المنتج. ويُقترح احتساب المؤشر الأساسي من خلال نسبة كمية البروتين المتوفرة في العلف المنتج، بالكيلوغرام، إلى حجم المياه المستعملة بالمتر المكعب، وفق المعادلة التالية:

ولتعزيز شمولية هذا المؤشر، يمكن استكماله ببُعدين إضافيين يتيحان تقييم الأداء الاقتصادي والطاقي لنظام الإنتاج. يتمثل البُعد الاقتصادي في مؤشر الكفاءة الاقتصادية للعلف (MWFEIeco)، الذي يقيس تكلفة إنتاج كيلوغرام واحد من المادة الجافة بالدرهم المغربي، وفق المعادلة:

أما البُعد الطاقي، فيتمثل في مؤشر الكفاءة الطاقية للعلف (MWFEIenergy)، الذي يقيس كمية الطاقة المستهلكة لإنتاج كيلوغرام واحد من المادة الجافة، وفق المعادلة:

ومن شأن الجمع بين هذه المؤشرات الثلاثة أن يوفر إطارًا تحليليًا لتقييم أنظمة الإنتاج العلفي من منظور مائي وغذائي واقتصادي وطاقي، بما يساعد على مقارنة تقنيات إنتاج الأعلاف، وتحديد الخيارات الأكثر كفاءة واستدامة، ودعم اتخاذ القرار بشأن تطوير الشعير المستنبت وغيره من الحلول العلفية الملائمة للظروف المناخية والمائية بالمغرب.
وبذلك يصبح تقييم التكنولوجيا متعدد الأبعاد بدل الاقتصار على إنتاجية العلف الطازج.

الخلاصة العامة
تكشف الأدلة العلمية المتاحة أن الشعير المستنبت يمثل فرصة حقيقية للمغرب، لكنه ليس حلًا منفردًا لأزمة المياه أو الأعلاف. فمن ناحية، تتقاطع التقنية مع حاجة المغرب الملحة إلى رفع إنتاجية كل قطرة ماء، خصوصًا في ظل انخفاض الموارد المائية للفرد إلى مستويات تقترب من الندرة المطلقة، وتوالي سنوات الجفاف وتراجع الإنتاج الحبوبي والمراعي.

ومن ناحية ثانية، تقدم التجارب الدولية مؤشرات قوية على الإمكانات المائية للتقنية؛ فقد سجلت بعض الدراسات كفاءة مائية مرتفعة جدًا مقارنة بالزراعة الحقلية، بينما أثبتت دراسات أخرى أن ارتفاع الكفاءة المائية لا يضمن وحده الجدوى الاقتصادية. أما المغرب، فلم يعد في مرحلة البحث النظري فقط؛ إذ بدأت تظهر نتائج بحثية وطنية حول الأصناف الملائمة للإنتاج الهيدروبوني، بما في ذلك صنف واعد سجل 17.26 كلغ/م² من العلف الأخضر و %16 من البروتين في ظروف التجربة، إلى جانب مبادرات بحثية لتطوير شعير مخصص للأعلاف الخضراء في أنظمة منخفضة التكلفة.

لذلك، فإن القيمة الاستراتيجية للشعير المستنبت تكمن في إمكانية تحويله من مجرد تقنية لإنتاج العلف إلى أداة للتكيف المناخي وإدارة المخاطر المائية. والتصور الأكثر واقعية للمغرب هو بناء منظومة: شعير مستنبت، طاقة شمسية، إعادة استعمال المياه، أصناف مغربية، تغذية متوازنة، رقمنة، اقتصاد دائري، تعاونيات محلية.

وبهذا المعنى، لا ينبغي أن يكون الهدف هو إنتاج أكبر كمية من العلف، وإنما: إنتاج أكبر قيمة غذائية واقتصادية ممكنة بأقل كمية من الماء والطاقة، مع الحفاظ على صحة الحيوان واستدامة النظام البيئي.
وهذه المقاربة تنسجم مع التحول الضروري من منطق “تعبئة المزيد من المياه” إلى منطق “رفع إنتاجية كل متر مكعب من المياه”.

المراجع العلمية
1. World Bank. Morocco Country Climate and Development Report. World Bank, Washington, D.C.
2. World Bank. Enhancing the Resilience of Agri-food Systems – Morocco and Tunisia. World Bank, 2024. وتشير الدراسة إلى انخفاض نصيب الفرد من المياه من 2,600 م³ في الستينيات إلى نحو 600 م³ سنة 2020، وتزايد الجفاف وتأثيره على الزراعة.
3. FAO. GIEWS Country Brief – The Kingdom of Morocco, 23 July 2025.
4. FAO. Water sharing: From underground to common ground – Morocco, 2023.
5. Al-Karaki, G.N. & Al-Hashimi, M. (2012). Green Fodder Production and Water Use Efficiency of Some Forage Crops under Hydroponic Conditions. International Scholarly Research Notices. DOI: 10.5402/2012/924672.
6. Bakshi, M.P.S., Wadhwa, M. & Makkar, H.P.S. (2017). Hydroponic Fodder Production: A Critical Assessment. FAO/Feedipedia, Broadening Horizons No. 48.
7. El-Keblawy et al. (2023). Water Use Efficiency and Economic Evaluation of the Hydroponic versus Conventional Cultivation Systems for Green Fodder Production in Saudi Arabia. Sustainability, 15, 822.
8. Jilal, A. et al. (2025). Ideotyping hydroponic barley variety in Morocco. African and Mediterranean Agricultural Journal – Al Awamia, No. 147, pp. 85–91.
9. Kallida, R., Jilal, A., Gaboun, F. & Mekkaoui, F. (2025). Agronomic performance of barley for dual use (Forage and Grain). African and Mediterranean Agricultural Journal – Al Awamia, No. 147, pp. 75–84.
10. Sraïri, M.T., Rjafallah, M., Kuper, M. & Le Gal, P.Y. (2009). Water productivity through dual purpose (milk and meat) herds in the Tadla irrigation scheme, Morocco. Irrigation and Drainage, 58(3), S334–S345. DOI: 10.1002/ird.531.
11. Sanchez-Garcia, M. & Morsli, H. (2022). Low-cost off-grid automatic hydroponic forage barley production system. ICARDA.
12. Journal of Dairy Science (2024). Replacing maize silage with hydroponic barley forage in lactating water buffalo diet: Impact on milk yield and composition, water and energy footprint, and economics. Volume 107, Issue 11, pp. 9426–9441. DOI: 10.3168/jds.2024-24902.
13. FAO/PMC study. Use of reclaimed urban wastewater for the production of hydroponic barley forage: water characteristics, feed quality and effects on health status and production of lactating cows.


(*) مصطفى بنرامل

خبير واستشاري في مجالات البيئة والمناخ والتنمية المستدامة، يمتلك خبرة مهنية وميدانية تتجاوز خمسة وعشرين عاماً في التخطيط البيئي، وبناء القدرات، وتصميم البرامج والمشاريع التنموية، وقيادة المبادرات الرامية إلى تعزيز الاستدامة والقدرة على التكيف مع التغيرات المناخية. حاصل على دبلوم الدراسات العليا المعمقة في المجال البيئي من جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، وشهادة مكون المكونين (Training of Trainers) المعتمدة من جامعة أوريغن الأمريكية، إضافة إلى شهادة في تدبير الكوارث الطبيعية من الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، وشهادة مكون المكونين في الإسعافات الأولية من الهلال الأحمر المغربي، وشهادة تكوين المكونين في المجال البيئي والمحافظة على الثروات الطبيعية من كتابة الدولة المكلفة بالتنمية المستدامة، فضلاً عن شهادة مكون تربوي من وزارة التربية الوطنية. وأسهم في إعداد الدراسات والأبحاث العلمية، وتطوير الأدلة والحقائب التكوينية، وتأطير البرامج الوطنية والدولية في مجالات التربية البيئية والعمل المناخي والحوكمة البيئية وإدارة مخاطر الكوارث.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

الطرق السيارة للماء بالمغرب

من تدبير الفائض إلى تعزيز الأمن المائي وفق العدالة الترابية شبكة بيئة أبوظبي، مصطفى بنرامل …

اترك تعليقاً