من اقتصاد «الاستخراج والإنتاج والاستهلاك والرمي» إلى اقتصاد يحافظ على الموارد ويخفض الانبعاثات
شبكة بيئة أبوظبي، مصطفى بنرامل (*) ، خبير بيئي، رئيس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ، المملكة المغربية 24 أغسطس / غشت 2026
الملخص
أصبح الاقتصاد الدائري (Circular Economy) أحد المداخل الاستراتيجية لإعادة صياغة العلاقة بين الاقتصاد والموارد الطبيعية والبيئة والمناخ. فقد أظهر النموذج الاقتصادي الخطي التقليدي، القائم على استخراج الموارد الطبيعية ثم تحويلها إلى منتجات واستهلاكها والتخلص منها، محدوديته أمام التحديات المتزايدة المرتبطة بتغير المناخ واستنزاف الموارد وتراكم النفايات. ويقوم هذا النموذج على تدفقات مادية كثيفة، تتطلب كميات متزايدة من المواد والطاقة والمياه، وتنتج في المقابل كميات كبيرة من النفايات وانبعاثات غازات الدفيئة.
في المقابل، يسعى الاقتصاد الدائري إلى الحفاظ على المنتجات والمواد والموارد في دورة الاستخدام لأطول فترة ممكنة، مع المحافظة على أعلى قيمة ممكنة لها، من خلال تقليل الاستهلاك غير الضروري، وإطالة عمر المنتجات، والإصلاح، وإعادة الاستخدام، والتجديد، وإعادة التصنيع، وإعادة التدوير، واستعادة المواد والطاقة. ومن ثم، فإن الاقتصاد الدائري لا ينبغي اختزاله في إدارة النفايات أو إعادة التدوير، بل ينبغي النظر إليه باعتباره تحولاً شاملاً في طريقة تصميم المنتجات وإنتاجها واستهلاكها وإدارتها في نهاية دورة حياتها.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة من منظور المناخ، لأن جزءاً مهماً من الانبعاثات المرتبطة بالاقتصاد العالمي ينتج قبل مرحلة استخدام المنتجات، أي خلال استخراج المواد الخام ومعالجتها وتصنيعها ونقلها. وتشير مؤسسة Circle Economy إلى أن حصة الاقتصاد العالمي الدائري لا تزال محدودة للغاية، إذ تراجع مؤشر الدائرية العالمية من 9.1% سنة 2018 إلى نحو 7.2% سنة 2023، بما يعكس استمرار الاعتماد الكبير على الموارد الأولية (Circle Economy Foundation, 2024). كما يؤكد برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن استخراج الموارد الطبيعية ومعالجتها يمثلان مصدراً رئيسياً للضغوط البيئية والمناخية، وأن تحسين كفاءة استخدام الموارد أصبح شرطاً أساسياً لتحقيق التنمية المستدامة والمناخية (UNEP, 2024).
وبذلك يمثل الاقتصاد الدائري مدخلاً متكاملاً للحد من الضغط على الموارد وخفض الانبعاثات وتقليل النفايات وخلق فرص اقتصادية ووظائف خضراء وتعزيز قدرة المجتمعات والاقتصادات على الصمود أمام أزمات المناخ والموارد.
الكلمات المفتاحية: الاقتصاد الدائري، تغير المناخ، إزالة الكربون، الموارد الطبيعية، النفايات، إعادة التدوير، الاستدامة، الاقتصاد الأخضر، المغرب، المدن العربية.
مقدمة: أزمة المناخ هي أيضاً أزمة موارد
غالبا ما تتم معالجة قضية تغير المناخ من خلال التركيز على الطاقة والوقود الأحفوري وانبعاثات غازات الدفيئة، وهي عناصر مركزية بلا شك في تفسير الأزمة المناخية. غير أن هذا المنظور يحتاج إلى أن يستكمل ببعد آخر لا يقل أهمية، يتعلق بالطريقة التي يستهلك بها الاقتصاد العالمي الموارد الطبيعية. فكل منتج يستخدمه الإنسان، سواء تعلق الأمر بهاتف ذكي أو سيارة أو مبنى أو قطعة أثاث أو جهاز إلكتروني، يتطلب سلسلة طويلة من العمليات تبدأ باستخراج المواد الخام، مروراً باستخدام المياه والطاقة، وانتهاء بالتصنيع والنقل والتوزيع والاستهلاك والتخلص من المنتج.
ومن ثم، فإن البصمة المناخية للمنتج لا تبدأ بالضرورة عند استعماله، وإنما تبدأ في مراحل مبكرة من دورة حياته، ولا سيما أثناء استخراج المواد الخام ومعالجتها وتصنيعها. وهذا يفسر أهمية الانتقال من معالجة الانبعاثات في نهاية سلسلة الإنتاج إلى إعادة التفكير في السلسلة الاقتصادية بأكملها. وفي هذا السياق، يبرز الاقتصاد الدائري باعتباره مقاربة هيكلية تسعى إلى تقليل الحاجة إلى استخراج الموارد الجديدة، وإطالة عمر المنتجات، والحفاظ على المواد داخل الدورة الاقتصادية، وتحويل النفايات من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي.
1- من الاقتصاد الخطي إلى الاقتصاد الدائري
يقوم الاقتصاد الخطي التقليدي على نموذج يمكن اختصاره في سلسلة: الاستخراج، ثم التصنيع، ثم الاستهلاك، ثم التخلص من النفايات. وقد ساهم هذا النموذج في تحقيق مستويات مرتفعة من الإنتاج والاستهلاك والنمو الاقتصادي، لكنه قام ضمنياً على افتراضات أصبحت غير قابلة للاستمرار، وفي مقدمتها أن الموارد الطبيعية متاحة بصورة غير محدودة وأن قدرة البيئة على استيعاب النفايات والانبعاثات يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية.
غير أن الواقع البيئي والمناخي أظهر حدود هذه الفرضيات. فقد ارتفعت معدلات استخراج الموارد الطبيعية بصورة كبيرة خلال العقود الماضية، وأصبحت الاقتصادات تواجه في الوقت نفسه ضغوطاً متزايدة على المعادن والمياه والأراضي والغابات والمواد الغذائية وغيرها من الموارد الأساسية. ويشير تقرير Global Resources Outlook 2024 إلى أن استمرار الاتجاهات الحالية لاستخدام الموارد يفرض ضغوطاً متزايدة على المناخ والتنوع البيولوجي والتلوث، وهو ما يجعل تغيير أنماط إنتاج واستهلاك الموارد ضرورة استراتيجية وليس مجرد خيار بيئي (International Resource Panel, 2024).
وفي مقابل النموذج الخطي، يقوم الاقتصاد الدائري على مبدأ إبقاء المنتجات والمواد في أعلى قيمة واستخدام ممكنين لأطول فترة زمنية، مع تقليل فقدان الموارد إلى أدنى حد ممكن. ويتحقق ذلك من خلال منظومة مترابطة تبدأ بمنع الاستهلاك غير الضروري وتقليله، ثم إطالة عمر المنتجات عن طريق الصيانة والإصلاح وإعادة الاستخدام، يلي ذلك التجديد وإعادة التصنيع، ثم إعادة تدوير المواد عندما تصبح الخيارات السابقة غير ممكنة، مع اعتبار التخلص النهائي الخيار الأخير.
وبذلك تصبح النفاية في المنظور الدائري ليست نهاية دورة المنتج، وإنما مادة يمكن أن تدخل دورة اقتصادية جديدة. ويؤدي هذا التحول إلى تغيير جوهري في مفهوم القيمة الاقتصادية؛ فبدلاً من قياس النجاح بكمية المنتجات التي يتم بيعها والتخلص منها، يصبح الحفاظ على قيمة المواد والمنتجات والموارد أحد المؤشرات الأساسية للأداء الاقتصادي.
2- الاقتصاد الدائري والمناخ: علاقة تتجاوز إعادة التدوير
تنبع العلاقة بين الاقتصاد الدائري والعمل المناخي من حقيقة أساسية تتمثل في أن إنتاج المواد الأولية واستخراجها ومعالجتها يتطلب كميات كبيرة من الطاقة والمياه والنقل والعمليات الصناعية. وكلما أمكن للاقتصاد استخدام المواد الموجودة بالفعل بدلاً من استخراج موارد جديدة، أمكن في العديد من الحالات تقليل استهلاك الطاقة والانبعاثات المرتبطة بسلسلة القيمة.
ويمكن تبسيط العلاقة في سلسلة مترابطة: تقليل استخراج الموارد يؤدي إلى تقليل الحاجة إلى معالجة المواد والطاقة، وهو ما يمكن أن يسهم في خفض الانبعاثات، إلى جانب تقليل النفايات والضغط على النظم البيئية. وتؤكد مؤسسة Ellen MacArthur Foundation أن التحول إلى نموذج دائري يمكن أن يؤدي دوراً مهماً في معالجة جزء من الانبعاثات المرتبطة بالمواد والمنتجات، خصوصاً من خلال تقليل الطلب على المواد الأولية وإطالة عمر المنتجات واستعادة المواد (Ellen MacArthur Foundation, 2019).
ومن هذا المنظور، لا ينبغي النظر إلى الاقتصاد الدائري باعتباره سياسة بيئية منفصلة عن السياسة المناخية، بل باعتباره أحد مكونات استراتيجية إزالة الكربون، إلى جانب التحول إلى الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة وحماية النظم البيئية والتكيف مع آثار تغير المناخ.
1.2 البصمة المادية للاقتصاد
إن التركيز على الناتج المحلي الإجمالي وحده لا يسمح بفهم الضغط الحقيقي الذي يمارسه الاقتصاد على البيئة. فاقتصادان قد يحققان مستوى متقارباً من النمو، لكنهما قد يختلفان بشكل كبير في كمية الموارد الطبيعية التي يستخدمها كل منهما وفي كمية النفايات والانبعاثات الناتجة عن ذلك.
ولهذا تبرز أهمية مفهوم البصمة المادية (Material Footprint)، الذي يعكس كمية المواد الخام اللازمة لتلبية الطلب الاقتصادي والاستهلاكي. وكلما ارتفعت البصمة المادية، ازدادت الضغوط على الموارد والنظم البيئية. ولذلك فإن الانتقال نحو اقتصاد مستدام يقتضي ألا يكون السؤال هو فقط: كم ينتج الاقتصاد؟ بل أيضاً: كم من الموارد يحتاج لإنتاج هذه القيمة الاقتصادية؟ وما حجم النفايات والانبعاثات الناتجة عنها؟
وتنسجم هذه المقاربة مع توجهات الأمم المتحدة وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة نحو الفصل التدريجي بين النمو الاقتصادي والاستخدام المتزايد للموارد الطبيعية، بما يسمح بتحقيق قيمة اقتصادية أكبر باستخدام كميات أقل من المواد والطاقة.
2.2 التصميم الدائري وإطالة عمر المنتجات
يبدأ الاقتصاد الدائري قبل إنتاج المنتج نفسه، أي في مرحلة التصميم. فالمنتج الذي يصعب إصلاحه أو تفكيكه أو تحديثه أو إعادة تدويره يتحول في وقت أقصر إلى نفاية، بينما يمكن للمنتج المصمم وفق مبادئ الدائرية أن يظل في دورة الاستخدام لفترة أطول وأن يحافظ على جزء أكبر من قيمته.
ويقتضي ذلك تطوير مفهوم التصميم من أجل الدائرية (Design for Circularity)، بحيث تصبح قابلية الإصلاح والتفكيك وإعادة الاستخدام والتدوير جزءاً من المعايير الأساسية لتصميم المنتجات. كما أن إطالة عمر المنتج يمكن أن تقلل الحاجة إلى إنتاج بديل جديد، وبالتالي تخفض كمية المواد والطاقة المستخدمة في التصنيع.
ويظهر ذلك بوضوح في المنتجات الإلكترونية. فإطالة استخدام هاتف ذكي من سنتين إلى أربع سنوات، على سبيل المثال، لا تعني فقط تقليل كمية النفايات الإلكترونية، وإنما تعني أيضاً تأجيل الحاجة إلى استخراج المواد الخام وتصنيع جهاز جديد وما يرتبط بذلك من استهلاك للطاقة والمياه وانبعاثات.
3.2 التحول من بيع المنتجات إلى تقديم الخدمات
يمكن للاقتصاد الدائري أن يعيد تشكيل العلاقة بين المنتج والمستهلك من خلال الانتقال من نموذج بيع المنتج إلى نموذج تقديم الخدمة. ففي بعض القطاعات، يمكن للشركة أن تظل مسؤولة عن المنتج طوال دورة حياته، بما يشجعها على إنتاج معدات أكثر متانة وقابلية للصيانة والتحديث وإعادة التصنيع.
وعوضاً عن بيع آلة ثم التخلي عنها عند انتهاء عمرها، يمكن للمصنع أن يوفر خدمة استخدام الآلة مع تحمل مسؤولية الصيانة والإصلاح والتحديث واستعادة المكونات وإعادة تصنيعها. ويخلق هذا النموذج حافزاً اقتصادياً لدى المنتج للحفاظ على قيمة المنتج والمواد لأطول فترة ممكنة، وهو ما يمثل تحولاً مهماً في العلاقة بين الربحية والاستدامة.
4.2 الاقتصاد الدائري في الصناعة والطاقة
تتيح الصناعة إمكانات واسعة لتطبيق الاقتصاد الدائري، خصوصاً من خلال التكافل الصناعي، حيث يمكن لمخلفات أو نواتج ثانوية في مصنع أن تصبح مواد أولية أو مصادر للطاقة في مصنع آخر. وقد تشمل هذه التدفقات المواد العضوية أو الحرارة المهدرة أو بعض المواد الثانوية الصناعية.
ويكتسب هذا المفهوم أهمية متزايدة في سياق التحول الطاقي. فالتوسع في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والسيارات الكهربائية سيؤدي إلى زيادة الطلب على المعادن والمكونات والمعدات، مما يجعل إدارة دورة حياة هذه المعدات جزءاً من الاستدامة طويلة المدى للتحول الطاقي.
وتبرز البطاريات مثالاً واضحاً على ذلك. فالسيارات الكهربائية تعتمد على معادن مثل الليثيوم والنيكل والكوبالت والنحاس، وهو ما يجعل تطوير منظومات لاستعادة البطاريات وإعادة استخدامها وإعادة تدوير مكوناتها أمراً ضرورياً. ويمكن للبطاريات التي تنخفض قدرتها على تشغيل السيارات أن تستخدم في تطبيقات تخزين الكهرباء الثابتة قبل أن تصل إلى مرحلة إعادة تدوير المواد.
وبالتالي، فإن التحول نحو الطاقة منخفضة الكربون يحتاج بالتوازي إلى تحول دائري في المعدات والمعادن الحرجة حتى لا يؤدي خفض انبعاثات الطاقة إلى خلق ضغوط متزايدة على الموارد.
3- قطاعات الاقتصاد الدائري
1.3 الاقتصاد الدائري وقطاع البناء
يُعد قطاع البناء من المجالات التي توفر فرصاً كبيرة للدائرية، بالنظر إلى اعتماده على كميات ضخمة من الإسمنت والحديد والرمل والخشب وغيرها من المواد. ويمكن الحد من البصمة المادية والمناخية لهذا القطاع من خلال إعادة استخدام المباني القائمة، وإعادة تدوير مخلفات البناء والهدم، واستخدام مواد بديلة، وتحسين التصميم، واعتماد البناء القابل للتفكيك.
ويتيح التصميم القابل للتفكيك إعادة استخدام الأبواب والنوافذ والأخشاب والهياكل المعدنية وغيرها من مكونات المبنى، بحيث لا ينتهي الأمر بالمواد إلى المطامر عند هدم المبنى. ومن هنا يمكن النظر إلى المبنى باعتباره «بنكاً للمواد» يحتفظ بموارد يمكن استعادتها مستقبلاً، بدلاً من اعتباره مصدراً مستقبلياً للنفايات.
كما يمكن تقليل البصمة المناخية للبناء من خلال تمديد عمر المباني القائمة، لأن إعادة تأهيل المبنى غالباً ما تحافظ على جزء كبير من المواد والطاقة التي استثمرت في إنشائه أصلاً.
2.3 الاقتصاد الدائري للمياه
لا يقتصر مفهوم الدائرية على المواد الصلبة، بل يمكن تطبيقه أيضاً على المياه. فالنموذج التقليدي يقوم غالباً على ضخ المياه واستخدامها ثم التخلص منها بعد الاستعمال، بينما يسمح النموذج الدائري بإنشاء حلقات متكررة للاستخدام من خلال المعالجة وإعادة الاستخدام.
وبذلك يمكن الانتقال من مسار: المياه الاستخدام الصرف التخلص
إلى مسار أكثر كفاءة يقوم على: المياه الاستخدام المعالجة إعادة الاستخدام استخدام جديد
ويمكن أن تشمل المياه المعالجة استخدامات متعددة، مثل الري والزراعة والمساحات الخضراء وبعض الاستخدامات الصناعية والحضرية، وفق المعايير الصحية والبيئية المعتمدة.
كما يمكن النظر إلى المياه العادمة باعتبارها مورداً يمكن استعادة المياه والطاقة وبعض المغذيات منه، وهو ما يربط الاقتصاد الدائري مباشرة بالأمن المائي والتكيف مع تغير المناخ، خصوصاً في المناطق التي تعاني من الإجهاد المائي.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في المغرب والدول العربية، حيث يتزايد الضغط على الموارد المائية نتيجة الجفاف وتغير أنماط التساقطات وارتفاع الطلب الحضري والزراعي.
3.3 الاقتصاد الدائري والغذاء والزراعة
يمثل هدر الغذاء أحد الأشكال غير المرئية لاستهلاك الموارد، لأن الغذاء الذي يتم التخلص منه يحمل في داخله موارد سبق استهلاكها، من مياه وأراضٍ وطاقة وعمل ونقل وتخزين. وقد قدر برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن العالم أنتج نحو 1.05 مليار طن من هدر الغذاء سنة 2022 على مستوى الأسر والخدمات الغذائية وتجارة التجزئة، أي ما يقارب 19% من الغذاء المتاح للمستهلكين (UNEP, 2024).
وبالتالي فإن الحد من هدر الغذاء لا يمثل فقط سياسة لتحسين الأمن الغذائي، وإنما يمثل أيضاً تدخلاً مناخياً، لأن تجنب إنتاج غذاء لا يتم استهلاكه يعني تجنب استهلاك الموارد والانبعاثات المرتبطة بإنتاجه ونقله وتخزينه.
وفي القطاع الزراعي، يمكن تعزيز الدائرية من خلال إعادة تدوير المخلفات العضوية، وإنتاج السماد العضوي، واستعادة المغذيات، وإعادة استخدام المياه المعالجة، واعتماد نظم إنتاج أكثر تكاملاً. وبذلك يمكن للمزرعة أن تتحول تدريجياً من نظام يعتمد على تدفقات خارجية كثيفة إلى نظام أكثر قدرة على تدوير المواد والمغذيات داخلياً.
4.3 النفايات العضوية والميثان
تكتسب إدارة النفايات العضوية أهمية مناخية خاصة بسبب إمكانية توليد غاز الميثان عند تحلل المواد العضوية في ظروف لاهوائية داخل مطارح النفايات. ومن ثم، فإن فصل النفايات العضوية عن باقي النفايات وتوجيهها نحو التسميد أو الهضم اللاهوائي يمكن أن يحقق فوائد مزدوجة من خلال الحد من انبعاثات الميثان وإنتاج موارد جديدة، مثل السماد العضوي والغاز الحيوي.
وهذا يوضح مرة أخرى أن إدارة النفايات في الاقتصاد الدائري لا ينبغي أن تنحصر في جمع النفايات والتخلص منها، وإنما ينبغي أن تقوم على استعادة القيمة المادية والطاقية الموجودة فيها.
5.3 النفايات الإلكترونية: خسارة اقتصادية وفرصة دائرية
تعد النفايات الإلكترونية من أسرع تدفقات النفايات نمواً على المستوى العالمي، وهي تحتوي على كميات مهمة من المعادن والمواد التي يمكن استعادتها. وقد أظهر تقرير Global E-waste Monitor 2024 أن العالم أنتج نحو 62 مليون طن من النفايات الإلكترونية سنة 2022، في حين لم تتم إعادة تدوير سوى حوالي 22.3% منها بصورة موثقة (UNITAR & ITU, 2024).
ويعني ذلك أن ملايين الأطنان من المواد القابلة للاسترداد تضيع سنوياً، في الوقت الذي تستمر فيه الحاجة إلى استخراج مواد خام جديدة. ولذلك فإن الاقتصاد الدائري يوفر فرصة للربط بين الحد من التلوث واستعادة القيمة الاقتصادية وتقليل الطلب على بعض المعادن الأولية.
ويتطلب ذلك تطوير منظومات فعالة لجمع النفايات الإلكترونية وفرزها وإصلاح الأجهزة القابلة للإصلاح واستعادة المكونات وإعادة تدوير المواد، إلى جانب تعزيز مسؤولية المنتج وتشجيع المستهلك على إطالة عمر الأجهزة.
4- المدن باعتبارها مختبرات للاقتصاد الدائري
تنتج المدن تدفقات كبيرة من النفايات والمياه العادمة ومخلفات البناء والمواد العضوية، ولذلك يمكن أن تتحول إلى مختبرات عملية لتطبيق الاقتصاد الدائري. ويمكن للمدينة الدائرية أن تقوم على الفرز من المصدر، ومراكز الإصلاح وإعادة الاستخدام، وتدوير مخلفات البناء، وإعادة استخدام المياه المعالجة، والحد من هدر الغذاء، وإنشاء أسواق للمواد والمنتجات المستعملة.
ومن منظور التخطيط الحضري، لا ينبغي النظر إلى النفايات والمياه ومخلفات البناء باعتبارها تدفقات منفصلة، بل ينبغي البحث عن علاقات بينها تسمح بإعادة إدخال الموارد في دورة اقتصادية محلية. فالمياه العادمة المعالجة يمكن أن تستخدم في الري، والمخلفات العضوية يمكن أن تتحول إلى سماد أو غاز حيوي، وبعض المخلفات الصناعية يمكن أن تصبح مدخلات لقطاعات أخرى. وهكذا يمكن للمدينة أن تنتقل من نموذج يعتمد على إدخال الموارد والتخلص من المخلفات إلى نموذج أكثر اعتماداً على دورات الموارد المحلية.
1.4 الوظائف الخضراء والعدالة الاجتماعية
لا تقتصر أهمية الاقتصاد الدائري على البيئة والمناخ، بل تمتد إلى الاقتصاد والتشغيل والتنمية المحلية. فأنشطة الإصلاح والصيانة وإعادة الاستخدام وإعادة التصنيع والتدوير والتصميم البيئي وجمع وفرز النفايات توفر إمكانات مهمة لخلق وظائف خضراء.
كما يمكن للاقتصاد الدائري أن يتقاطع مع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني من خلال دعم التعاونيات والمقاولات الصغيرة والمبادرات المحلية في مجالات الإصلاح وإعادة الاستخدام وإعادة التدوير. غير أن نجاح هذا التحول يتطلب في المقابل ضمان ظروف عمل لائقة وحماية اجتماعية للعاملين، خصوصاً في قطاع جمع وفرز النفايات، حتى لا تتحول الدائرية إلى آلية لإعادة إنتاج الهشاشة الاجتماعية.
ومن هنا فإن العدالة الاجتماعية ينبغي أن تكون جزءاً من تصميم سياسات الاقتصاد الدائري، وليس نتيجة ثانوية لها.
2.5 الفرص المتاحة للاقتصاد الدائري؛ المغرب نموذجا
يمتلك المغرب فرصاً مهمة لتطوير نموذج وطني للاقتصاد الدائري، بالنظر إلى تنوع موارده وقطاعات إنتاجه وتحدياته المرتبطة بالمياه والنفايات والزراعة والطاقة والمدن. ويمكن أن تبرز مجالات النفايات المنزلية والعضوية، ومخلفات البناء والهدم، والمياه العادمة، والزراعة، والبلاستيك، والنفايات الإلكترونية باعتبارها قطاعات ذات إمكانات مرتفعة لتطوير حلقات دائرية.
ويمكن للمغرب أن يربط بين الاقتصاد الدائري والاقتصاد الأخضر والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، بحيث لا تقتصر الدائرية على تقليل النفايات، وإنما تتحول إلى استراتيجية للتنمية الاقتصادية المحلية وخلق فرص العمل وتحسين كفاءة استخدام الموارد وتعزيز الأمن المائي والغذائي.
ويمكن تصور نموذج مغربي للاقتصاد الدائري يقوم على سبع مجالات مترابطة: النفايات، المياه، الزراعة، البناء، الصناعة، الطاقة، والمدن. ففي مجال النفايات يمكن تعزيز الفرز من المصدر والتدوير؛ وفي المياه يمكن تطوير المعالجة وإعادة الاستخدام؛ وفي الزراعة يمكن تدوير المواد العضوية والمغذيات؛ وفي البناء يمكن استعادة مواد الهدم؛ وفي الصناعة يمكن تطوير التكافل الصناعي؛ وفي الطاقة يمكن إعادة استخدام البطاريات والمكونات؛ أما المدن فيمكن أن تصبح فضاءات لتجريب نماذج محلية متكاملة للدائرية.
3.5 التكافل الصناعي وتحويل المخلفات إلى موارد
يمثل التكافل الصناعي (Industrial Symbiosis) إحدى أكثر الآليات ابتكاراً في الاقتصاد الدائري، إذ يقوم على إعادة تصميم العلاقات بين المؤسسات الاقتصادية بحيث تصبح المخلفات أو النواتج الثانوية لمؤسسة ما مدخلات لمؤسسة أخرى.
وقد يتعلق الأمر بمواد عضوية يمكن تحويلها إلى سماد أو طاقة، أو حرارة مهدرة يمكن استغلالها في عملية صناعية أخرى، أو مواد ثانوية يمكن استخدامها بدل المواد الخام الأولية. وبهذا تتحول النفايات من تكلفة على المؤسسة إلى مورد اقتصادي محتمل، ويصبح التعاون بين المنشآت الصناعية أداة لتقليل استهلاك الموارد والطاقة والانبعاثات.
5- الاقتصاد الدائري والحياد الكربوني
يرتبط الاقتصاد الدائري بمسار الحياد الكربوني من خلال تقليل الطلب على المواد والطاقة وخفض النفايات والانبعاثات المرتبطة بدورة حياة المنتجات. وكلما زادت قدرة الاقتصاد على إعادة استخدام المنتجات والمواد، انخفضت الحاجة إلى استخراج ومعالجة موارد جديدة.
ومن ثم يمكن تصور العلاقة في سلسلة متكاملة: تقليل استخدام المواد الأولية، ثم تقليل الطاقة الصناعية المطلوبة، ثم خفض الانبعاثات، وتقليل النفايات، وزيادة إعادة الاستخدام واستعادة القيمة، بما يعزز مرونة الاقتصاد.
ومع ذلك، لا ينبغي المبالغة في تقدير قدرة الاقتصاد الدائري وحده على حل أزمة المناخ. فهو لا يمكن أن يحل محل التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، والتوسع في الطاقة المتجددة، وتحسين كفاءة الطاقة، وحماية الغابات والنظم البيئية، وتعزيز التكيف مع تغير المناخ. لكنه يمثل مكملاً هيكلياً لهذه السياسات، ويساعد على معالجة الجانب المادي والموردي من التحول المناخي.
1.5 نحو منظومة لقياس دائرية الاقتصاد
يتطلب الانتقال من الاقتصاد الخطي إلى الاقتصاد الدائري الانتقال أيضاً من الخطاب العام إلى القياس الكمي. ولذلك ينبغي للحكومات اعتماد مؤشرات تسمح بتقييم مدى دائرية الاقتصاد ومتابعة تطورها عبر الزمن.
ويمكن أن تشمل هذه المؤشرات استهلاك المواد للفرد، ونسبة المواد المعاد تدويرها، ونسبة النفايات الموجهة إلى المطامر، ومعدلات إعادة الاستخدام والإصلاح، وحجم هدر الغذاء، ونسبة تدوير النفايات الإلكترونية، ونسبة إعادة استخدام المياه، ونسبة تدوير مخلفات البناء، وحصة المواد الثانوية المستخدمة في الصناعة.
كما ينبغي ربط هذه المؤشرات بمؤشرات مناخية، مثل كمية مكافئ ثاني أكسيد الكربون التي تم تجنب انبعاثها نتيجة الإصلاح أو إعادة الاستخدام أو التدوير أو تقليل استهلاك المواد أو استعادة الطاقة. ومن شأن هذا الربط أن يجعل من الممكن تقييم السياسة الدائرية ليس فقط من منظور النفايات، وإنما أيضاً من منظور المناخ.
والهدف النهائي هو الانتقال من اقتصاد مرتفع الاستهلاك للموارد إلى اقتصاد يحقق قيمة مضافة أكبر ببصمة مادية وكربونية أقل.
2.5 نموذج للاقتصاد الدائري في المدن العربية
تواجه المدن العربية مجموعة من التحديات المتداخلة، في مقدمتها ندرة المياه، وتزايد الطلب على الغذاء والطاقة، والنمو الحضري السريع، وتراكم النفايات، وارتفاع الطلب على مواد البناء. ولذلك يمكن أن يكون الاقتصاد الدائري إطاراً مناسباً لبناء حلول مترابطة.
فيمكن، على سبيل المثال، معالجة مياه الصرف وإعادة استخدامها في الري، ثم استغلال المخلفات الزراعية لإنتاج السماد العضوي أو الغاز الحيوي، واستخدام الغاز الحيوي لإنتاج الطاقة، بينما توجه المواد المتبقية إلى التدوير أو الاسترداد. وبهذه الطريقة تتشكل حلقة موارد حضرية متكاملة تربط الماء والغذاء والطاقة والنفايات.
وتزداد أهمية هذا النموذج في ظل ارتفاع مخاطر الجفاف والإجهاد المائي وتغير أنماط الأمطار في المنطقة العربية، حيث يصبح تقليل الفاقد وإعادة استخدام الموارد أحد عناصر التكيف مع المناخ وليس فقط أحد عناصر الاستدامة البيئية.
3.5 التحديات التي تعيق الانتقال إلى الاقتصاد الدائري
رغم الفرص الكبيرة التي يوفرها الاقتصاد الدائري، فإن الانتقال إليه يواجه مجموعة من العقبات، من أبرزها ضعف التشريعات أو عدم تكاملها، وغياب أسواق قوية للمواد المعاد تدويرها، ومحدودية الاستثمار في البنية التحتية الدائرية، ونقص البيانات المتعلقة بتدفقات المواد، واستمرار ثقافة الاستهلاك السريع، وانتشار منتجات يصعب إصلاحها أو تفكيكها، وضعف البنية التحتية للفرز، إضافة إلى محدودية الحوافز الاقتصادية.
ويضاف إلى ذلك تحدي التنسيق بين القطاعات والمؤسسات، لأن الاقتصاد الدائري بطبيعته يتجاوز الحدود التقليدية للقطاعات. فإدارة المخلفات العضوية، على سبيل المثال، ترتبط في الوقت نفسه بالنفايات والطاقة والزراعة والمياه والمناخ، الأمر الذي يستدعي سياسات متكاملة بدل المعالجة المنعزلة لكل قطاع.
4.5 مسار عملي للانتقال من الاقتصاد الخطي إلى الدائري
يمكن بناء مسار وطني أو محلي للانتقال إلى الاقتصاد الدائري على خمس مراحل مترابطة. تبدأ المرحلة الأولى بقياس تدفقات المواد وتحديد الموارد الأكثر استهلاكاً والقطاعات الأكثر إنتاجاً للنفايات. ثم تأتي المرحلة الثانية لتحديد القطاعات ذات الأولوية، مثل النفايات العضوية والمياه والبناء والبلاستيك والإلكترونيات. أما المرحلة الثالثة فتتمثل في وضع أهداف كمية للدائرية، مثل خفض استهلاك المواد الأولية، ورفع معدلات إعادة الاستخدام والتدوير، وتقليل النفايات الموجهة إلى المطامر، وزيادة إعادة استخدام المياه. وتتمثل المرحلة الرابعة في توفير الحوافز والاستثمارات والتشريعات اللازمة لتحقيق هذه الأهداف، بما في ذلك مسؤولية المنتج الممتدة والحق في الإصلاح وتطوير أسواق المواد الثانوية.
وتتعلق المرحلة الخامسة بإدماج الاقتصاد الدائري بصورة صريحة في سياسات المناخ والتنمية والتخطيط الحضري والصناعي، حتى لا يظل الاقتصاد الدائري برنامجاً قطاعياً محدوداً، بل يتحول إلى مبدأ ناظم للسياسات الاقتصادية والبيئية.
6- التوصيات الاستراتيجية
على المستوى الحكومي، يحتاج الانتقال إلى الاقتصاد الدائري إلى استراتيجية وطنية واضحة، مدعومة بمؤشرات للبصمة المادية والاستخدام الفعال للموارد، وتشريعات تعزز الحق في الإصلاح، ومسؤولية المنتج الممتدة، وتحفيز استخدام المواد المعاد تدويرها، ودعم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وإنشاء أسواق فعالة للمواد الثانوية، وإدماج الدائرية في الاستراتيجيات الوطنية للمناخ والتنمية المستدامة.
وعلى مستوى المدن، ينبغي إعطاء الأولوية للفرز من المصدر، وجمع النفايات العضوية، وإنشاء مراكز للإصلاح وإعادة الاستخدام، وتطوير منظومات لتدوير مخلفات البناء والهدم، وإعادة استخدام المياه المعالجة، وتقليل هدر الغذاء، مع تطوير منصات محلية لتبادل المواد والمنتجات القابلة لإعادة الاستخدام.
أما على مستوى المواطنين، فإن الاقتصاد الدائري يتطلب تغييراً في السلوك الاستهلاكي، من خلال شراء ما هو ضروري، وإطالة عمر المنتجات، وإصلاحها قبل استبدالها، وإعادة استخدامها، وتجنب المنتجات أحادية الاستعمال، وفرز النفايات، وتقليل هدر الطعام.
لا يمكن بناء اقتصاد دائري بالآلات والقوانين وحدها، لأن جوهر التحول يرتبط أيضاً بالثقافة وأنماط السلوك. فالنموذج الاستهلاكي السائد غالباً ما يربط الرفاه بزيادة الاستهلاك وسرعة استبدال المنتجات، بينما يتطلب الاقتصاد الدائري إعادة تعريف مفهوم الرفاه على أساس جودة الاستخدام وطول عمر المنتج وكفاءة الموارد.
ومن هنا تصبح التربية البيئية والإعلام والمدرسة والجامعة والمجتمع المدني أدوات أساسية في بناء الثقافة الدائرية. فالمواطن يحتاج إلى فهم العلاقة بين اختياراته اليومية واستهلاك الموارد والانبعاثات والنفايات، كما تحتاج المؤسسات التعليمية والإعلامية إلى الانتقال من التوعية العامة إلى بناء ثقافة عملية تقوم على الإصلاح وإعادة الاستخدام والاستهلاك المسؤول.
إن التحول المطلوب يمكن تلخيصه في الانتقال من مفهوم «الاستهلاك بوصفه مؤشراً للرفاه» إلى مفهوم «الاستخدام الرشيد للموارد بوصفه أساساً للرفاه المستدام».
الخلاصة
إن تغير المناخ ليس فقط نتيجة مباشرة لاحتراق الفحم والنفط والغاز، وإنما يرتبط أيضاً بنمط اقتصادي يقوم على استخراج كميات متزايدة من الموارد الطبيعية وتحويلها إلى منتجات ثم التخلص من جزء كبير منها كنفايات. ولذلك فإن مواجهة تغير المناخ لا تتطلب فقط تغيير مصادر الطاقة، وإنما تتطلب أيضاً إعادة التفكير في الطريقة التي يتم بها تصميم المنتجات وإنتاجها واستهلاكها والتعامل معها بعد انتهاء استخدامها.
ويقدم الاقتصاد الدائري إطاراً لهذا التحول من خلال الانتقال من نموذج الاستخراج والإنتاج والاستهلاك والرمي إلى نموذج يقوم على التقليل والإصلاح وإعادة الاستخدام والتجديد وإعادة التصنيع والتدوير واستعادة الموارد. غير أن نجاح هذا النموذج يتطلب تجاوز الاختزال الشائع للاقتصاد الدائري في إعادة تدوير النفايات، والانتقال إلى مقاربة تبدأ من تصميم المنتج وتستمر طوال دورة حياته.
ومن منظور المغرب والدول العربية، يمكن للاقتصاد الدائري أن يمثل فرصة استراتيجية مزدوجة. فعلى المستوى المناخي، يمكن أن يسهم في تقليل الضغط على الموارد وخفض الانبعاثات المرتبطة بالمواد والمنتجات، بينما يمكن على المستوى الاقتصادي والاجتماعي أن يخلق وظائف خضراء ويدعم المقاولات والتعاونيات ويعزز الاقتصاد الاجتماعي والتضامني ويقلل الاعتماد على بعض المواد الأولية المستوردة.
وعليه، يمكن صياغة المعادلة الاستراتيجية للاقتصاد الدائري على النحو الآتي:
الاقتصاد الدائري = موارد أقل + نفايات أقل + انبعاثات أقل + قيمة اقتصادية أكبر + قدرة أعلى على الصمود.
إن الانتقال من الاقتصاد الخطي إلى الاقتصاد الدائري ليس مجرد سياسة لإدارة النفايات، ولا مجرد خيار تقني لإعادة التدوير، وإنما هو إعادة بناء للنموذج الاقتصادي نفسه على أساس الحفاظ على قيمة الموارد والمنتجات، وتقليل البصمة المادية والكربونية، وتعزيز قدرة الاقتصادات والمجتمعات على مواجهة تغير المناخ وندرة الموارد.
المراجع:
1. Circle Economy Foundation. (2024). The circularity gap report 2024. Circle Economy.
2. Ellen MacArthur Foundation. (2019). Completing the picture: How the circular economy tackles climate change. Ellen MacArthur Foundation.
3. European Environment Agency. (2023). The circular economy and climate change. European Environment Agency.
4. Friedlingstein, P., O’Sullivan, M., Jones, M. W., Andrew, R. M., Bakker, D. C. E., Hauck, J., Landschützer, P., Le Quéré, C., Luijkx, I. T., Peters, G. P., Peters, W., Pongratz, J., Schwingshackl, C., Sitch, S., Canadell, J. G., Ciais, P., Jackson, R. B., Alin, S. R., Anthoni, P., … Zheng, B. (2024). Global carbon budget 2024. Earth System Science Data, 16, 5241–5369. https://doi.org/10.5194/essd-16-5241-2024
5. Intergovernmental Panel on Climate Change. (2022). Climate change 2022: Mitigation of climate change. Cambridge University Press.
6. International Resource Panel. (2019). Global resources outlook 2019: Natural resources for the future we want. United Nations Environment Programme.
7. International Resource Panel. (2024). Global resources outlook 2024: Bend the trend—Pathways to a liveable planet as resource use spikes. United Nations Environment Programme.
8. United Nations Environment Programme. (2024). Global waste management outlook 2024: Beyond an age of waste—Turning rubbish into a resource. UNEP.
9. United Nations Environment Programme. (2024). Food waste index report 2024. UNEP.
10. United Nations Institute for Training and Research, & International Telecommunication Union. (2024). The global e-waste monitor 2024. UNITAR.
11. World Bank. (2018). What a waste 2.0: A global snapshot of solid waste management to 2050. World Bank.
(*) مصطفى بنرامل
خبير واستشاري في مجالات البيئة والمناخ والتنمية المستدامة، يمتلك خبرة مهنية وميدانية تتجاوز خمسة وعشرين عاماً في التخطيط البيئي، وبناء القدرات، وتصميم البرامج والمشاريع التنموية، وقيادة المبادرات الرامية إلى تعزيز الاستدامة والقدرة على التكيف مع التغيرات المناخية. حاصل على دبلوم الدراسات العليا المعمقة في المجال البيئي من جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، وشهادة مكون المكونين (Training of Trainers) المعتمدة من جامعة أوريغن الأمريكية، إضافة إلى شهادة في تدبير الكوارث الطبيعية من الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، وشهادة مكون المكونين في الإسعافات الأولية من الهلال الأحمر المغربي، وشهادة تكوين المكونين في المجال البيئي والمحافظة على الثروات الطبيعية من كتابة الدولة المكلفة بالتنمية المستدامة، فضلاً عن شهادة مكون تربوي من وزارة التربية الوطنية. وأسهم في إعداد الدراسات والأبحاث العلمية، وتطوير الأدلة والحقائب التكوينية، وتأطير البرامج الوطنية والدولية في مجالات التربية البيئية والعمل المناخي والحوكمة البيئية وإدارة مخاطر الكوارث.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز