شبكة بيئة ابوظبي، بقلم المهندس عماد سعد (*)، خبير الاستدامة والتغير المناخي والمسؤولية المجتمعية، بالتوازي مع جريدة الأنباط الأردنية، 05 يوليو 2026
تُعد الزراعة من أكثر القطاعات ارتباطاً بالمناخ وتأثراً بتغيراته، فهي تعتمد بشكل مباشر على درجات الحرارة ومعدلات الهطول المطري وتوافر الموارد المائية. وفي الأردن، حيث تشكل ندرة المياه أحد أبرز التحديات الطبيعية، تبدو آثار التغير المناخي أكثر وضوحاً، ما يفرض على القطاع الزراعي البحث المستمر عن حلول مبتكرة تضمن استدامة الإنتاج وتعزز الأمن الغذائي الوطني.
ورغم التحديات المناخية المتزايدة، فإن التجربة الأردنية تقدم نموذجاً إيجابياً في التعامل مع الواقع الجديد، حيث تحولت التحديات إلى حافز لتطوير ممارسات زراعية أكثر كفاءة واستدامة. فقد أدرك الأردن مبكراً أن مستقبل الزراعة لا يعتمد فقط على زيادة الموارد، بل على حسن إدارتها واستخدام التكنولوجيا والابتكار لتعظيم الاستفادة من كل قطرة ماء وكل متر من الأراضي الزراعية.
تشير الدراسات المناخية إلى أن منطقة الشرق الأوسط من أكثر مناطق العالم عرضة لارتفاع درجات الحرارة وتراجع معدلات الأمطار. ومع ذلك، نجح الأردن في تطوير العديد من المبادرات الهادفة إلى تعزيز كفاءة استخدام المياه في الزراعة، من خلال التوسع في أنظمة الري الحديثة، واستخدام تقنيات الري بالتنقيط، وتشجيع المزارعين على تبني أساليب زراعية تقلل الفاقد وتحسن الإنتاجية.
كما شهدت السنوات الأخيرة توسعاً في تطبيق مفاهيم الزراعة الذكية مناخياً، وهي منهجية تجمع بين زيادة الإنتاج الزراعي والتكيف مع التغير المناخي وخفض الانبعاثات الكربونية. وتشمل هذه الممارسات استخدام أصناف زراعية أكثر تحملاً للجفاف والحرارة، وتطوير البيوت الزراعية الحديثة، والاستفادة من تقنيات الاستشعار عن بعد والذكاء الاصطناعي في إدارة العمليات الزراعية.
ومن الجوانب المضيئة في التجربة الأردنية أيضاً تنامي الاهتمام بالبحث العلمي والابتكار الزراعي، حيث تعمل الجامعات ومراكز البحوث والمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص على تطوير حلول عملية تتناسب مع خصوصية البيئة المحلية. وقد أسهم هذا التعاون في إنتاج معرفة وطنية قادرة على مواجهة تحديات المناخ والمياه والغذاء بصورة أكثر فاعلية.
ولا يقتصر دور الزراعة على إنتاج الغذاء فقط، بل يمتد إلى دعم الاقتصاد المحلي وتوفير فرص العمل والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي في المجتمعات الريفية. لذلك فإن تعزيز قدرة القطاع الزراعي على التكيف مع التغير المناخي يمثل استثماراً في مستقبل المجتمع بأكمله، وليس في القطاع الزراعي وحده.
ومن منظور المسؤولية المجتمعية، فإن دعم المزارعين وتمكينهم من الوصول إلى التقنيات الحديثة والمعرفة الزراعية المتطورة أصبح ضرورة وطنية. كما أن تعزيز الوعي بأهمية استهلاك المنتجات المحلية ودعم سلاسل القيمة الزراعية يسهم في تعزيز مرونة القطاع وتحقيق مزيد من الاستدامة الاقتصادية والبيئية.
وفي ظل التوجهات العالمية نحو الاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة، يمتلك الأردن فرصاً واعدة لتعزيز مكانته كنموذج إقليمي في الزراعة المستدامة، مستفيداً من خبراته المتراكمة وقدرته على الابتكار في بيئة محدودة الموارد. فالتحديات المناخية، على صعوبتها، قد تكون أيضاً فرصة لإعادة تشكيل القطاع الزراعي على أسس أكثر كفاءة ومرونة واستدامة.
وفي النهاية، تثبت الزراعة الأردنية أن القدرة على التكيف لا تعتمد على وفرة الموارد بقدر ما تعتمد على حسن الإدارة والإرادة والابتكار. وبينما يواصل العالم البحث عن حلول لمواجهة التغير المناخي، تقدم التجربة الأردنية رسالة مهمة مفادها أن الاستثمار في المعرفة والتكنولوجيا والإنسان هو الطريق الأكثر أمناً نحو مستقبل زراعي مستدام وأكثر قدرة على الصمود.
(*) المهندس عماد سعد:
استشاري أول في إدارة المشاريع البيئية والاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي. خبير دولي ومحاضر معتمد في التنمية المستدامة، والمسؤولية المجتمعية، والإعلام البيئي. رئيس شبكة بيئة أبوظبي | مدير عام شركة نايا للاستشارات بالإمارات. (00971506979645)abudhabienv@gmail.com


بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز