بالتعاون مع (PACT) الشراكة من أجل شفافية الكربون
شبكة بيئة ابوظبين بقلم المهندس عماد سعد (*)، خبير الاستدامة والتغير المناخي، 05 يوليو 2026
البصمة الكربونية للمنتج أم تقييم دورة الحياة؟
رغم أن البصمة الكربونية للمنتج (Product Carbon Footprint – PCF) وتقييم دورة الحياة (Life Cycle Assessment – LCA) يعتمدان على تحليل دورة حياة المنتج، فإنهما يختلفان في نطاق التقييم والغرض منه.
فالبصمة الكربونية للمنتج تركز حصراً على تغير المناخ، من خلال قياس إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة والتعبير عنها بوحدة مكافئ ثاني أكسيد الكربون (CO₂e)، ولذلك فهي أداة متخصصة لقياس الأثر الكربوني.
أما تقييم دورة الحياة (LCA)، فهو أكثر شمولاً، إذ يقيّم مجموعة واسعة من التأثيرات البيئية، مثل استهلاك الموارد الطبيعية، واستهلاك المياه، وتلوث الهواء، وتلوث المياه، وتحميض التربة، والسمية البيئية، وغيرها من مؤشرات الأداء البيئي.
وعليه، يمكن اعتبار البصمة الكربونية للمنتج جزءاً متخصصاً من تقييم دورة الحياة، يركز فقط على تأثير المنتج في تغير المناخ، بينما يقدم تقييم دورة الحياة رؤية متكاملة لمختلف الآثار البيئية للمنتج.
البدء في إعداد البصمة الكربونية للمنتج
ليس من الضروري أن تكون خبيراً في محاسبة الكربون أو أن تمتلك بيانات كاملة ودقيقة منذ البداية حتى تتمكن من إعداد البصمة الكربونية لمنتجاتك. فاتباع نهج تدريجي يبدأ بخطوات بسيطة ثم يتطور مع مرور الوقت يُعد ممارسة مقبولة ومعتمدة دولياً.
وفيما يلي منهج عملي مكوّن من ثماني خطوات يساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة على البدء في حساب البصمة الكربونية للمنتجات.
الخطوة الأولى
اختيار منتج واحد كبداية
يفضل أن تبدأ الشركة بحساب البصمة الكربونية لمنتج واحد فقط، على أن تتوافر فيه واحدة أو أكثر من الخصائص التالية:
• أن يكون المنتج بسيطاً من حيث عدد المواد الداخلة في تصنيعه أو العمليات الإنتاجية.
• أن يكون من المنتجات ذات حجم الإنتاج المرتفع.
• أن يمثل منتجاً استراتيجياً بالنسبة للشركة.
• أن يكون من المنتجات ذات الأثر البيئي المرتفع نسبياً.
ويتيح البدء بمنتج واحد اكتساب الخبرة العملية وفهم منهجية الحساب قبل تعميمها على بقية المنتجات.
الخطوة الثانية
تحديد حدود دورة الحياة
بعد اختيار المنتج، يجب تحديد المراحل التي ستشملها دراسة البصمة الكربونية.
وتبدأ معظم الشركات الصغيرة والمتوسطة بمنهج “من المهد إلى البوابة” (Cradle-to-Gate)، والذي يشمل جميع الانبعاثات الناتجة منذ استخراج المواد الخام وحتى خروج المنتج من المصنع.
ويُعد هذا النهج الأنسب في المراحل الأولى لأنه:
• يركز على المراحل التي تستطيع الشركة التأثير فيها مباشرة.
• يبقي نطاق الدراسة ضمن حدود يمكن إدارتها.
• يوفر نتائج دقيقة دون زيادة التعقيد.
الخطوة الثالثة
جمع البيانات الأساسية
لا يتطلب إعداد البصمة الكربونية في البداية تفاصيل معقدة كما هو الحال في دراسات تقييم دورة الحياة الكاملة (LCA)، وإنما يكفي جمع مجموعة من البيانات الأساسية، مثل:
• كميات المواد الخام المستخدمة لإنتاج وحدة محددة من المنتج (مثل متر مربع واحد من البلاط، أو كيلوغرام واحد من المنتج).
• كمية الطاقة المستخدمة أثناء عمليات التصنيع، مثل الكهرباء أو الغاز الطبيعي.
• مسافات النقل ووسائله المستخدمة في نقل المواد الخام أو المنتجات.
ويُفضل استخدام البيانات الأولية كلما كانت متوافرة، بينما يمكن الاستعانة بالفواتير وسجلات الاستهلاك الداخلية وبيانات المرافق العامة لتقدير البيانات غير المتاحة.
الخطوة الرابعة
استكمال البيانات باستخدام مصادر موثوقة
من الطبيعي ألا يتمكن جميع الموردين من توفير بيانات تفصيلية عن انبعاثاتهم.
وفي هذه الحالة يمكن الاستعانة ببيانات ثانوية موثوقة، مثل:
• قواعد البيانات الدولية.
• متوسطات القطاعات الصناعية.
• قواعد بيانات معاملات الانبعاث المعتمدة مثل Ecoinvent.
ويُعد ذلك ممارسة مقبولة عالمياً، ويسمح للشركات بالبدء في إعداد البصمة الكربونية دون تأخير.
الخطوة الخامسة
استخدام أداة مناسبة لإجراء الحسابات
يوصى باستخدام إحدى أدوات حساب البصمة الكربونية المصممة للشركات الصغيرة والمتوسطة، حيث تقوم هذه الأدوات بدمج بيانات الأنشطة مع معاملات الانبعاث المناسبة، وتساعد في تنظيم الحسابات وتوثيقها وتحديثها.
وفي حال عدم توافر مثل هذه الأدوات، يمكن البدء باستخدام جداول إلكترونية (Excel) مصممة لهذا الغرض.
وقد بدأت العديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة بهذه الطريقة قبل الانتقال لاحقاً إلى أنظمة متخصصة مع توسع احتياجاتها.
ومع ذلك، ينبغي الانتباه إلى أن جداول البيانات تصبح أكثر تعقيداً وصعوبة في الإدارة كلما زاد عدد المنتجات أو العمليات، لذلك يُوصى بالانتقال إلى حلول رقمية متخصصة في أقرب فرصة ممكنة.
الخطوة السادسة
تحليل النتائج وتحديد بؤر الانبعاثات
بعد الانتهاء من الحسابات، ينبغي تحليل النتائج لتحديد الأنشطة أو المواد التي تسهم بالنصيب الأكبر من الانبعاثات.
وتشمل أكثر مصادر الانبعاث شيوعاً في الشركات الصغيرة والمتوسطة:
• المواد الخام، ولا سيما المعادن والبلاستيك والمواد الكيميائية.
• الطاقة الكهربائية المشتراة.
• الوقود المستخدم داخل المنشأة.
ويُعد تحديد هذه المصادر الخطوة الأساسية لتوجيه جهود التحسين وخفض الانبعاثات بصورة أكثر كفاءة.
الخطوة السابعة
تحديد فرص خفض الانبعاثات
بعد تحديد مصادر الانبعاثات الرئيسة، يمكن للشركة البدء في وضع إجراءات عملية لخفضها، ومن أبرزها:
• استخدام مواد خام ذات بصمة كربونية أقل.
• تقليل الفاقد أثناء عمليات الإنتاج.
• تحسين كفاءة استخدام الطاقة.
• الاعتماد على الكهرباء المولدة من مصادر متجددة.
• التعاون مع الموردين لتحسين جودة البيانات وتقليل الانبعاثات عبر سلسلة التوريد.
ولا يشترط إعداد استراتيجية شاملة لإزالة الكربون منذ البداية، بل يُفضل البدء بإجراءات بسيطة وسريعة التنفيذ تحقق نتائج ملموسة، ثم التوسع تدريجياً في برامج خفض الانبعاثات.
الخطوة الثامنة
وضع خطة للتوسع والتطوير
بعد الانتهاء من احتساب البصمة الكربونية لأول منتج، ينبغي التفكير في الخطوات التالية، مثل:
• توسيع نطاق الدراسة ليشمل منتجات إضافية.
• تحسين جودة البيانات الأولية.
• تعزيز التعاون مع الموردين للحصول على بيانات أكثر دقة.
• اعتماد أدوات وبرامج أكثر تقدماً لحساب البصمة الكربونية.
• المواءمة تدريجياً مع متطلبات ومنهجية PACT بصورة كاملة.
ويمثل هذا النهج التصاعدي أفضل الممارسات العالمية، إذ يسمح للشركات بتطوير منظومة محاسبة الكربون بشكل مستدام ومتوافق مع نمو أعمالها.
التحسين المستمر
إن إعداد البصمة الكربونية للمنتج لا يُعد نشاطاً يُنفذ لمرة واحدة، بل يمثل عملية مستمرة تهدف إلى تحسين جودة البيانات، ورفع دقة الحسابات، وتعزيز القدرة على اتخاذ قرارات قائمة على الأدلة.
ولذلك، ينبغي على الشركات مراجعة نتائجها بصورة دورية، وتحديث بياناتها كلما توافرت معلومات أكثر دقة، أو تغيرت العمليات الإنتاجية، أو أُدخلت مواد خام جديدة، أو تحسنت بيانات الموردين.
كما يُوصى بإعادة احتساب البصمة الكربونية عند حدوث تغييرات جوهرية في تصميم المنتج، أو تقنيات التصنيع، أو مصادر الطاقة، أو سلسلة التوريد، لضمان أن تعكس النتائج الواقع التشغيلي الحالي.
بناء منظومة متكاملة لإدارة الكربون
مع تطور قدرات الشركة في مجال محاسبة الكربون، يمكن الانتقال تدريجياً من مجرد احتساب البصمة الكربونية إلى إنشاء نظام مؤسسي متكامل لإدارة الانبعاثات، يشمل:
• تحسين جودة البيانات الأولية.
• توسيع نطاق تقييم المنتجات.
• دمج الموردين ضمن منظومة تبادل بيانات الكربون.
• استخدام أدوات رقمية متخصصة في محاسبة الكربون.
• تطوير أهداف كمية لخفض الانبعاثات ومتابعة تنفيذها.
• ربط نتائج البصمة الكربونية ببرامج الاستدامة والابتكار وتحسين الكفاءة التشغيلية.
ويؤدي هذا النهج إلى تحويل محاسبة الكربون من نشاط رقابي إلى أداة استراتيجية تدعم اتخاذ القرار وتعزز القدرة التنافسية للمؤسسة.
البصمة الكربونية بوصفها أداة لتحسين الأداء
لا تقتصر أهمية البصمة الكربونية على تلبية متطلبات الإفصاح أو الامتثال التنظيمي، بل توفر للشركات فهماً أعمق لكيفية استهلاك الموارد ومصادر الانبعاثات عبر دورة حياة المنتج.
ويساعد هذا الفهم على:
• تحسين كفاءة استخدام الطاقة والمواد الخام.
• تقليل الهدر والفاقد في العمليات الإنتاجية.
• تطوير منتجات أقل أثراً على المناخ.
• تعزيز القدرة على المنافسة في الأسواق التي تشترط الإفصاح عن البصمة الكربونية.
• الاستجابة لمتطلبات العملاء والمستثمرين المتعلقة بالاستدامة.
ومن ثم، تصبح البصمة الكربونية أداة للإدارة والتحسين المستمر، وليست مجرد مؤشر بيئي.
الموارد الإرشادية
يوصي الدليل بالرجوع إلى مجموعة من المراجع والمبادرات الدولية التي تدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة في تطوير أنظمة محاسبة الكربون، ومن أبرزها:
• PACT (Partnership for Carbon Transparency)، التي توفر منهجيات وأدوات لتبادل بيانات البصمة الكربونية للمنتجات عبر سلاسل القيمة.
• SME Climate Hub، التي تقدم إرشادات عملية لمساعدة الشركات الصغيرة والمتوسطة على قياس الانبعاثات، ووضع أهداف لخفضها، وتعزيز العمل المناخي.
• GHG Protocol، الذي يُعد المرجع العالمي الأكثر اعتماداً لمحاسبة انبعاثات غازات الدفيئة.
• المواصفات الدولية ذات الصلة، ولا سيما ISO 14064 الخاصة بمحاسبة غازات الدفيئة، وISO 14067 الخاصة بالبصمة الكربونية للمنتجات.
الخلاصة
يمثل احتساب البصمة الكربونية للمنتج الخطوة الأولى نحو بناء منتجات أكثر استدامة، وسلاسل توريد أكثر شفافية، ومؤسسات أكثر قدرة على المنافسة في الاقتصاد منخفض الكربون.
ويؤكد هذا الدليل أن البدء بمنهجية بسيطة، والاعتماد على أفضل البيانات المتاحة، ثم تحسينها تدريجياً، يُعد أفضل نهج للشركات الصغيرة والمتوسطة للدخول في مجال محاسبة الكربون.
فكل خطوة في قياس الانبعاثات تمثل خطوة نحو فهم أفضل للأثر البيئي، وكل تحسين في جودة البيانات يسهم في تعزيز دقة القرارات، وكل خفض في الانبعاثات يقرّب المؤسسات من تحقيق أهداف الاستدامة والعمل المناخي.
وفي ظل التحول العالمي نحو الإفصاح المناخي والحياد الكربوني، لم تعد محاسبة الكربون خياراً اختيارياً، بل أصبحت جزءاً أساسياً من الإدارة الحديثة، وأحد أهم الأدوات التي تمكّن المؤسسات من تحقيق النمو الاقتصادي مع الحفاظ على البيئة ودعم أهداف التنمية المستدامة.
(*) المهندس عماد سعد:
استشاري أول في إدارة المشاريع البيئية والاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي. خبير دولي ومحاضر معتمد في التنمية المستدامة، والمسؤولية المجتمعية، والإعلام البيئي. رئيس شبكة بيئة أبوظبي | مدير عام شركة نايا للاستشارات بالإمارات. (00971506979645)abudhabienv@gmail.com

بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز