شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية المتحدة، 15 مايو 2026
وُزِّعت أمس جوائز خليفة التربوية في دورتها التاسعة عشرة، وللمفارقة الجميلة، أو ربما من حسن الوفاء الذي تحمله الأمانة العامة للجائزة لمؤسسها، أن جاء حفل التكريم متزامنًا مع ذكرى وفاة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان – رحمه الله – في الثالث عشر من مايو 2022.
كنت حاضرًا المشهد يوم أمس، مستحضرًا البيت القديم:
قد مات قومٌ وما ماتت فضائلهم وعاش قومٌ وهم في الناس أمواتُ
وفي كل مرة أتأمل هذا المعنى، وأربطه بحياة اللغات أو موتها، أجد أن اللغة من أكثر الأشياء قدرة على مقاومة الغياب. فالكلمة التي تُزرع في التعليم تبقى، والكتاب الذي يُفتح لطفل يبقى، والمعلم الذي تُكرَّم رسالته يبقى، فالخط يبقى زمانًا بعد كاتبهِ، وكاتبُ الخطِّ تحتَ الأرضِ مدفونُ.
لهذا بدا الاحتفال، في شعوري، أقرب إلى احتفال بحياة اللغة العربية نفسها. فالشيخ خليفة، رحمه الله، جعل التعليم مشروع بناء طويل المدى، وكانت اللغة العربية حاضرة في هذا المشروع حضورًا واضحًا؛ من خلال الجوائز المخصصة لمعلمي العربية تحديدا دون سواهم، والأبحاث التربوية فيها، والتأليف التربوي المرتبط بها. وهذا التحيّز للغة العربية لا تنكره الجائزة وإنما تفتخر به، ولطالما أعلنت إدارة الجائزة أن دعم اللغة العربية إحياءٌ لأمة كاملة، وإن الاستثمار في الكلمة استثمار في الإنسان ذاته.
لقد كتبتُ كثيرًا عن البيئة اللغوية، والاستدامة اللغوية، والاستثمار في اللغة، وأدرك اليوم أن الجوائز العلمية والتربوية واحدة من أهم أدوات حماية هذه البيئة. فكما تحتاج الأرض إلى من يغرس فيها الشجر، تحتاج اللغة إلى من يغرس فيها المعلمين والباحثين والكتّاب وصناع الأثر.
بعض الناس يرحلون بأجسادهم، وتبقى أعمالهم تتحرك في حياة الناس كأنها لم تغادر. وربما لهذا تبقى اللغة حيّة؛ لأنها تحفظ أثر أصحاب الفضل، وتمنحهم قدرة نادرة على البقاء في الذاكرة، وفي التعليم، وفي وجدان الأجيال.
رحمك الله يا خليفة بن زايد.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز