شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية المتحدة، 04 يونيو 2026
في الخامس من يونيو يحتفل العالم بالبيئة، وفي الحادي والعشرين من فبراير يحتفل باللغة الأم. وقد يبدو أن المناسبتين تنتميان إلى عالمين مختلفين؛ فهذه تتحدث عن الأشجار والأنهار والهواء، وتلك تتحدث عن الكلمات والأصوات واللغات. لكن شيئًا ما في الاسمين ظل يستوقفني كلما اقتربت إحدى المناسبتين.
فالاحتفاء هنا باللغة الأم. والأم ليست أول من يعلمنا الكلمات فقط، بل أول بيئة نعيش داخلها. منها نتلقى أسماء الأشياء، وبها نفهم العالم لأول مرة، ومن خلالها نتعرف إلى أنفسنا والآخرين. وحين نتأمل البيئة نجد أنها تؤدي وظيفة قريبة؛ فهي الحاضن الأكبر للحياة كلها. وإذا كانت الأرض تمنح الإنسان مكانًا يعيش فيه، فإن اللغة الأم تمنحه معنى يعيش به.
ولعل هذا ما يجعل الرابط بين المناسبتين أعمق مما يبدو في الظاهر. فكلتاهما تتعلقان بفكرة الاحتضان؛ احتضان الأرض للكائنات، واحتضان اللغة للهوية والذاكرة والخبرة الإنسانية.
وثمة زاوية أخرى تستحق التأمل. فاليوم العالمي للغة الأم لم يولد من احتفاء لغوي مجرد، بل ارتبط بقصة شعب دافع عن لغته ورأى فيها جزءًا من وجوده وهويته. كما أن اليوم العالمي للبيئة لم ينشأ لمجرد الإعجاب بالطبيعة، بل جاء نتيجة إدراك عالمي بأن بعض الموارد الأساسية للحياة تحتاج إلى حماية ووعي ورعاية مستمرة. وفي الحالتين كان الدرس واحدًا: الأشياء الأكثر أهمية ليست بالضرورة الأشياء الأكثر حضورًا في وعينا اليومي، والإحساس بالخطر يدفع للتحرك.
لكن أكثر ما يعجبني في المناسبتين أنهما لا تدعوان إلى التشابه، بل إلى احترام التنوع. في دولة الإمارات قد نختار الغافة أو النخلة رمزًا للبيئة الوطنية. وفي بلاد أخرى قد يختار الناس السنديان أو القيقب أو الزيتون أو غيرها من الأشجار التي تشكل جزءًا من ذاكرتهم ومشهدهم الطبيعي. ولا يرى أحد في ذلك تنافسًا بين الأشجار أو صراعًا بينها، بل يراه صورة من صور التنوع التي تجعل العالم أكثر ثراءً.
والأمر نفسه يصدق على اللغات. فحين نحتفل بالعربية لا يعني ذلك انتقاصًا من الفرنسية، أو الصينية، أو الإسبانية، أو غيرها من لغات البشر. إنما هو احتفاء بلون من ألوان التجربة الإنسانية، كما يحتفي الآخرون بألوانهم الخاصة. وكما أن العالم لا يحتاج إلى شجرة واحدة، فإنه لا يحتاج إلى لغة واحدة. فالتنوع ليس استثناءً في الطبيعة ولا في الثقافة، بل هو أحد أسرار بقائهما وجمالهما.
ولعل هذه الفكرة تزداد وضوحًا حين ننظر إلى ما يحدث في عالم البيئة. فالعلماء يقلقون حين يختفي نوع نباتي أو حيواني؛ لأن العالم يصبح أفقر بفقده. والمهتمون باللغات يشعرون بالقلق نفسه حين تندثر لغة أو تضعف أو تفقد حضورها؛ لأن الإنسانية تفقد معها طريقة خاصة في رؤية العالم وفهمه والتعبير عنه.
ولهذا فإن الدفاع عن اللغة الأم لا يختلف كثيرًا عن حماية البيئة. ففي الحالتين نحن لا نحافظ على شيء جامد، بل نحافظ على تنوع حي يمنح العالم جماله وتوازنه.
وحين خصص العالم يومًا للبيئة لم يكن يقصد أن نتذكرها يومًا وننساها بقية الأيام، وإنما أن نتذكر في ذلك اليوم ما يجب ألا ننساه طوال العام. وربما ينطبق الأمر نفسه على اللغة الأم؛ فهي ليست مناسبة نحتفل بها في يوم محدد، بل البيت اللغوي الذي نحمله معنا كل يوم.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز