فصول من كتاب «الوطنيّة والمُواطَنة، الإمارات نموذجاً» (07 – 30)

 

المُواطَنة تاريخيًّا عند الشعوب والحضارات
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم د. حسن بحمد، العين، الإمارات العربية المتحدة، 07 أغسطس 2026
على الرّغم من أنّ مبدأ المُواطَنة كان معهودًا لدى العديد من الحضارات الإنسانية القديمة، لكنّ صيغتها المعاصرة قد خرجت عن النطاق التقليدي إلى حقّ ثابت في الحياة السياسية والاجتماعية بين الدول ومواطنيها، وذلك نتيجة التحولات التي شهدها العالم عبر التاريخ، والتي اقترنت بولادة مفهوم الدولة الحديثة؛ فلم تعُد المُواطَنة نموذجًا مثاليًّا ثابتًا يُحتذى به إلى الأبد، وإنّما باتت تاريخًا، ولم يعُد مُواطن سنوات ما قبل الميلاد، أو مُواطن العام 1789 (تاريخ الثورة الفرنسيّة)، أو غيره في مرحلة تاريخيّة ما، هو ذاته مُواطن القرن العشرين أو الواحد والعشرين.

لقد فرضت الحداثة السياسية التي نشأت تدريجيًّا في الغرب، نفسها إبان الثورات التي اندلعت في القرنين السابع عشر والثامن عشر في كل من إنكلترا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية، وأنتجت مفهومًا حديثًا للمُواطنة مختلفًا عن ذلك الذي عرفته العصور القديمة(1)، فظهرت فكرة الأمّة ذات السيادة، وفكرة وجود حقوق أساسية للفرد العضو في هذه الأمّة كإنسان مواطن، ينالها مقابل الواجبات التي تقع على عاتقه. وبرز هذا المفهوم للمُواطَنة في إعلان استقلال الولايات المتحدة الأميركية في العام 1776، وبعدها في إعلان حقوق الإنسان والمواطن الصادر عن القوى التي قادت الثورة الفرنسية في بدايتها عام 1789. وتُعتبر هاتان الوثيقتان حتى يومنا هذا، نقطة تحوّل مهمّة في تاريخ مفهوم المُواطَنة (2).

لكنّ ما وصل إليه العالم في القرن الثامن عشر، لم ينفصل عمّا أسّسته الحضارة الإغريقيّة، وبعدها الرومانية، من مبادىء حول مفهوم المُواطَنة، ولو كانت منتقَصة، والتي جاءت بدورها كنتيجة حتميّة لحركة نضال التاريخ الإنساني والاجتماعي من أجل العدل والمساواة والإنصاف، وبدأت مع الشعوب القديمة جدًّا؛ منذ قيام الحكومات الزراعية في وادي الرافدين، مرورًا بحضارات السومريّين والأشوريّين والبابليّين والفينيقيين والكنعانيين والفرس والصين والهند، والتي ساهمت في فتح آفاق رحبة لسعي الإنسان إلى إثبات ذاته وتحديد خياراته، ومنها حقّ المشاركة في صون بقائه وحياته من مختلف الجوانب (3).

تُعتبر دولة الإغريق الأُولى تاريخيًّا في التوصّل إلى أساس متين لمفهوم معاصر للمُواطَنة، الذي تحدّد لاحقًا بوضوح ودقّة وشمول في القرنين السابع عشر والثامن عشر. لقد كان الإغريقي يؤمن قبل كل شيء بأنّه مواطن، وكانت المدينة (الدولة) هي محور حياته برمّتها، فقدّمت “أثينا” للعالم في القرن الخامس قبل الميلاد، مثلاً للمدينة التي يتمتّع فيها المواطنون بالحريّة، بمعنى أنّه لا يُمكن أن يكون أحد منهم عبدًا مهما كانت الأسباب، وبالمساواة، بمعنى أنّ لهم جميعًا الحقوق ذاتها سواء كانوا فقراء أو أغنياء.

لكنّ مبدأ المساواة الكاملة لم يُقَرّ لجميع مواطني الدولة، فبقي البرابرة عبيدًا، وهذا ما ظهر في كتاب “السياسة” لأرسطو، حيث اعتبر أنّ الفطرة هي التي أرادت أن يكون البرابرة عبيدًا لليونان، وأنّ الآلهة قد خلقت نوعين من البشر: نوعًا رفيع المقام زوّدته بالإرادة والعقل، وهم اليونانيون بطبيعة الحال، والنوع الآخر لم تزوّده إلاّ بالقوّة الجسمانية فقط، وهم غير اليونانيّين(4). كذلك، اعتُبر الذكور في “أثينا” مواطنين فقط، وتمّ استثناء النساء والأطفال والعبيد من حق المُواطَنة، ولم يطبَّق ذلك في باقي أرجاء الأمبراطورية اليونانية، فجاء منح صفة المواطن على أساس شخصي، لا الانتماء الجغرافي. لكن، وبعد العام 212 م، وسّعت الأمبراطورية الرومانية حقّ المُواطَنة ليشمل جميع أقاليمها بموجب مرسوم إمبراطوري، إنّما هذا الحق بقي منقوصًا، وانحصر بالذّكور فقط (ما عدا العبيد) (5).

مع بروز الثورات في الغرب في القرنين السابع عشر والثامن عشر، حدث تطوّر لافت في مفهوم المُواطَنة، أثّر فيما بعد على شعوب ودول متعدّدة، فزوّدت أفكار الثورة الفرنسية (1789 – 1799) بعد عقود قليلة، الحركات اليسارية العمّالية ببرامج جديدة طوّرت خطواتها الصاعدة، واستفادت منها الثورة الاشتراكية في روسيا (1917)، ولكنّ ذلك أدّى أيضًا إلى انقسام العالم حول خيار التطوّر الاجتماعي، فظهر معسكرا الاشتراكية والرأسمالية، ثمّ نشأت حالة من التوازنات الدولية تجسّدت في ظهور الأمم المتّحدة، وإقرار الوثيقة العالمية لحقوق الإنسان في جمعيّتها العمومية عام 1948، ما ثبّت مفهوم المُواطَنة وسيادة الدول. ومع انهيار المعسكر الاشتراكي وما تبعه من تطوّرات سياسية واقتصادية واجتماعية، برزت مفاهيم إضافية للمُواطَنة انطلاقًا من مفهوم العولمة الذي يغزو حاليًّا العالم بأجمعه (6).

في خضم هذا العرض، لا بُدّ من التوقّف عند تاريخ مفهوم المُواطَنة عند العرب، حيث لم يتضمّن أوّل دستور عربي صادر في تونس عام 1861، كلمة “وطن” أو “مُواطَنة”، واستُخدمت كلمات مثل “تونسي”، “أهل المملكة”، “رعيّة”، و”سكّان”. بعد ذلك، جاء الدستور العثماني في العام 1876، ولم يستخدم بدوره لا كلمة مواطن ولا مُواطَنة، إنّما “الشعبة العثمانية” نسبة إلى “عثمانيون”.

لكنّ مفهوم المُواطَنة تطوّر أكثر في مصر التي انفصلت انفصالاً شبه تامّ عن الإمبراطورية العثمانية في عهد محمد علي باشا (1805 – 1849)؛ ففي هذا الإطار تمّ تحديد مصر ككيان تاريخي قائم بذاته، بدءًا من الأُسر الفرعونية المالكة وصولاً إلى الأُسر الخديوية، وليس كجزء من انتماء أشمل كالعربي أو الإسلامي، واعتُبرت العروبة والإسلام جزءًا من تاريخ مصر، فرسّخ هذا التصوّر مفهوم المُواطَنة، لأنّه منحها أحد ركنيها وهو تحديد الفضاء الجغرافي (7). وقد تواصل تطوّر هذا المفهوم مع نشأة الدول ما بعد الاستعمارية، فحلّت فيها كلمة “مواطن” مكان “رعيّة”، وأخذت المُواطنة حقّها في ملازمة هذا المواطن حقوقًا وواجبات.

المراجع:
(1): ياسر غريب، المُواطَنة: تاريخ المصطلح وهموم الممارسات، الموقع الإلكتروني “العربي الجديد”، 11/7/2016.
(2): تاريخ المواطنة، L’avenir a portee de clic
(3): الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية والاستراتيجية، قسم مدخل علم السياسة والفكر السياسي، ملف شامل عن المواطنة، 7/3/2017.
(4): محمد حلمي عبد الوهاب، المُواطَنة وتحوّلاتها في سياق تاريخي، جريدة الشرق الأوسط، العدد 12110، 24/1/2012.
(5): تاريخ المواطنة، L’avenir a portee de clic
(6): الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية والاستراتيجية، قسم مدخل علم السياسة والفكر السياسي، ملف شامل عن المواطنة، 7/3/2017.
(7): د. محمد الحداد، الدين والدولة والمواطنة في الزمن الجديد، ندوة تطوّر العلوم الفقهية (فقه رؤية العالم والعيش فيه، المذاهب الفقهية والتجارب المعاصرة)، عُمان، 2013.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

فصول من كتاب «الوطنيّة والمُواطَنة، الإمارات نموذجاً» (03 – 30)

الوطنيّة والتاريخ.. شبكة بيئة أبوظبي، بقلم د. حسن بحمد، العين، الإمارات العربية المتحدة، 03 أغسطس …

اترك تعليقاً