في إطار متكامل يعتمد على نظم المعلومات الجغرافية والذكاء الاصطناعي لتخطيط والإدارة
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتورة باسنت عاشور، خبير الهيئة العامة للتخطيط العمراني، مؤسسة مهندسون من أجل مصر المستدامة، 04 أغسطس 2026
لم تعد المدن تُدار بالحدس، ولا تُخطط بالخرائط الورقية وحدها. لقد دخل العالم مرحلة جديدة، أصبحت فيها المدن تمتلك نسخة رقمية تحاكي الواقع، وتراقب تفاصيله لحظة بلحظة، وتستشرف ما قد يحدث قبل وقوعه. إنها مرحلة التوأم الرقمي، أحد أبرز التحولات التقنية في القرن الحادي والعشرين.
ليست الفكرة مجرد برنامج حاسوبي، بل عقل رقمي متكامل يجمع بين نظم المعلومات الجغرافية والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والبيانات الضخمة، ليصنع نموذجًا افتراضيًا يعكس المدينة كما هي، ويتوقع ما ستكون عليه غدًا.
وفي مدينة مثل الإسكندرية، تتجاوز أهمية هذه التقنية حدود التطور التكنولوجي. فالإسكندرية تواجه تحديات متشابكة: امتداد عمراني متسارع، وضغوط على البنية التحتية، وازدحام مروري، ومخاطر تغير المناخ وارتفاع مستوى سطح البحر. وهي تحديات لم تعد تستجيب للحلول التقليدية، بل تحتاج إلى إدارة ذكية تستند إلى البيانات لا إلى التقديرات.
هنا تتجلى قيمة التوأم الرقمي. فهو يسمح للمخطط بأن يرى أثر المشروع قبل تنفيذه، ويمنح صانع القرار فرصة لاختبار البدائل، ويحول البيانات المتناثرة إلى رؤية متكاملة. ومن خلال دمج الخرائط الرقمية مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، يصبح بالإمكان توقع مناطق الاختناق المروري، وتحليل استهلاك الطاقة، ورصد المناطق الأكثر عرضة للغمر، بما يعزز كفاءة التخطيط ويرفع قدرة المدينة على التكيف مع المستقبل.
إن الاستثمار في التوأم الرقمي ليس ترفًا تقنيًا، بل ضرورة تنموية. فالمدن التي تتبنى هذا النهج اليوم ستكون أكثر قدرة على إدارة مواردها، وأكثر مرونة في مواجهة الأزمات، وأسرع في اتخاذ القرار. أما المدن التي تؤجل هذا التحول، فقد تجد نفسها تلاحق المستقبل بدلًا من أن تصنعه.
إن بناء مدينة ذكية لا يبدأ بالأبراج المرتفعة أو الطرق الواسعة، بل يبدأ بامتلاك المعرفة الدقيقة، وتحويل البيانات إلى قرارات. ومن هنا، فإن تبني التوأم الرقمي في الإسكندرية يمكن أن يشكل خطوة استراتيجية نحو مدينة أكثر كفاءة واستدامة، وأكثر استعدادًا لمتطلبات العقود القادمة.
فالمدن، في نهاية المطاف، لا تُقاس بما تملكه من مبانٍ، بل بما تمتلكه من قدرة على فهم حاضرها، والاستعداد لمستقبلها. والتوأم الرقمي هو إحدى أهم الأدوات التي تمنح المدن هذه القدرة.
ولعل السؤال الأهم ليس: هل تستطيع المدن العربية امتلاك هذه التقنية؟ بل: هل تستطيع الاستمرار من دونها؟
فالتحولات التي يشهدها العالم لم تعد تسمح بإدارة المدن بعقلية الأمس. فكل دقيقة تُنتج آلاف البيانات عن حركة المركبات، واستهلاك الطاقة، وجودة الهواء، وأنماط التوسع العمراني. وإذا لم تتحول هذه البيانات إلى معرفة، فإنها تبقى مجرد أرقام صامتة، لا تضيف قيمة ولا تصنع قرارًا.
لقد أدركت مدن عديدة حول العالم هذه الحقيقة مبكرًا. فلم تعد الخريطة مجرد وسيلة لتحديد المواقع، بل أصبحت منصة لاتخاذ القرار. ولم يعد الذكاء الاصطناعي رفاهية تقنية، بل شريكًا في التخطيط الحضري، يتعلم من الماضي، ويقرأ الحاضر، ويتوقع المستقبل.
أما الإسكندرية، فهي مدينة تحمل خصوصية استثنائية. فهي العاصمة الثانية لمصر، وبوابة البحر المتوسط، ومدينة تجمع بين التاريخ العريق والتحديات المتجددة. وفي الوقت نفسه، تعد من أكثر المدن الساحلية تأثرًا بتغير المناخ، وارتفاع مستوى سطح البحر، والضغوط السكانية، والتوسع العمراني.
لهذا، فإن تطبيق التوأم الرقمي في الإسكندرية لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروعًا تقنيًا منفصلًا، بل باعتباره مشروعًا وطنيًا لإدارة المدينة بصورة أكثر كفاءة واستدامة.
تخيل أن يمتلك المسؤول لوحة رقمية تعرض حركة المرور لحظة بلحظة، وتحدد المناطق المتوقع أن تشهد ازدحامًا خلال الساعة المقبلة. أو أن يستطيع المخطط العمراني اختبار تأثير إنشاء محور مروري جديد قبل وضع حجر الأساس. أو أن تتمكن الجهات التنفيذية من رصد شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي بصورة لحظية، واكتشاف الأعطال قبل أن يشعر بها المواطن.
هذه ليست أفكارًا من الخيال العلمي، بل تطبيقات أصبحت واقعًا في مدن كثيرة، وأثبتت أن الاستثمار في التكنولوجيا هو استثمار في جودة الحياة.
غير أن نجاح هذا التحول لا يرتبط بالتقنيات وحدها. فالبيانات الدقيقة هي الوقود الحقيقي للتوأم الرقمي، والتنسيق بين المؤسسات هو الضمان لاستمراريته، والكفاءات البشرية هي العنصر الذي يمنحه القدرة على التطور. ومن دون هذه المقومات، قد تتحول المنصات الرقمية إلى أدوات باهظة الثمن محدودة التأثير.
كما أن بناء التوأم الرقمي يتطلب تحديثًا مستمرًا لقواعد البيانات، وربط الجهات المختلفة ضمن منظومة واحدة، ووضع معايير واضحة لتبادل المعلومات وحمايتها. فالتكنولوجيا، مهما بلغت درجة تطورها، لا يمكن أن تعوض غياب الحوكمة الرشيدة.
ومن هنا، تبدو الجامعات ومراكز البحث العلمي شريكًا أساسيًا في هذا المشروع. فهي القادرة على تطوير النماذج التحليلية، وإعداد الكوادر، وإجراء الدراسات التطبيقية التي تربط المعرفة الأكاديمية باحتياجات المدينة. كما أن القطاع الخاص يمتلك خبرات وتقنيات يمكن أن تسهم في تسريع التحول الرقمي، إذا ما توفرت بيئة تشجع الشراكة والابتكار.
وفي النهاية، فإن المدن التي ستقود المستقبل ليست بالضرورة الأكبر مساحة أو الأكثر سكانًا، وإنما تلك التي تحسن توظيف المعرفة والبيانات في خدمة الإنسان. فالتكنولوجيا ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لبناء مدن أكثر كفاءة وعدالة واستدامة.
ويبقى التوأم الرقمي خطوة مهمة في هذا المسار. فهو لا يغير شكل المدينة فحسب، بل يغير طريقة التفكير فيها وإدارتها. وعندما تصبح المدينة قادرة على قراءة واقعها، واستشراف مستقبلها، واتخاذ قراراتها استنادًا إلى بيانات دقيقة، فإنها تقترب أكثر من تحقيق التنمية المستدامة، وتصبح أكثر استعدادًا لمواجهة تحديات العقود المقبلة.
إن مستقبل المدن لن تحدده الخرسانة وحدها، بل ستحدده المعرفة، والقدرة على تحويل البيانات إلى قرارات، والقرارات إلى تنمية يشعر بها المواطن في حياته اليومية. وهنا يكمن المعنى الحقيقي للتوأم الرقمي: ليس نسخة افتراضية من المدينة، بل رؤية جديدة لإدارتها وصناعة مستقبلها.
المراجع:
1. لمنتدى الاقتصادي العالمي (2023). التوائم الرقمية للمدن: رؤى وتوصيات لبناء الكفاءات الحضرية. جنيف: المنتدى الاقتصادي العالمي. مسترجع من World Economic Forum.
2. مؤسسة إسري (2024). دليل نظم المعلومات الجغرافية والتوأم الرقمي لإدارة البنية التحتية. كاليفورنيا: Esri Press. مسترجع من Esri Digital Twin Overview.
3. • باتي، م. (2022). التوائم الرقمية في التخطيط الحضري: من النمذجة الرياضية إلى المحاكاة الآنية. لندن: مركز التحليل المتقدم للمدن (CASA)، جامعة كوليدج لندن. ورقة عمل رقم 237. مسترجع من UCL Working Papers.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز