شبكة بیئة أبوظبي، بقلم: د. م. إیمان أحمد جوھر (*)، مؤسسة مھندسون من أجل مصر المستدامة 23 أغسطس 2026
في البدایة قد یبدو الأمر وكأنه مجرد تغیر في درجة حرارة میاه المحیط الھادئ، یحدث على بُعد آلاف الكیلومترات من منطقتنا. لكن المحیطات لا تعمل بمعزل عن الغلاف الجوي، وما یحدث في المحیط الھادئ الاستوائي یمكن أن یعید تشكیل أنماط الأمطار والحرارة والریاح في مناطق مختلفة من العالم.
إنھا ظاھرة النینو (El Niño)، أحد أطوار منظومة التذبذب الجنوبي للنینو ENSO، وھي ظاھرة مناخیة طبیعیة تتكرر عادة كل عامین إلى سبعة أعوام، وتستمر في المتوسط بین تسعة واثني عشر شھرًا. لكن النینو في عام 2026 تستحق اھتمامًا خاصًا؛ لأن العالم یواجھھا في ظل مناخ أكثر دفئًا، وضغوط متزایدة على الموارد المائیة، وأسواق غذاء أكثر حساسیة للصدمات المناخیة والاقتصادیة. وقد أعلنت الإدارة الوطنیة للمحیطات والغلاف الجوي الأمریكیة (NOAA) في یولیو 2026 أن حالة النینو مستمرة ومتوقع أن تزداد قوة حتى نھایة العام، مع احتمال كبیر لاستمرارھا حتى أوائل ربیع 2027.
ما ھي النینو؟
تحدث النینو عندما ترتفع درجات حرارة سطح المیاه في الأجزاء الوسطى والشرقیة من المحیط الھادئ الاستوائي بصورة غیر معتادة، بالتزامن مع تغیرات في الریاح والدورة الجویة.
وقد یبدو ارتفاع حرارة منطقة محدودة من المحیط أمرًا بعیدًا عن الحیاة الیومیة، لكنھ في الحقیقة یستطیع التأثیر في توزیع الحرارة والرطوبة والضغط الجوي، وبالتالي تغییر احتمالات الجفاف والأمطار الغزیرة وموجات الحرارة في مناطق مختلفة من العالم. والأھم أن النینو لا تعني أن العالم كله سیصبح أكثر جفافًا أو أكثر حرارة؛ فالتأثیر یختلف من منطقة إلى أخرى ومن موسم إلى آخر. وھنا تكمن خطورتھا: إنھا لا تضیف بالضرورة خطرًا واحدًا، وإنما تعید توزیع المخاطر المناخیة.
من المحیط إلى الحقل.. عندما تصبح النینو قضیة زراعیة
ربما یكون القطاع الزراعي من أكثر القطاعات حساسیة لتقلبات النینو. فالمحاصیل تحتاج إلى مزیج دقیق من الحرارة والمیاه وتوقیت الأمطار. وعندما یتغیر ھذا التوازن، قد تتأثر مواعید الزراعة والإنبات والنمو والحصاد.
في بعض المناطق، قد تؤدي النینو إلى الجفاف وانخفاض معدلات الأمطار، بما ینعكس على إنتاج الحبوب والمحاصیل، بینما یمكن أن تتعرض مناطق أخرى لأمطار شدیدة أو فیضانات تؤدي إلى تلف المحاصیل وتعریة التربة وتعطیل عملیات الحصاد والنقل.
وتؤكد منظمة الأغذیة والزراعة للأمم المتحدة (FAO) أن مخاطر النینو على الأمن الغذائي ترتبط بصورة مباشرة باضطراب أنماط الأمطار ودرجات الحرارة، وأن المزارعین والرعاة والصیادین وصغار المنتجین غالبًا ما یتحملون التأثیر المباشر للصدمات المناخیة.
ولذلك بدأت المؤسسات الدولیة في استخدام بیانات الأقمار الصناعیة والنماذج المناخیة لتحدید المناطق الزراعیة الأكثر عرضة للجفاف المرتبط بالنینو، بما یسمح بالانتقال من الاستجابة بعد وقوع الضرر إلى الاستعداد قبل حدوثه. وقد استخدمت FAO بالفعل 41 عامًا من بیانات الأقمار الصناعیة لرسم خرائط لمناطق المحاصیل والمراعي الأكثر تعرضًا لمخاطر الجفاف المرتبط بالنینو.
من المحصول إلى رغیف الخبز
قد یتوقف القارئ عند السؤال: ما علاقة ظاھرة تحدث في المحیط الھادئ بأسعار الغذاء في الأسواق؟
الإجابة تكمن في سلسلة مترابطة: تغیر المناخ → تغیر الأمطار والحرارة → تغیر إنتاج المحاصیل → تغیر المعروض → تغیر الأسعار → تغیر تكلفة الغذاء → تأثیر على الأسر والاقتصاد.
فعندما ینخفض إنتاج محصول رئیسي في دولة أو مجموعة من الدول المنتجة، قد یرتفع سعره عالمیًا، خاصة إذا تزامن ذلك مع ارتفاع تكالیف الطاقة والأسمدة أو اضطراب طرق التجارة والشحن. وتشیر تحلیلات البنك الدولي إلى أن ظھور النینو في 2026 یمثل أحد المخاطر الصعودیة على أسعار السلع الغذائیة، إلى جانب تكالیف الطاقة والأسمدة والاضطرابات التجاریة.
كما حذّر البنك الدولي من أن مخاطر النینو قد تؤثر في إنتاج الأرز في بعض المناطق الأكثر تعرضًا، بما قد یزید الضغوط على الأمن الغذائي، خصوصًا في الدول التي تعتمد بدرجة كبیرة على الاستیراد.
وھكذا فإن النینو لا تبقى ظاھرة مناخیة في نشرات الأرصاد؛ فقد تنتقل آثارھا تدریجیًا من المحیط إلى الحقل، ومن الحقل إلى السوق، ومن السوق إلى میزانیة الأسرة.
التأثیر الاقتصادي.. الخسائر لا تظھر في المزارع فقط
لا تقاس التكلفة الاقتصادیة للنینو فقط بقیمة المحاصیل التي فقُدت. فالجفاف قد یعني انخفاض دخل المزارعین، وارتفاع تكلفة الري، وزیادة الضغط على مصادر المیاه. أما الفیضانات فقد تؤدي إلى خسائر في الأراضي الزراعیة والمخازن والطرق وشبكات النقل.
وفي المناطق التي یعتمد اقتصادھا بصورة كبیرة على الزراعة، یمكن أن تمتد آثار الصدمة إلى قطاعات أخرى، لأن انخفاض دخل المزارعین یؤدي إلى انخفاض الطلب على السلع والخدمات المحلیة. وقد خلصت دراسات للبنك الدولي إلى أن تأثیرات النینو یمكن أن تمتد إلى الناتج المحلي الإجمالي والاستھلاك والدخل، مع تعرض القطاع الزراعي بصورة خاصة للخسائر.
وفي بعض النماذج الاقتصادیة، تنتقل خسائر الإنتاج الزراعي إلى المستھلكین عبر ارتفاع الأسعار. وقد أظھرت إحدى دراسات البنك الدولي في فیتنام، على سبیل المثال، أن أحداث النینو القویة ارتبطت بارتفاع حقیقي في أسعار الحبوب، وھو ما یوضح كیف یمكن أن تنتقل الصدمة من الإنتاج إلى السوق. لكن الصورة لیست سلبیة في كل مكان؛ فالنینو قد تحسن الظروف المناخیة لمحاصیل معینة في بعض المناطق، ولذلك تختلف آثارھا الاقتصادیة باختلاف الدولة والمحصول والموسم.
الأمن الغذائي.. الحلقة الأكثر حساسیة
تزداد أھمیة النینو بالنسبة للأمن الغذائي عندما تجتمع عدة عوامل في الوقت نفسه. فإذا حدث انخفاض في الإنتاج الزراعي بالتزامن مع ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة، أو اضطرابات في التجارة الدولیة، فإن الصدمة المناخیة قد تصبح أكثر تأثیرًا على الأسواق. وھنا یظھر مفھوم مھم ھو مرونة النظم الغذائیة. فالدولة الأكثر استعدادًا لیست بالضرورة الدولة التي لا تتعرض لأي تغیر مناخي، وإنما الدولة التي تمتلك القدرة على التعامل مع الصدمة من خلال:
● تنویع مصادر الغذاء.
● إدارة المخزون الاستراتیجي.
● تحسین كفاءة استخدام المیاه.
● دعم المزارعین.
● تطویر نظم الإنذار المبكر.
● تعزیز القدرة على التنبؤ والاستجابة للصدمات.
وماذا عن المیاه؟
المیاه ھي الحلقة التي تربط بین المناخ والزراعة والاقتصاد. فالجفاف یعني زیادة الضغط على مصادر المیاه الجوفیة والسطحیة وارتفاع الطلب على الري، بینما قد تؤدي الأمطار الغزیرة إلى فیضانات وسیول وتلوث بعض مصادر المیاه.
ولھذا فإن إدارة المیاه یجب ألا تعتمد فقط على البیانات التاریخیة، بل ینبغي أن تستفید من التنبؤات المناخیة الموسمیة.
والمیزة المھمة في النینو أنھا من الظواھر التي یمكن في كثیر من الحالات التنبؤ بھا قبل أشھر، وھو ما یمثل فرصة لاتخاذ إجراءات استباقیة لحمایة المحاصیل والثروة الحیوانیة والمیاه والبنیة التحتیة. وھذا یفتح الباب أمام إجراءات مثل:
● تعدیل خطط الري وفق التوقعات المناخیة.
● اختیار أصناف أكثر تحملًا للجفاف والحرارة.
● تقلیل فاقد المیاه في الزراعة.
● التوسع في إعادة استخدام المیاه المعالجة في الاستخدامات المناسبة.
● حصاد میاه الأمطار حیثما تسمح الظروف.
● تحسین تخزین المیاه.
● تطویر نظم الإنذار المبكر للجفاف والفیضانات.
المدن أیضًا تدفع الثمن
لا تقتصر آثار النینو على الریف. فالمدن قد تتأثر بارتفاع أسعار الغذاء، وزیادة الطلب على المیاه والطاقة، والأضرار الناتجة عن الأمطار الغزیرة والفیضانات. أما المدن الساحلیة، فتواجھ مجموعة إضافیة من المخاطر المرتبطة بارتفاع مستوى سطح البحر والعواصف والأمطار الشدیدة.
ولھذا فإن التخطیط الحضري الحدیث یجب أن یأخذ في الاعتبار مجموعة من السیناریوھات المناخیة، بدل الاعتماد على افتراض أن المستقبل سیكون نسخة من الماضي. فالمدینة المرنة ھي التي تستطیع أن تستوعب الصدمة، وتحافظ على خدماتھا الأساسیة، ثم تتعافى بسرعة.
النینو في عالم أكثر دفئًا
وھنا نصل إلى النقطة الأكثر أھمیة. النینو ظاھرة طبیعیة، ولا ینبغي الخلط بینھا وبین تغیر المناخ الناتج عن زیادة غازات الاحتباس الحراري. لكن النینو تحدث الآن فوق خلفیة مناخیة أكثر دفئًا.
وتشیر FAO إلى أن الاحترار العالمي یزید من حدة بعض الآثار التي ترافق النینو، خصوصًا بالنسبة للنظم الغذائیة، من خلال ارتفاع خط الأساس لدرجات الحرارة وتزاید مخاطر الجفاف والحرارة الشدیدة والأمطار الغزیرة.
وبالتالي فإن التحدي الذي یواجھ العالم لیس النینو وحدھا، ولا تغیر المناخ وحده، وإنما تفاعل الصدمات الطبیعیة مع الضغوط المناخیة والاقتصادیة القائمة بالفعل.
ماذا یمكن أن نتعلم من النینو؟
ربما تكون الرسالة الأھم ھي أن الاستعداد أصبح أكثر قیمة من الاستجابة.
فإذا عرفنا قبل أشھر أن احتمال حدوث ظاھرة مناخیة معینة قد ارتفع، یمكننا أن نغیر خطط الزراعة، ونراجع مخزونات الغذاء، ونستعد لموجات الحرارة أو الجفاف، ونرفع جاھزیة شبكات المیاه والصرف، ونحسن إدارة المخاطر الاقتصادیة.
ومن ھنا یجب أن یصبح التعاون بین ھیئات الأرصاد والزراعة والمیاه والبیئة والاقتصاد والتخطیط وإدارة الأزمات جزءًا أساسیًا من منظومة الأمن المناخي. كما أن الاستثمار في البیانات والأقمار الصناعیة والذكاء الاصطناعي والنماذج المناخیة یمكن أن یحول التنبؤات المناخیة من مجرد معلومات علمیة إلى أداة لاتخاذ القرار.
من ظاھرة مناخیة إلى اختبار لقدرتنا على الصمود
النینو تذكرنا بأن العالم شبكة مترابطة. ارتفاع حرارة میاه المحیط یمكن أن یغیر أنماط الطقس، وتغیر الطقس یمكن أن یؤثر في المحاصیل، وتراجع المحاصیل یمكن أن یؤثر في أسعار الغذاء، والأسعار یمكن أن تنتقل إلى الاقتصاد والأسرة، بینما یمكن أن تضاعف ندرة المیاه أو اضطرابات التجارة من حجم التأثیر.
لذلك فإن مواجھة النینو لیست مسؤولیة قطاع واحد. إنھا مسؤولیة منظومة كاملة تبدأ من الرصد والتنبؤ، مرورًا بالمیاه والزراعة والطاقة والغذاء، وصولًا إلى الاقتصاد والتخطیط الحضري.
وفي عالم یتغیر مناخھ بسرعة، ربما لم یعد السؤال الأھم ھو: »ماذا ستفعل النینو بنا؟«
بل: »ماذا سنفعل نحن قبل أن تصل آثارھا إلینا؟«
وھنا تكمن الفكرة الأساسیة للاستدامة: أن نحول المعرفة المناخیة إلى قرار، والإنذار المبكر إلى استعداد، والموارد المحدودة إلى استخدام أكثر كفاءة، والصدمة المناخیة إلى فرصة لبناء مجتمعات أكثر مرونة وقدرة على الصمود.
المراجع
1. .WMO – ENSO / El Niño Updates, 2026
2. .NOAA Climate Prediction Center – ENSO Advisory, July 2026
3. .FAO – El Niño & Food Systems
4. .FAO – Agricultural Risks Associated with El Niño, 2026
5. .World Bank – Food Security & Climate Risks, 2026
(*) د.م. إیمان أحمد جوھر:
مدیر عام البحوث والتطویر بشركة الصرف الصحي بالإسكندریة، وخبیرة في معالجة الصرف الصناعي والھندسة البیئیة والاستدامة، ومتخصصة في مجالات إدارة الموارد المائیة، وإعادة استخدام المیاه المعالجة، والتنمیة المستدامة، والتحول الأخضر، وإدارة المخاطر المناخیة.
عضو ومشاركة في عدد من المبادرات والشبكات المھنیة المعنیة بالبیئة والاستدامة، وتھتم بربط البحث العلمي بالتطبیق العملي ودعم التحول نحو اقتصاد أكثر كفاءة في استخدام الموارد وأكثر قدرة على الصمود أمام التغیرات المناخیة.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز