بمناسبة اليوم العالمي للصفر نفايات
عماد سعد: في عالم يزداد استهلاكًا، يصبح تقليل النفايات ليس خيارًا بيئيًا فقط، بل ضرورة أخلاقية واقتصادية لبناء مستقبل أكثر توازنًا واستدامة.
شبكة بيئة ابوظبي، المهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية، 29 مارس 2026
في الثلاثين من مارس من كل عام، يقف العالم أمام مرآة استهلاكه، في اليوم الدولي للحد من النفايات (اليوم العالمي للصفر نفايات)، وهو ليس مجرد مناسبة رمزية، بل دعوة إنسانية عميقة لإعادة التفكير في علاقتنا بالموارد، وفي الطريقة التي ننتج ونستهلك بها، وفي الأثر الذي نتركه على كوكب لم يعد يحتمل المزيد من الهدر.
لقد أصبح مفهوم “الصفر نفايات” أكثر من مجرد شعار بيئي؛ إنه تحول ثقافي شامل، يعيد تعريف معنى الكفاءة، ويضع الإنسان أمام مسؤوليته الأخلاقية تجاه الطبيعة والأجيال القادمة. فالعالم اليوم ينتج أكثر من ملياري طن من النفايات سنويًا، وفق تقديرات البنك الدولي، ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم بشكل كبير بحلول عام 2050 إذا استمرت الأنماط الحالية للاستهلاك دون تغيير.
النفايات… الوجه الخفي للاستهلاك الحديث
في عمق كل منتج نستهلكه، قصة موارد استُخرجت، وطاقة استُهلكت، وانبعاثات أُطلقت. لكن ما لا نراه غالبًا هو المرحلة الأخيرة من هذه القصة: النفايات. تلك المرحلة التي تتحول فيها القيمة إلى عبء، والموارد إلى مشكلة بيئية.
النفايات ليست مجرد مخلفات مادية، بل هي مؤشر على خلل في النظام الاقتصادي، حيث لا تزال الكثير من النماذج الإنتاجية قائمة على مبدأ “خذ–اصنع–تخلّص”، وهو نموذج لم يعد متوافقًا مع حدود الكوكب ولا مع متطلبات الاستدامة.
من إدارة النفايات إلى منعها
التحول الحقيقي لا يكمن في إدارة النفايات، بل في منعها من الأساس. وهنا يظهر جوهر مفهوم “الصفر نفايات”، الذي يقوم على إعادة تصميم المنتجات والعمليات بحيث تقل النفايات إلى الحد الأدنى، ويتم الحفاظ على قيمة المواد داخل دورة اقتصادية مستمرة.
هذا التحول يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمبادئ الاقتصاد الدائري، الذي يسعى إلى تحويل النفايات إلى موارد، وإعادة استخدامها، وتدويرها، واستعادة قيمتها الاقتصادية والبيئية. وقد أكدت برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن تبني الاقتصاد الدائري يمكن أن يقلل بشكل كبير من الضغط على الموارد الطبيعية، ويسهم في خفض الانبعاثات، وخلق فرص اقتصادية جديدة.
البعد الإنساني للصفر نفايات
وراء كل طن من النفايات قصة إنسانية. ففي كثير من دول العالم، تعاني المجتمعات الفقيرة من آثار التلوث الناتج عن مكبات النفايات، كما يعمل ملايين الأشخاص في ظروف غير آمنة ضمن قطاع جمع النفايات غير الرسمي. من هنا، يصبح “الصفر نفايات” قضية عدالة اجتماعية، بقدر ما هو قضية بيئية. فهو يسعى إلى بناء أنظمة إنتاج واستهلاك أكثر عدلاً، تضمن توزيعًا منصفًا للمخاطر والفوائد، وتحمي الفئات الأكثر هشاشة.
دور الشركات… من المسؤولية إلى الريادة
في هذا السياق، لم تعد الشركات مجرد جزء من المشكلة، بل أصبحت جزءًا من الحل. فتبني سياسات تقليل النفايات، وتحسين كفاءة الموارد، وتطوير منتجات قابلة لإعادة التدوير، لم يعد خيارًا تنافسيًا فقط، بل ضرورة استراتيجية.
الشركات الرائدة اليوم تعيد تصميم سلاسل القيمة الخاصة بها، وتتبنى نماذج أعمال قائمة على إعادة الاستخدام والتدوير، وتدمج مؤشرات الأداء البيئي ضمن استراتيجياتها التشغيلية، بما يعزز من قدرتها على الاستدامة في أسواق تتجه بسرعة نحو الاقتصاد الأخضر.
من الوعي إلى السلوك
يبقى التحدي الأكبر في ترجمة الوعي إلى سلوك. فنجاح مفهوم “الصفر نفايات” يعتمد بشكل كبير على الأفراد، وعلى قدرتهم على تغيير عاداتهم اليومية، بدءًا من تقليل الاستهلاك، واختيار المنتجات المستدامة، وصولًا إلى إعادة الاستخدام والتدوير. وهنا تبرز أهمية التعليم البيئي، والإعلام المسؤول، والمبادرات المجتمعية التي تعيد بناء العلاقة بين الإنسان والموارد على أساس الاحترام والمسؤولية.
الإمارات نموذجًا في التحول نحو الصفر نفايات
في دولة الإمارات العربية المتحدة، تتسارع الجهود نحو بناء اقتصاد دائري منخفض الكربون، من خلال سياسات وتشريعات تدعم تقليل النفايات وتعزيز إعادة التدوير، ضمن رؤية شاملة للاستدامة. وقد أطلقت الدولة مبادرات وطنية لإدارة النفايات، وتحويلها إلى طاقة، وتعزيز الابتكار في هذا القطاع، بما يعكس التزامًا واضحًا بتحقيق أهداف التنمية المستدامة، خاصة الهدف 12 المتعلق بالاستهلاك والإنتاج المسؤولين.
الصفر نفايات… مستقبل يُصنع اليوم
في النهاية، لا يتعلق “الصفر نفايات” فقط بإدارة ما نرميه، بل بإعادة التفكير في كل ما ننتجه ونستهلكه. إنه دعوة لإعادة بناء علاقتنا مع الطبيعة على أساس التوازن، ومع الاقتصاد على أساس الكفاءة، ومع المجتمع على أساس العدالة.
إنه انتقال من ثقافة الاستهلاك إلى ثقافة المسؤولية… ومن اقتصاد الهدر إلى اقتصاد القيمة… ومن عبء النفايات إلى فرصة للحياة. وفي هذا التحول، يكمن الأمل في مستقبل أكثر استدامة، حيث لا تُقاس التنمية بما نستهلكه، بل بما نحافظ عليه.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز