عماد سعد:
• الصقارة ليست مجرد هواية… بل منظومة ثقافية متكاملة
• الصقارة المستدامة هي النموذج العملي لـلاستخدام المسؤول للطبيعة.
• الصقارة المستدامة تنظر إلى الصقّار باعتباره شريكاً في حماية الطبيعة ونقل أخلاقياتها إلى الأجيال
• الصقارة الحقيقية لا تُعلّم الإنسان كيف يسيطر على الطير… بل كيف يحترم الحياة.
• الإمارات أثبتت أنه يمكن للتراث أن يقود المستقبل.
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم المهندس عماد سعد، خبير التنمية المستدامة، والتغير المناخي والمسؤولية المجتمعية، 01 سبتمبر 2026
ينشر هذا المقال بالتوازي مع تم نشره في مجلة الصقار التي تصدر عن نادي صقاري الإمارات، عدد خاص سبتمبر 2026
مقدمة
لم تكن الصقارة في الوجدان العربي مجرد هواية أو ممارسة تقليدية، بل كانت على الدوام منظومة ثقافية ومعرفية متكاملة نشأت في بيئات صحراوية قاسية، وعبّرت عن علاقة دقيقة بين الإنسان والطبيعة. فقد علّمت الصقارة الإنسان قراءة الرياح، وفهم حركة الطيور، واحترام إيقاع الفصول، كما غرست فيه قيماً راسخة من الصبر، والانضباط، والرفق، والمسؤولية.
ومع تحوّل الصقارة من وسيلة معيشة في المجتمعات الصحراوية إلى تراث إنساني حي مُعترف به دولياً، أصبحت هذه الممارسة مدعوة اليوم إلى أداء دور جديد في عصر الأزمات البيئية، لا بوصفها ذاكرة للماضي فحسب، بل كنموذج حي يمكن أن يُسهم في حماية التنوع البيولوجي وتعزيز الوعي البيئي.
من وسيلة معيشة إلى تراث إنساني حي
في بداياتها، ارتبطت الصقارة بحاجة الإنسان في البيئات القاحلة إلى الصيد وتأمين الغذاء، لكنها تطورت مع الزمن لتصبح ممارسة تحمل قيماً اجتماعية وأخلاقية مثل الصبر، والانضباط، والرفق بالطير، واحترام الطبيعة. وتوضح دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي أن الصقارة مورست في دولة الإمارات وشبه الجزيرة العربية منذ آلاف السنين، وكانت شكلاً مهماً من أشكال الصيد في بيئة قليلة الموارد، قبل أن تتحول اليوم إلى إحدى الرياضات التراثية الأكثر اعتزازاً في الإمارات.
وهذا التحول من الحاجة المعيشية إلى الرمزية الثقافية يمنح الصقارة قيمة خاصة؛ فهي لا تُحفظ كذاكرة جامدة، بل تُمارس وتتجدد وتنتقل بين الأجيال. ومن هنا تأتي أهميتها في المقال: الصقارة ليست “ماضياً” يُستدعى في المناسبات، بل تراث حي قابل للتكيّف مع قضايا العصر.
الصقارة المستدامة: صون التراث وحماية الطبيعة
في عصر تراجع التنوع البيولوجي وتزايد الضغط على الأنواع البرية والموائل الطبيعية، لم يعد ممكناً النظر إلى الصقارة بمعزل عن الاستدامة. فالصقارة المستدامة تعني أن تُمارَس وفق ضوابط علمية وأخلاقية تحمي الصقور، والطرائد، والموائل على حد سواء، وتضمن أن تبقى هذه الممارسة جزءاً من التوازن البيئي لا سبباً في اختلاله.
ويتقاطع هذا الفهم مع أهداف اتفاقية التنوع البيولوجي للأمم المتحدة، التي تقوم على ثلاثة أهداف رئيسية: حفظ التنوع البيولوجي، والاستخدام المستدام لمكوناته، والتقاسم العادل للمنافع.
ومن هذا المنظور، تصبح الصقارة المستدامة نموذجاً عملياً لـلاستخدام المسؤول للطبيعة؛ فهي لا تنفي العلاقة التاريخية بين الإنسان والحياة البرية، لكنها تعيد تنظيمها وفق مبادئ الحماية، والاعتدال، والامتثال، والوعي العلمي.
الصقّار كحارس للطبيعة لا كمستخدم لها فقط
من الزاوية البيئية، يمكن للصقّار أن يكون مراقباً ميدانياً للطبيعة؛ فهو يتعامل مباشرة مع الطيور والطرائد والموائل، ويلاحظ التغيرات في المواسم، ووفرة الكائنات، وحالة البيئة البرية. ولهذا تؤكد بعض المؤسسات المعنية بالصقارة والحفاظ على الطيور الجارحة أن مجتمعات الصقارين يمكن أن تسهم في حماية الطيور الجارحة وموائلها، وأن الصقارة المعترف بها كتراث غير مادي يمكن أن ترتبط بجهود الحفظ عندما تُمارس ضمن أطر قانونية ومسؤولة.
التجربة الإماراتية نموذجاً عالمياً
تمثل دولة الإمارات العربية المتحدة حالة متقدمة في الجمع بين صون التراث وتحديث أدوات الحماية البيئية. فقد قادت الإمارات جهوداً دولية مهمة في ملف تسجيل الصقارة لدى اليونسكو، حيث تشير دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي إلى أن الإمارات قادت إعادة تسجيل الصقارة على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي، بعد جهود مستمرة مع عدد من الدول، وأن الملف سُجل أول مرة في 16 نوفمبر 2010 بدعم من 11 دولة عربية ودولية.
وبذلك لا تقتصر التجربة الإماراتية على الاحتفاء بالصقارة كرمز تراثي، بل تقدم نموذجاً أكثر نضجاً يقوم على: صون التراث الثقافي غير المادي. حماية الصقور والطرائد والموائل. دعم البحث والرعاية البيطرية. تعزيز التعاون الدولي. ربط الصقارة بمفاهيم الاستدامة والمسؤولية البيئية.
ما المقصود بالصقارة المستدامة؟
يمكن تعريف الصقارة المستدامة بأنها ممارسة الصقارة في إطار قانوني وأخلاقي وبيئي يضمن استمرار التراث، ويحمي الأنواع البرية وموائلها الطبيعية، ويوازن بين حق الإنسان في ممارسة تراثه وحق الطبيعة في البقاء والتجدد.
وهذا التعريف ينسجم مع مفهوم “الاستخدام المستدام” الوارد في اتفاقية التنوع البيولوجي، والذي يعني استخدام مكونات التنوع البيولوجي بطريقة ومعدل لا يؤديان إلى تدهورها على المدى الطويل، بما يحافظ على قدرتها لتلبية احتياجات الأجيال الحالية والمستقبلية. وبالتالي، فالصقارة المستدامة ليست إلغاءً للممارسة، بل إعادة تنظيمها وفق معايير الحماية والاستمرارية.
ممارسة الصقارة وفق ضوابط بيئية وأخلاقية
تقوم الصقارة المستدامة على مبدأ أن العلاقة بين الإنسان والطير والطبيعة يجب أن تكون علاقة احترام لا استنزاف. ويشمل ذلك الرفق بالصقور أثناء التدريب والنقل والرعاية، تجنب الممارسات التي تضر بالحيوان أو البيئة، الالتزام بقواعد الرفاه الحيواني الحديثة، تجنب الضغط غير الضروري على الأنواع البرية، وقد أصبحت معايير الرفق بالحيوان والرعاية البيطرية جزءاً مهماً من ممارسات الصقارة الحديثة في كثير من الدول، ومنها دولة الإمارات.
احترام الأنواع البرية والطرائد
لا يمكن الحديث عن صقارة مستدامة إذا جرى تجاهل وضع الأنواع البرية التي تعتمد عليها المنظومة البيئية. ويعني ذلك عدم استهداف الأنواع المهددة، احترام الحدود البيئية لأعداد الطرائد، تجنب الصيد الجائر، دعم برامج الإكثار وإعادة الإطلاق عند الحاجة، والاستناد إلى البيانات العلمية في إدارة الأنواع. وتشير تقارير المنصة الحكومية الدولية للعلوم والسياسات المعنية بالتنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية (ISPBES) إلى أن مليون نوع مهدد بالانقراض نتيجة أنشطة بشرية، ما يبرز أهمية الاستخدام المسؤول للطبيعة.
الالتزام بالمواسم والقوانين
من ركائز الصقارة المستدامة أن تُمارس وفق أنظمة واضحة تنظم مواسم القنص، المناطق المسموح بها، الأنواع المحمية، التراخيص، وشروط النقل والرعاية. فالالتزام بالمواسم ليس مجرد إجراء إداري، بل وسيلة لحماية دورات التكاثر والهجرة، وضمان عدم الإخلال بالتوازن البيئي. ولهذا تعتمد دول عديدة، ومنها الإمارات، أطرًا تنظيمية توازن بين صون التراث وحماية البيئة.
حماية الموائل الطبيعية
الأنواع البرية لا تُحمى وحدها، بل تُحمى عبر حماية بيئاتها، لذلك ترتبط الصقارة المستدامة بجهود أوسع تشمل حماية الصحارى، والسهول والمناطق الرعوية، والحد من التوسع العمراني غير المنظم في المواطن الطبيعية، مكافحة التلوث والنفايات في البيئات البرية، وإعادة تأهيل الموائل المتدهورة. ويؤكد برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) أن فقدان الموائل الطبيعية من أبرز أسباب تراجع الحياة البرية عالمياً.
ضمان انتقال المعرفة للأجيال الجديدة بصورة مسؤولة
الصقارة المستدامة لا تكتفي بحفظ الأدوات والرموز، بل تنقل القيم المصاحبة للممارسة، مثل الصبر والانضباط، احترا الحيوان، فهم الطبيعة، الاعتدال، والمسؤولية تجاه البيئة. وهذا ينسجم مع مفهوم التراث الثقافي غير المادي لدى (UNESCO) الذي يركز على نقل المعارف والمهارات من جيل إلى جيل في صورة حية ومتجددة.
الفرق بين الصقارة التقليدية والصقارة المستدامة
في صورتها التاريخية، ارتبطت الصقارة التقليدية بجملة من المهارات والقيم التي عكست طبيعة الحياة في ذلك الزمن، حيث تمحورت حول إتقان تدريب الصقر، وإجادة تقنيات الصيد، واكتساب الخبرة الميدانية في البيئات الصحراوية والمفتوحة، إلى جانب ما تتطلبه من شجاعة وصبر وقدرة على التحمل. كما شكّلت الصقارة مكانة اجتماعية وثقافية مرموقة، وعُدّت رمزاً للفروسية والهيبة والانتماء. وكان هذا كله منسجماً مع ظروف تاريخية مختلفة من حيث عدد السكان، ومستوى الضغط على الموارد الطبيعية، وحجم المعرفة البيئية المتاحة آنذاك.
أما اليوم، فقد تطورت الصقارة لتتجاوز إطارها التقليدي، وأضيفت إليها أبعاد جديدة جعلت ممارستها أكثر شمولاً واتساقاً مع متطلبات العصر. فهي تبدأ بالحفاظ على جوهر الممارسة نفسها، من خلال صون المهارات التقليدية وفنون تدريب الصقور ونقلها إلى الأجيال الجديدة باعتبارها جزءاً أصيلاً من التراث الثقافي. وفي الوقت ذاته.
مقارنة مختصرة

لماذا أصبح هذا المفهوم ضرورياً اليوم؟
أصبح مفهوم الصقارة المستدامة ضرورة ملحّة في ظل التحولات البيئية المتسارعة التي يشهدها العالم، وفي مقدمتها التراجع المقلق في التنوع البيولوجي. فقد سجلت العقود الأخيرة انخفاضاً حاداً في أعداد كثير من الأنواع البرية نتيجة فقدان المواطن الطبيعية، والاستغلال المفرط للموارد، والتلوث، وتغير المناخ، وهو ما دفع المؤسسات الدولية إلى التحذير من أن معدلات الانقراض الحالية تفوق بكثير المعدلات الطبيعية. وفي هذا السياق، بات من الضروري أن تتكيف جميع الممارسات المرتبطة بالحياة البرية، بما فيها الصقارة، مع معايير الحفظ والاستدامة.
الصقارة وعلاقتها بحماية التنوع البيولوجي
لم يعد التنوع البيولوجي قضية تخص العلماء وحدهم، بل أصبح أحد أهم ملفات الأمن البيئي والاقتصادي والثقافي في العالم. فاستقرار النظم البيئية، وجودة التربة، وتوازن السلاسل الغذائية، واستدامة الموارد الطبيعية، كلها ترتبط مباشرة بسلامة التنوع الحيوي. وتؤكد اتفاقية التنوع البيولوجي (Convention on Biological Diversity) أن فقدان التنوع البيولوجي يهدد رفاه الإنسان والاقتصادات والمجتمعات، وأن الحفاظ عليه ضرورة للتنمية المستدامة. وفي هذا السياق، تبرز الصقارة بوصفها أكثر من نشاط تراثي؛ إذ يمكن أن تمثل منظومة معرفة ميدانية تسهم في رصد التغيرات البيئية، وتعزيز الاستخدام المسؤول للطبيعة، وترسيخ الوعي المجتمعي بالحياة الفطرية.
التجربة الإماراتية نموذجاً عالمياً
تمثل دولة الإمارات العربية المتحدة واحدة من أبرز التجارب العالمية في تحويل الصقارة من ممارسة تراثية محلية إلى نموذج مؤسسي متكامل يجمع بين صون التراث، وحماية الحياة الفطرية، وتطوير المعرفة العلمية، وتنظيم الممارسة وفق معايير الاستدامة. فقد استطاعت الدولة أن تنقل الصقارة من نطاق الهواية التقليدية إلى فضاء أوسع يجعل منها أداة للتوعية البيئية، وجسراً للحوار الثقافي، ومجالاً للتعاون الدولي في حماية الطبيعة.
ولم يكن هذا التحول وليد الصدفة، بل تأسس على رؤية مبكرة أرساها المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي جمع بين حب الصقارة والاحترام العميق للطبيعة، وربط بين ممارسة التراث ومبدأ الاعتدال في استخدام الموارد وصون الكائنات الحية.
رؤية المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان
ارتبط اسم الشيخ زايد بالصقارة ارتباطاً عميقاً، إلا أنه لم ينظر إليها بوصفها رياضة أو تقليداً اجتماعياً فحسب، بل اعتبرها مدرسة تُعلّم الصبر والانضباط، وتعزز الصلة بين الإنسان والطبيعة. وقد عُرف عنه احترامه الكبير للبيئة الصحراوية وحرصه على عدم استنزاف مواردها، مؤسساً فلسفة تقوم على التوازن بين صون التراث وتحمل المسؤولية تجاه الأجيال القادمة.
من أبرز ما ميّز رؤية الشيخ زايد أنها قامت على الرحمة والرفق بالكائنات الحية، بعيداً عن فكرة السيطرة المطلقة على الطبيعة. فقد دعا إلى احترام الطيور البرية، وتجنب القسوة والإسراف في الصيد، والاهتمام بالصقور ورعايتها وفق معايير أخلاقية وإنسانية، وهو فهم سبق كثيراً من المفاهيم الحديثة المرتبطة برفاه الحيوان والاستدامة.
مؤسسات رائدة
1. نادي صقاري الإمارات
تأسس نادي صقاري الإمارات عام 2001 ليكون منصة وطنية متخصصة في صون الصقارة وتطويرها، وليقود مبادرات محلية ودولية مرتبطة بهذا التراث العريق. ويضطلع النادي بدور مهم في دعم الصقارة المستدامة، وتنظيم الفعاليات والبطولات، ونشر الثقافة البيئية المرتبطة بالصقارة، إلى جانب تدريب الأجيال الجديدة وتعزيز التعاون الدولي. ومع مرور الوقت، أصبح النادي من أبرز المؤسسات العالمية العاملة في هذا المجال.
2. المستشفيات والمراكز البيطرية المتخصصة
من أهم عناصر التجربة الإماراتية تطوير بنية متقدمة للرعاية الصحية للصقور، وفي مقدمتها مستشفى أبوظبي للصقور الذي يُعد من أكبر وأشهر المستشفيات المتخصصة عالمياً. ويقدم المستشفى خدمات التشخيص والعلاج، والجراحات الدقيقة، وبرامج الوقاية، والتوعية الصحية، إضافة إلى دعم البحث العلمي. وقد أسهم هذا التطور في نقل رعاية الصقور من الممارسات التقليدية إلى مستوى متقدم من الطب البيطري الحديث.
3. برامج التدريب والتوعية
تشمل التجربة الإماراتية برامج متنوعة لتأهيل الصقارين والجمهور، من خلال ورش تعليمية للشباب، وبرامج تعنى برفاه الصقور، وحملات توعية بالأنظمة البيئية، إلى جانب المعارض والمهرجانات الثقافية، ومبادرات نقل المعرفة بين الأجيال. وتؤكد هذه البرامج أن الحفاظ على الصقارة لا يقتصر على صون الأدوات والمظاهر، بل يشمل ترسيخ الوعي والقيم المرتبطة بها. كما قادت دولة الإمارات أو شاركت في عدد من المبادرات الدولية المرتبطة بالصقارة وحماية الأنواع والحياة الفطرية، وعززت التعاون مع مؤسسات بيئية وثقافية عالمية، ما رسخ مكانتها كقوة ناعمة ونموذج دولي يجمع بين التراث والمسؤولية البيئية.
4. تسجيل الصقارة في اليونسكو
في عام 2010 أُدرجت الصقارة على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية لدى منظمة اليونسكو، ثم توسع هذا الملف لاحقاً بانضمام دول جديدة من مختلف أنحاء العالم. وكانت دولة الإمارات العربية المتحدة من أبرز الدول التي قادت هذا المسار، وأسهمت في التنسيق الدولي لإبراز الصقارة بوصفها تراثاً إنسانياً مشتركاً يتجاوز الحدود والثقافات.
يمثل هذا الإدراج اعترافاً دولياً بأن الصقارة ممارسة حية متوارثة عبر الأجيال، تتضمن معارف ومهارات متخصصة، وتسهم في تعزيز الروابط الاجتماعية، وترتبط بعلاقة مسؤولة مع الطبيعة. كما يؤكد أنها تراث يستحق الحماية والصون ونقله إلى الأجيال القادمة. وبهذا انتقلت الصقارة من نطاق محلي أو إقليمي إلى قيمة ثقافية عالمية معترف بها دولياً.
5. تنظيم الممارسة
يُعد وجود أطر قانونية واضحة من أهم أسباب نجاح التجربة الإماراتية في هذا المجال، إذ أسهمت في تحقيق توازن مدروس بين الحفاظ على الموروث التراثي وصون البيئة والحياة الفطرية. وتشمل هذه الأطر تنظيم ملكية الصقور وتسجيلها، وضوابط النقل والسفر، والمعايير الصحية، إضافة إلى قواعد الصيد والممارسة المسؤولة.
يشكل نظام التراخيص أداة أساسية لضمان ممارسة منظمة وآمنة، فهو يساعد على حصر الممارسين، وتعزيز الامتثال للأنظمة، وتسهيل التتبع الإداري، والحد من الممارسات غير النظامية أو العشوائية. كما يسهم في رفع مستوى المسؤولية المهنية لدى الصقارين.
لماذا أصبحت الإمارات نموذجاً عالمياً؟
أصبحت دولة الإمارات نموذجاً عالمياً في هذا المجال لأنها نجحت في الجمع بين عناصر نادراً ما تجتمع في تجربة واحدة. فقد انطلقت من قيادة تؤمن بقيمة التراث وأهمية حماية الطبيعة، وأسست مؤسسات متخصصة وقوية تدير هذا الملف بكفاءة واستمرارية. كما دعمت ذلك بإطار قانوني واضح ينظم الممارسة ويضمن توازنها مع المتطلبات البيئية.
لقد أثبتت التجربة الإماراتية أن حماية التراث لا تعني تجميده أو حبسه في الماضي، بل تطويره ضمن إطار مؤسسي حديث يجعله قوة ثقافية وبيئية ذات أثر عالمي. ولهذا أصبحت الصقارة في الإمارات مثالاً بارزاً على كيف يمكن للهوية الوطنية أن تتحول إلى نموذج دولي في الاستدامة وصون التراث الحي.
برامج الإمارات في صون الأنواع وإعادة الإطلاق
تميّزت دولة الإمارات العربية المتحدة بأن جهودها في مجال الصقارة لم تقتصر على صون الممارسة التراثية، بل امتدت إلى صون الأنواع نفسها، عبر منظومة متقدمة تشمل الإكثار في الأسر، وإعادة الإطلاق إلى الطبيعة، والطب البيطري المتخصص، والبحث العلمي التطبيقي. وهذا التحول مهم لأن الحفاظ على التراث المرتبط بالحياة البرية لا يمكن أن ينجح إذا تراجعت الأنواع أو تدهورت موائلها. ويُعد هذا النهج منسجماً مع أهداف اتفاقية التنوع البيولوجي (Convention on Biological Diversity) التي تؤكد ضرورة حفظ الأنواع والنظم البيئية وضمان الاستخدام المستدام لها.
برامج إكثار الصقور
اعتمدت الصقارة تاريخياً على الصقور البرية بوصفها المصدر الرئيسي للطيور المستخدمة في الممارسة. ومع تزايد الطلب عالمياً وارتفاع الضغوط البيئية، برزت الحاجة إلى تطوير برامج الإكثار في الأسر كخيار مستدام ومتوازن. وتكمن أهمية هذه البرامج في تقليل الاعتماد على الصقور البرية، والحد من الضغط على الأنواع المهاجرة، وتقليص مخاطر الاتجار غير المشروع، إضافة إلى توفير طيور ذات سجلات صحية معروفة تدعم الممارسة المنظمة والمسؤولة.
إعادة إطلاق الصقور إلى الطبيعة
تعتمد برامج إعادة الإطلاق على إعادة بعض الصقور السليمة إلى بيئاتها الطبيعية بعد انتهاء مواسم الاستخدام أو بعد التأهيل، بما يسهم في دعم التجمعات البرية واستمراريتها. وقد برزت دولة الإمارات في هذا المجال عبر برامج رائدة حظيت باهتمام دولي واسع، ورسخت مفهوماً يجمع بين التراث والمسؤولية البيئية.
الطب البيطري المتقدم
كانت رعاية الصقور تعتمد قديماً على الخبرة المتوارثة، إلا أن الإمارات أسهمت في تطوير طب بيطري متخصص بالصقور يُعد من الأكثر تقدماً عالمياً، وفي مقدمة مؤسساته مستشفى أبوظبي للصقور، أحد أكبر المراكز المتخصصة في هذا المجال.
يشمل الطب البيطري الحديث للصقور الفحوص السريرية، والأشعة والتصوير، والجراحات الدقيقة، وعلاج الإصابات والأمراض، وبرامج التغذية، والوقاية من الأمراض المعدية، بما يوفر مستويات عالية من الرعاية الصحية.
لماذا تُعد الإمارات نموذجاً متقدماً؟
لأنها نجحت في الجمع بين أربع دوائر متكاملة نادراً ما تجتمع في تجربة واحدة: الحفاظ على الصقارة كموروث حي، ودعم الحفظ البيئي عبر برامج الإطلاق والحماية، وتطوير الرفاه الحيواني من خلال الطب البيطري المتقدم، والاستثمار في العلم والتقنية عبر التتبع والبحث والبيانات. وتُظهر التجربة الإماراتية أن صون الصقارة لا يقتصر على حفظ رمزيتها الثقافية، بل يشمل حماية الصقر نفسه، وبيئته، وصحته، ومستقبله في الطبيعة. ومن هنا تحولت الإمارات من حافظة للتراث إلى مساهم فعلي في صون الأنواع على المستوى العالمي.
قائمة المصادر والمراجع:
1. دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي.
https://abudhabiculture.ae
2. اتفاقية التنوع البيولوجي
https://www.cbd.int
3. نادي صقاري الإمارات
https://efcuae.com
4. وزارة التغير المناخي والبيئة الإماراتية
https://www.moccae.gov.ae
5. الإمارات – البرامج الثقافية والتراثية
https://www.dctabudhabi.ae
6. وكالة أنباء الإمارات
https://www.wam.ae
7. مكتب الإعلام الحكومي الإماراتي
https://uaeinteract.com
8. هيئة البيئة أبوظبي
https://www.ead.gov.ae
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز