تجربة جمعية بورسعيد التاريخية في صون التراث الشجري وحماية الهوية البيئية للمدن العريقة
شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية، 20 سبتمبر 2026
حين نسير في أحد الشوارع القديمة لمدينة عريقة، قد تنجذب أعيننا إلى مبنى تاريخي أو ميدان يحمل اسم شخصية بارزة، بينما تمر الأشجار المحيطة بالمشهد في صمت، وكأنها مجرد خلفية طبيعية للمكان. لكن الشجرة المعمرة ليست مجرد عنصر من عناصر تنسيق الشوارع، فهي كائن حي عاصر أجيالاً متعاقبة، واحتفظ في جذعه وأغصانه وامتداد ظله بجزء من ذاكرة المكان. ولهذا بدأت دراسات البيئة الحضرية الحديثة تنظر إلى الأشجار الكبيرة والمعمرة باعتبارها جزءاً من البنية التحتية الخضراء للمدينة، لما تقدمه من خدمات بيئية ومناخية واجتماعية، فضلاً عن قيمتها الثقافية والتاريخية في بعض المدن. وقد أكدت دراسة منشورة عام 2024 أن الأشجار المعمرة ذات التيجان الكبيرة يمكن أن تمثل مورداً مهماً للخدمات البيئية، وأن بعضها يرتبط كذلك بالتراث الثقافي والتاريخي للمدن.
ومن هنا تبدو قضية الأشجار التاريخية في مصر أكبر من مجرد نقاش حول إزالة شجرة أو زراعة أخرى مكانها. فالشجرة التي احتاجت إلى عقود حتى تصل إلى حجمها الحالي لا يمكن استبدال وظائفها البيئية والاجتماعية بصورة فورية بمجرد غرس شتلة صغيرة. وتوضح الأدبيات العلمية الخاصة بالغابات الحضرية أن الأشجار الأكبر حجماً والأكثر نضجاً تقدم في العادة مستويات أعلى من بعض خدمات النظم البيئية مقارنة بالأشجار الصغيرة، بينما يؤدي فقد الأشجار الناضجة إلى فجوة زمنية قد تستغرق سنوات طويلة قبل أن تتمكن الأشجار الجديدة من الوصول إلى مستوى مماثل من الوظائف.
وفي مدينة بورسعيد، التي نشأت على ضفاف قناة السويس وتحمل شخصية عمرانية وتاريخية شديدة الخصوصية، يتخذ هذا المعنى بعداً أكثر وضوحاً؛ فالعلاقة بين المدينة وأشجارها ليست علاقة جمالية فحسب، بل ارتبطت عبر الزمن بصورة المدينة وذاكرتها البصرية. وفي هذا السياق برزت جهود جمعية بورسعيد التاريخية في استعادة الاهتمام بما يمكن تسميته «التراث الأخضر» للمدينة، وفي مقدمتها مبادرة زراعة 1859 شجرة بونسيانا، إلى جانب الاهتمام بتوثيق الأشجار التاريخية وربط حماية الغطاء النباتي بالحفاظ على هوية بورسعيد.
من «ذبح الأشجار» إلى إعادة التفكير في المدينة
شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة نقاشاً مجتمعياً واسعاً حول التعامل مع الأشجار في المدن، خصوصاً عندما تتقاطع مشروعات الطرق والبنية التحتية مع الأشجار القائمة. ولا يمكن اختزال هذه القضية في مواجهة بسيطة بين «التنمية» و«البيئة»، لأن التخطيط الحضري الحديث يفترض أن تكون الأشجار جزءاً من عملية التخطيط منذ المراحل الأولى للمشروع، لا عنصراً يُنظر إليه لاحقاً باعتباره تعارضاً يجب التخلص منه.
وتؤكد الأبحاث الحديثة أن الأشجار الحضرية يمكن أن تسهم في خفض درجات الحرارة المحلية وتوفير الظل وتقليل التعرض للحرارة الشديدة، إلا أن حجم هذا الأثر ليس ثابتاً في كل مدينة أو لكل نوع من الأشجار؛ فهو يتأثر بالمناخ المحلي، وشكل الشوارع، وكثافة المباني، وحجم التاج، وخصائص النوع النباتي، وتوافر المياه. وأظهرت دراسة منشورة في Scientific Reports عام 2024 أن زيادة الغطاء الشجري حول الشوارع ارتبطت بانخفاض درجات حرارة الهواء خلال الصيف وانخفاض احتمالات التعرض لمستويات مرتفعة من الحرارة. كما خلص تحليل واسع نُشر في Communications Earth & Environment إلى أن كفاءة التبريد التي توفرها الأشجار تختلف باختلاف المناخ والتكوين العمراني وخصائص الأشجار.
وهذا يعني أن حماية الأشجار القائمة لا ينبغي أن تقوم على خطاب عاطفي وحده، وإنما على تقييم علمي لقيمتها البيئية والعمرية والمكانية، إلى جانب دراسة البدائل الهندسية التي تسمح بالحفاظ عليها كلما كان ذلك ممكناً. فالشجرة المعمرة تقدم في وقت واحد خدمات تتعلق بالتظليل، وتنظيم المناخ المحلي، واحتجاز الكربون، وتقليل الجريان السطحي لمياه الأمطار، وتوفير موائل للكائنات الحية، فضلاً عن دورها الجمالي والاجتماعي. وفي دراسة مقارنة للخدمات البيئية وقيمة الاستبدال، خلص باحثون إلى أن إزالة شجرة كبيرة في قلب المدينة يصعب تعويضها بصورة عادلة على المدى القصير، وهو ما يعزز الحاجة إلى إدخال قيمة الأشجار في قرارات إدارة البنية التحتية الحضرية.
وفي مصر، لا تبدأ حماية الأشجار من فراغ تشريعي؛ فقانون البيئة رقم 4 لسنة 1994 وتعديلاته، ومنها القانون رقم 9 لسنة 2009، يمثلان الإطار الأساسي للتشريع البيئي، وتوفر وزارة البيئة النصوص الرسمية للقانون ولائحته التنفيذية على موقع جهاز شئون البيئة. لكن التحدي الحقيقي يتجاوز وجود النصوص إلى كيفية تطبيقها، وكيفية إدماج الأشجار والغطاء النباتي في منظومة التخطيط الحضري، بحيث يصبح الحفاظ على الأشجار ذات القيمة العالية جزءاً أصيلاً من تصميم المشروع، لا مجرد إجراء تعويضي يأتي بعد الإزالة.
بورسعيد.. حين يصبح التراث الأخضر جزءاً من هوية المدينة
في هذا السياق تكتسب تجربة جمعية بورسعيد التاريخية دلالة خاصة؛ إذ تعاملت الجمعية مع التراث من منظور أوسع من المباني والوثائق والمعالم، وربطت بين التاريخ العمراني والذاكرة النباتية للمدينة. وتقوم فكرتها الأساسية على إعادة الاعتبار إلى أشجار البونسيانا، المعروفة علمياً باسم Delonix regia، باعتبارها من الأشجار المرتبطة في الذاكرة البصرية البورسعيدية بصورة المدينة.
وفي أكتوبر 2022 أعلنت الجمعية مبادرتها لزراعة 1859 شجرة بونسيانا في بورسعيد وبورفؤاد، في إشارة رمزية إلى عام نشأة بورسعيد عام 1859. ووفق ما نشرته الجمعية، جاءت المبادرة بهدف إعادة إحياء التراث الأخضر للمدينة، مع مشاركة المجتمع المدني والمواطنين في أعمال الزراعة والرعاية. وقد استمرت المبادرة في الظهور ضمن الفعاليات المرتبطة بالتراث والبيئة في السنوات التالية، ومن بينها فعاليات عام 2025 التي شهدت إعادة التأكيد على مشروع زراعة 1859 شجرة في مواقع مختلفة من بورسعيد وبورفؤاد.
أما اختيار البونسيانا تحديداً، فيرتبط بالرواية التاريخية التي تتداولها الجمعية حول حضور هذه الشجرة في بورسعيد منذ السنوات الأولى لنشأة المدينة، وارتباطها بمرحلة حفر قناة السويس وتطور الحدائق والفراغات الخضراء في مدن القناة. وهذه الرواية التاريخية جديرة بالتوثيق من خلال الأرشيفات والوثائق النباتية والهندسية المعاصرة لتلك الفترة، لأن التاريخ النباتي للمدن يحتاج، مثل التاريخ العمراني، إلى أدلة ومصادر يمكن التحقق منها، وليس إلى الذاكرة الشفوية وحدها
.
والبونسيانا نفسها شجرة ذات قيمة جمالية واضحة، وهي من الأنواع الملائمة للبيئات المدارية وشبه المدارية والساحلية، لكن استخدامها في المدن يجب أن يتم وفق تخطيط دقيق للموقع. فقاعدة بيانات «Plants of the World Online» التابعة لحدائق كيو الملكية تشير إلى قدرة البونسيانا على النمو في الظروف البحرية والمدارية وشبه المدارية، لكنها تنبه في الوقت نفسه إلى اتساع جذورها وإمكان تأثيرها في الأرصفة وشبكات الصرف والأساسات، إضافة إلى هشاشة بعض أفرعها؛ ولذلك فإن نجاح زراعتها لا يرتبط بعدد الأشجار فقط، وإنما باختيار الموقع والمسافات المناسبة وإدارة الأشجار وصيانتها بصورة علمية.
وهذه نقطة مهمة للغاية في أي مشروع لتوسيع الغطاء الشجري في المدن المصرية: الهدف ليس مجرد الوصول إلى رقم مرتفع من الأشجار المزروعة، وإنما بناء غطاء نباتي قادر على البقاء والنمو وتقديم خدمات بيئية حقيقية. فالشجرة الصحيحة في الموقع الصحيح، مع توفير الرعاية والمياه والتربة المناسبة، أكثر قيمة بكثير من شجرة تُزرع في مكان لا يسمح لجذورها أو تاجها بالنمو الطبيعي ثم تموت أو تزال بعد سنوات قليلة.
من الشجرة إلى «أرشيف أخضر»
أحد أكثر الجوانب أهمية في مفهوم حماية التراث الشجري هو الانتقال من التعامل مع الأشجار بصورة فردية وعابرة إلى إنشاء قاعدة بيانات موثقة للثروة النباتية داخل المدن. فكما تمتلك المدن سجلات للمباني التاريخية والآثار والمعالم، يمكن أن تمتلك كذلك «سجلاً أخضر» يحدد الأشجار ذات القيمة العمرية أو التاريخية أو البيئية، ويوثق مواقعها وأنواعها وأبعادها وحالتها الصحية وتاريخ زراعتها إن أمكن، مع تحديث هذه البيانات بصورة دورية.
وهنا يمكن أن تلتقي جهود المجتمع المدني مع الجامعات ومراكز البحوث والجهات التنفيذية. فالترقيم وحده لا يكفي إذا لم يرتبط بقاعدة بيانات جغرافية يمكن تحديثها، وبفحوص دورية لحالة الأشجار، وبنظام لتقييم المخاطر الصحية والإنشائية، وربط المعلومات بخطط الطرق والمرافق والتطوير العمراني. ويمكن للتقنيات الرقمية الحديثة، مثل نظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بعد وقواعد البيانات المكانية، أن تجعل هذه العملية أكثر دقة وكفاءة، وأن تحول الشجرة من عنصر غير مرئي في خرائط المدينة إلى جزء معروف من بنيتها التحتية الخضراء.
ويمكن في مرحلة لاحقة تطوير هذا السجل ليصبح قاعدة بيانات وطنية للأشجار التراثية، بحيث تتكامل المعلومات المحلية من بورسعيد والإسكندرية والقاهرة والإسماعيلية والسويس وغيرها من المدن ذات التاريخ النباتي والعمراني المميز. وسيكون ذلك أكثر فائدة من الاكتفاء بحملات موسمية للزراعة، لأنه يضع «الحماية» قبل «التعويض»، ويتيح معرفة ما لدينا بالفعل قبل التفكير فيما نريد زراعته مستقبلاً.
البونسيانا بين الذاكرة والمناخ
لا تنفصل قضية التراث الشجري عن قضية التغير المناخي. فارتفاع درجات الحرارة وتزايد موجات الحر يجعل الغطاء النباتي الحضري مكوناً مهماً من مكونات التكيف المناخي، خصوصاً في المدن الكثيفة والمناطق التي تعاني من ارتفاع درجات الحرارة السطحية. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن الأشجار يمكن أن تخفف من الإجهاد الحراري عبر الظل والتبخر والنتح، لكن تأثيرها يعتمد بشدة على تصميم المدينة والظروف المناخية وخصائص الأنواع المزروعة.
وفي هذا الإطار تأتي المبادرة المصرية «100 مليون شجرة» التي انطلقت عام 2022، وتمتد وفق البيانات الحكومية المنشورة على سبع سنوات حتى عام 2029، ضمن حزمة من الجهود المرتبطة بتحسين البيئة ومواجهة آثار تغير المناخ. كما أكدت الحكومة استمرار تنفيذ المبادرة ضمن خطط الاستثمار والتنمية للعام المالي 2026/2027.
غير أن القيمة المناخية للتشجير لا ينبغي أن تقاس بعدد الشتلات المزروعة فقط. فالمعيار الأكثر أهمية على المدى الطويل هو مقدار الغطاء الشجري الذي يستمر في النمو، وصحة الأشجار، وتوزيعها الجغرافي، وملاءمة الأنواع للظروف المحلية، وقدرتها على البقاء في ظل تغير المناخ وشح المياه والضغوط الحضرية. وتظهر دراسات الغابات الحضرية أن تغير التركيب العمري للأشجار يمكن أن يؤثر بوضوح في كمية الكربون المخزنة والممتصة وفي حجم الخدمات البيئية التي تقدمها الغابة الحضرية مع مرور الزمن.
ومن هنا فإن حماية الأشجار التاريخية وزراعة الأشجار الجديدة ليستا مشروعين متنافسين، بل حلقتان في منظومة واحدة. فالشجرة القديمة تحفظ رأس المال البيئي والتاريخي المتراكم، بينما تمثل الأشجار الجديدة استثماراً في الغطاء النباتي المستقبلي. والمدينة التي تزيل الأشجار الكبيرة ثم تزرع شتلات صغيرة لا تعوض بالضرورة ما فقدته في الأمد القريب؛ أما المدينة التي تحافظ على الأشجار القائمة، وتزرع في الوقت نفسه أشجاراً جديدة وفق تخطيط علمي، فإنها تبني استمرارية حقيقية للغابة الحضرية.
نحو نموذج مصري للتراث الأخضر
تكشف تجربة بورسعيد عن فكرة تتجاوز حدود المدينة نفسها: حماية التراث الطبيعي يمكن أن تصبح جزءاً من التخطيط الحضري والثقافة العامة، وليس مجرد نشاط تطوعي موسمي. ومن الممكن البناء على هذه التجربة من خلال إنشاء برامج وطنية لحصر الأشجار التاريخية، وتقييم حالتها، وإعطاء الأولوية للأشجار التي تجمع بين القيمة التاريخية والبيئية، مع توفير مسارات قانونية وإدارية واضحة لحمايتها.
كما يمكن للجامعات وكليات العلوم والزراعة والهندسة والتخطيط العمراني أن تؤدي دوراً محورياً في هذا المجال، ليس فقط من خلال تحديد الأنواع النباتية الملائمة، وإنما أيضاً عبر دراسة التربة والمياه والأمراض والآفات، وتحليل ملاءمة الأشجار للمناخ المستقبلي، وتطوير تقنيات الإكثار والحفظ الوراثي للسلالات النباتية ذات القيمة التاريخية. وهنا يمكن أن تلتقي علوم النبات والتقنية الحيوية مع علوم البيئة والتراث، خصوصاً في إكثار المواد النباتية المميزة والحفاظ على التنوع الوراثي، مع ضرورة مراعاة القواعد العلمية الخاصة بالحفظ الوراثي وعدم الخلط بين إكثار نباتات ذات قيمة تراثية وبين نقل مواد وراثية بصورة غير موثقة.
كذلك فإن إشراك المواطنين والشباب والمدارس والجمعيات الأهلية يمكن أن يحول الأشجار من «ممتلكات عامة مجهولة المسؤولية» إلى عناصر ذات قيمة اجتماعية واضحة. فالإنسان الذي يعرف تاريخ شجرة في شارعه، ويرى اسماً أو رقماً تعريفياً مرتبطاً بها، ويعرف نوعها وعمرها التقريبي وأهميتها البيئية، يكون أكثر استعداداً للمشاركة في حمايتها والإبلاغ عن تعرضها للخطر.
وهذا هو الجانب الذي يجعل تجربة جمعية بورسعيد التاريخية جديرة بالاهتمام؛ فهي تضع التاريخ والبيئة والمشاركة المجتمعية في مساحة واحدة. وقد ارتبطت المبادرة منذ بدايتها بالتنسيق مع جهات محلية وبمشاركة المجتمع المدني، كما ظهرت في السنوات اللاحقة ضمن فعاليات مرتبطة بالتراث والاستدامة البيئية.
الشجرة التي تحفظ المستقبل
إن الدفاع عن الأشجار التاريخية لا يعني تجميد المدن أو تعطيل مشروعات التطوير، كما أن الدعوة إلى التشجير لا تعني زراعة أي نوع من الأشجار في أي مكان. القضية أكثر تعقيداً وأهمية من ذلك؛ إنها تتعلق بكيفية بناء مدينة قادرة على الجمع بين البنية التحتية الحديثة والطبيعة والتاريخ والقدرة على التكيف مع تغير المناخ.
وفي بورسعيد، تبدو شجرة البونسيانا مثالاً واضحاً على هذه العلاقة المركبة بين النبات والمدينة والذاكرة. فالعدد 1859 الذي اختارته جمعية بورسعيد التاريخية لمبادرتها يحمل معنى رمزياً يربط الشجرة بتاريخ نشأة المدينة، بينما تمنح عملية الزراعة نفسها فرصة لإعادة بناء علاقة الأجيال الجديدة بالبيئة المحلية. لكن النجاح الحقيقي للمبادرة، كما هو الحال في أي برنامج تشجير حضري، لن يقاس بعدد الأشجار التي تُغرس في لحظة التدشين، وإنما بعدد الأشجار التي تبقى وتنمو وتصبح بعد عقود جزءاً من المشهد الحضري الذي سيحمله جيل جديد إلى المستقبل.
وفي النهاية، ربما تكون أجمل طريقة لحماية ذاكرة المدن هي ألا نتركها محفوظة في الكتب والصور وحدها. فبعض الذاكرة يمكن أن يظل حياً في جذع شجرة، وفي ظلها الذي يعبر شارعاً قديماً، وفي أزهار البونسيانا التي تعود كل عام لتذكّر المدينة بجزء من تاريخها. وإذا كانت التنمية المستدامة تعني أن نلبي احتياجات الحاضر من دون أن نغلق أبواب المستقبل، فإن الحفاظ على الأشجار المعمرة وزراعة أشجار جديدة بعلم وتخطيط ورعاية يمثلان أحد أبسط أشكال الاستثمار في ذلك المستقبل.
إن تجربة بورسعيد تفتح الباب أمام رؤية أوسع: أن تصبح الأشجار التاريخية جزءاً معترفاً به من التراث الحضري المصري، وأن تتحول خرائط المدن إلى خرائط لا تسجل المباني والطرق والمرافق فحسب، بل تسجل أيضاً الأشجار التي منحت هذه المدن ظلها وملامحها وذاكرتها. عندها لن تكون الشجرة مجرد نبات ينمو في شارع، وإنما جزءاً من «الأرشيف الحي» للمدينة، وحارساً أخضر لذاكرتها، وشريكاً صامتاً في بناء مستقبل أكثر قدرة على مواجهة المناخ وأكثر احتراماً لتاريخ المكان.
هاشتاجات:
#أزمة_الأشجار_في_مصر – #جمعية_بورسعيد_التاريخية – #أشجار_البونسيانا – #التراث_البيئي – #حماية_التنوع_البيولوجي – #التغير_المناخي – #الأمن_البيئي_العربي – #التنمية_المستدامة – #التقنية_الحيوية – #الوعي_العلمي – #شبكة_بيئة_أبوظبي – #الدكتور_طارق_قابيل
***
(*) الكاتب: د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– عضو هيئة المكتب، ومقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز