شبكة بيئة ابوظبي، بقلم الدكتور علي عبد القادر الحمادي، باحث في السياسات اللغوية، الإمارات العربية المتحدة، 08 فبراير 2026
نعيش في عالم تُقاس فيه قيمة الدول بمواردها البشرية والمعرفية. ونحيا مع لغة تجاوزت وظيفتها التواصلية لتصبح عنصرًا فاعلًا في معادلة التنمية. وبين متطلبات العالم وتطورات اللغة يعمل الفكر ليحقق للعالم متطلباته، وينقل اللغة إلى دروب وجب أن تَتَلَمَّسَها وآفاق حق عليها أن تُلامِسَها. ذلكم هو درب الإدارة اللغوية، وأفق الاقتصاد اللغوي.
إن اللغة التي نُحسن تعليمها، ونُتقن استخدامها، ونُدير حضورها في مؤسساتنا، تصبح أداة إنتاج، وجسر معرفة، ومكوّنًا من مكونات الكفاءة الاقتصادية ذاتها. ومن هنا بدأ يتبلور في الدراسات الحديثة ما يُعرف باقتصاديات اللغة، أي النظر إلى اللغة من زاوية الكلفة والعائد، والاستثمار والهدر، والرأسمال والقيمة المضافة.
حين تستثمر دولة في تعليم لغتها وتعزيز كفاءتها التواصلية، فهي في الواقع تستثمر في وضوح الإدارة، ودقة المعرفة، وكفاءة سوق العمل. وحين يُهمَل الجانب اللغوي، تظهر كُلف خفيّة تتأخذ أشكالًا شتى: سوء فهم إداري، أو أخطاء مهنية، أو ضعف في نقل المعرفة، أو اعتماد متزايد على وسائط لغوية بديلة قد لا تنقل المعنى بدقة. هذه الخسائر لا تُسجَّل دائمًا في الميزانيات، ولذلك لا يُنتَبه. لكنها تتراكم في الأداء، فتكون الخسارة تراكمية.
وأنا أعالج البيئة اللغوية، يمكنني النظر إلى اللغة بوصفها رأس مال رمزيًا ومعرفيًا، يرفع من قدرة المجتمع على التعلم، والتفاوض، والإنتاج، والابتكار. فاللغة القوية تعزّز القدرة التنافسية. والكلمة الواضحة تختصر الوقت، وتقلل الخطأ، وتدعم القرار. والسؤال الذي يجب أن نبحث عن إجابة له هو: كيف ندير موردًا اسمه اللغة؟
هذا السؤال يتجاوز فكر كثير من الكيانات اللغوية التي تنطلق من منطلق عاطفي، فتوصِّف عملها بأنه خدمة للغة، أو حماية، أو محافظة، أو رعاية.
غير أن التعامل مع اللغة بوصفها موردًا يقتضي الانتقال من منطق الرعاية الرمزية إلى منطق الإدارة الواعية. فالمورد لا يُصان بالنيات الحسنة وحدها، ولا بالخطاب العاطفي، وإنما يتطلب حضور السياسات، والتخطيط، وبناء الكفاءات، وقياس الأثر. وحين تُدار اللغة بعقلية استثمارية، يصبح السؤال: ما المهارات اللغوية التي يحتاجها سوق العمل؟ وما مستوى الكفاية المطلوب للإنتاج المعرفي؟ وكيف يمكن تقليل الهدر الناتج عن ضعف التواصل أو غموض المصطلح؟ عندها تتحول اللغة من قضية ثقافية عامة إلى عنصر في التخطيط التنموي.
![]()
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز