الوجه الخفي للذكاء الاصطناعي

كيف تلتهم مراكز البيانات الطاقة، وما الحلول المتاحة لإنقاذ المناخ؟

شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية 04 سبتمبر 2026

في كل مرة نكتب فيها سؤالًا إلى نموذج للذكاء الاصطناعي، أو نطلب منه تحليل صورة، أو تلخيص وثيقة، أو إنتاج نَصّْ، أو تصميم، تبدو العملية وكأنها تحدث في فضاء رقمي لا مرئي، بعيد عن عالم المصانع ومحطات الكهرباء وشبكات التبريد. تصل الإجابة إلينا خلال ثوانٍ، فلا نرى الآلات التي عملت خلف الشاشة، ولا الكهرباء التي شغّلتها، ولا الحرارة التي تولدت أثناء تنفيذ الطلب، ولا البنية التحتية التي جعلت هذه الاستجابة ممكنة. غير أن هذا العالم الافتراضي له جسد مادي ضخم، وربما كان أحد أكثر مظاهر الثورة الرقمية إثارة للدهشة هو أن «السحابة» التي نتعامل معها يوميًا ليست سحابة على الإطلاق، وإنما شبكة هائلة من مراكز البيانات، والخوادم، والرقائق الإلكترونية، وأنظمة التخزين والاتصالات والتبريد، ومحطات الطاقة وشبكات الكهرباء التي تعمل خلف الستار.

وقد أصبحت هذه الحقيقة أكثر أهمية مع الصعود السريع للذكاء الاصطناعي التوليدي. فالنماذج الحديثة لا تحتاج فقط إلى قدرات حوسبة هائلة أثناء مرحلة التدريب، بل تستهلك الطاقة أيضًا بصورة مستمرة عندما يستخدمها ملايين الأشخاص والأنظمة والبرمجيات في العالم الحقيقي. وكلما أصبحت النماذج أكثر قدرة، وانتقلت من مجرد الإجابة عن الأسئلة إلى تحليل الصور والفيديو، وإنشاء المحتوى، وتشغيل الوكلاء البرمجيين القادرين على تنفيذ سلسلة طويلة من المهام بصورة شبه مستقلة، ازداد الضغط على البنية التحتية التي تقف خلفها. وهنا يظهر السؤال الذي لا يمكن أن يبقى خارج النقاش العام: هل يمكن أن تتحول الثورة التي نراهن عليها لحل مشكلات المستقبل إلى مصدر جديد لضغوط الطاقة والبيئة؟

الإجابة العلمية لا تكمن في تصوير مراكز البيانات باعتبارها «وحوشًا تلتهم الطاقة» بصورة مطلقة، كما لا يصح تجاهل آثارها البيئية بحجة أن التكنولوجيا ستجد حلًا في المستقبل. الواقع أكثر تعقيدًا. فقد قدّرت الوكالة الدولية للطاقة أن مراكز البيانات استهلكت نحو 415 تيراواط/ساعة من الكهرباء عالميًا في عام 2024، أي ما يقارب 1.5% من الاستهلاك العالمي للكهرباء، بعد نمو بلغ في المتوسط نحو 12% سنويًا خلال السنوات السابقة. والأكثر دلالة أن الوكالة تتوقع، في سيناريوها الأساسي، أن يتجاوز استهلاك مراكز البيانات 945 تيراواط/ساعة بحلول عام 2030، أي أكثر من الضعف تقريبًا خلال ست سنوات، مع كون الذكاء الاصطناعي العامل الأهم في دفع هذا التوسع إلى جانب الطلب المتزايد على الخدمات الرقمية الأخرى.

ولا تعني هذه الأرقام أن مراكز البيانات أصبحت أكبر مستهلك للكهرباء على مستوى العالم، أو أن الذكاء الاصطناعي وحده يقود أزمة الطاقة العالمية؛ فالنقل والصناعة والتكييف وغيرها من القطاعات لا تزال تمثل أعباء أكبر في إجمالي الطلب العالمي. لكن خصوصية مراكز البيانات تكمن في سرعة نموها وتركيزها الجغرافي. فقد تكون مساهمتها في الاستهلاك العالمي محدودة نسبيًا، لكنها قد تصبح عاملًا شديد التأثير في شبكات الكهرباء المحلية، خصوصًا عندما تُقام منشآت ضخمة في مناطق محددة خلال فترة زمنية قصيرة. ولهذا فإن المشكلة ليست فقط في «كمية» الكهرباء التي يستهلكها الذكاء الاصطناعي، وإنما أيضًا في مكان استهلاكها، وتوقيت الاستهلاك، ومصدر الكهرباء التي تغذي هذه المنشآت.

القلب النابض لمراكز البيانات
لفهم ما يحدث داخل هذه المنشآت، علينا أن نقترب قليلًا من عالم الحوسبة الحديثة. فمركز البيانات التقليدي يضم آلاف الخوادم وأجهزة التخزين والاتصالات، لكن مراكز البيانات المصممة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على وحدات معالجة متخصصة قادرة على تنفيذ عدد هائل من العمليات الحسابية بالتوازي. وهذه الرقائق، التي تمثل قلب البنية الحاسوبية للذكاء الاصطناعي، تحتاج إلى طاقة كبيرة، كما تولد كميات ضخمة من الحرارة، وهو ما يجعل أنظمة التبريد عنصرًا أساسيًا في استدامة التشغيل وليس مجرد خدمة مساندة.

وتشير أحدث تحليلات الوكالة الدولية للطاقة إلى أن استهلاك الكهرباء في الخوادم المسرّعة، التي يرتبط نموها بدرجة كبيرة بتوسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، يمكن أن ينمو بنحو 30% سنويًا في السيناريو الأساسي حتى عام 2030. وتُسهم هذه الخوادم بما يقارب نصف الزيادة الصافية المتوقعة في استهلاك مراكز البيانات خلال الفترة نفسها، بينما يأتي جزء آخر من الزيادة من الخوادم التقليدية، ومعدات تقنية المعلومات، وأنظمة التبريد والبنية التحتية المساندة.

وهنا تظهر مفارقة تقنية تستحق التوقف. فالذكاء الاصطناعي لا يتقدم فقط عبر زيادة عدد الرقائق، وإنما أيضًا عبر محاولة جعل كل عملية حسابية أكثر كفاءة. وقد شهدت السنوات الأخيرة تطورًا سريعًا في كفاءة العتاد والخوارزميات، وأصبحت بعض المهام تؤدى باستهلاك طاقة أقل بكثير لكل عملية مقارنة بالأجيال السابقة. وتشير الوكالة الدولية للطاقة في تحليلها المنشور عام 2026 إلى أن استهلاك الكهرباء لكل مهمة من مهام الذكاء الاصطناعي ينخفض بسرعة، وأن التحسن في الكفاءة أصبح عاملًا مهمًا في الحد من الزيادة التي كان يمكن أن تحدث لو استمر الطلب على الحوسبة في الارتفاع من دون تحسينات تقنية. لكن المشكلة أن انخفاض تكلفة المهمة الواحدة قد يشجع في الوقت نفسه على تنفيذ عدد أكبر بكثير من المهام؛ أي إن المكاسب الناتجة عن الكفاءة قد تواجهها زيادة الاستخدام، وهي ظاهرة معروفة في اقتصاديات الطاقة والتكنولوجيا.

ولهذا لا يكفي أن نسأل: «كم تستهلك كل إجابة من الذكاء الاصطناعي؟». فالسؤال الأهم هو: كم عدد هذه الإجابات والعمليات التي ستُنفذ على مستوى العالم؟ وماذا سيحدث عندما يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من محركات البحث، والبرمجيات المكتبية، والمصانع، والمركبات، والهواتف، والخدمات الحكومية، والتعليمية، والطبية؟ إن الاستهلاك الكلي لا تحدده كفاءة الخوارزمية وحدها، وإنما تحدده العلاقة بين الكفاءة وحجم الاستخدام ونوعية التطبيقات.

الكهرباء ليست وحدها في الحساب
وعندما نتحدث عن البصمة البيئية لمراكز البيانات، فإن الكهرباء تمثل الجزء الأكثر وضوحًا، لكنها ليست القصة كاملة. فالمركز الذي يعمل على مدار الساعة يحتاج إلى أنظمة تبريد مستمرة للحفاظ على درجات حرارة مناسبة للرقائق والخوادم، كما يحتاج إلى بنية احتياطية للطاقة، ومعدات شبكات، وتخزين، ومبانٍ وأنظمة أمنية، إضافة إلى سلسلة توريد عالمية لإنتاج الرقائق والخوادم والمعدات الكهربائية. ولذلك فإن تقييم الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي ينبغي أن ينظر إلى دورة الحياة بأكملها، وليس إلى الكهرباء المستخدمة أثناء تشغيل النموذج فقط.

ويكتسب موضوع المياه أهمية خاصة في هذا السياق. فبعض مراكز البيانات تعتمد على أنظمة تبريد تستخدم المياه بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وتختلف البصمة المائية اختلافًا كبيرًا باختلاف تصميم المنشأة والمناخ المحلي ومصدر المياه وتقنيات التبريد ومصدر الكهرباء. ولهذا لا توجد قيمة عالمية ثابتة يمكن إطلاقها على «كمية المياه التي يستهلكها كل سؤال للذكاء الاصطناعي»، كما شاع في بعض التقارير والمنشورات الرقمية. هذه التقديرات تعتمد على افتراضات متعددة، وقد تختلف بصورة كبيرة من مركز بيانات إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى، وهو ما يجعل التعامل معها باعتبارها رقمًا ثابتًا مضللًا علميًا.

والأمر نفسه ينطبق على الانبعاثات الكربونية. فالذكاء الاصطناعي لا ينتج كمية محددة وثابتة من ثاني أكسيد الكربون لكل عملية؛ فالأثر المناخي يعتمد بصورة أساسية على مصدر الكهرباء المستخدم في تشغيل مركز البيانات، وعلى كفاءة الخوادم والتبريد، وعلى معدل استخدام الأجهزة، وعلى موقع المركز، وعلى طريقة احتساب الانبعاثات المرتبطة بتصنيع المعدات وبناء المنشأة. فإذا كان المركز يعتمد بصورة كبيرة على مصادر كهرباء منخفضة الكربون، فإن الانبعاثات التشغيلية ستكون مختلفة جذريًا عن مركز يعتمد على شبكة يغلب عليها الفحم أو الغاز.

وتكشف بيانات الوكالة الدولية للطاقة عن هذه المفارقة بوضوح. فمصادر الطاقة المتجددة كانت توفر نحو 27% من الكهرباء المستهلكة في مراكز البيانات عالميًا في 2024، وتتوقع الوكالة أن تلبي الطاقة المتجددة قرابة نصف الزيادة في الطلب على الكهرباء المرتبط بمراكز البيانات خلال السنوات المقبلة، مع استمرار دور الغاز الطبيعي ومصادر أخرى، بما فيها الطاقة النووية، في بعض الأسواق. وهذا يعني أن توسع مراكز البيانات لا يقود تلقائيًا إلى مسار واحد من الانبعاثات، بل إن النتيجة البيئية ستتوقف بدرجة كبيرة على كيفية بناء منظومة الطاقة التي ستغذي هذه المنشآت.

من أزمة الطاقة إلى فرصة للتحول الأخضر
إذا كانت مراكز البيانات تمثل تحديًا بيئيًا متناميًا، فإن التعامل معها لا ينبغي أن يقوم على فكرة إيقاف الذكاء الاصطناعي، بل على إعادة تصميم الطريقة التي ننتج بها الحوسبة ونستهلك بها الطاقة. فالخيار الحقيقي ليس بين «الذكاء الاصطناعي» و«المناخ»، وإنما بين نموذج رقمي عالي الاستهلاك يعتمد على التوسع غير المنضبط، ونموذج آخر يجعل الكفاءة والطاقة النظيفة وإدارة الطلب جزءًا من هندسة الذكاء الاصطناعي نفسها.
ويبدأ هذا التحول من الرقائق والخوارزميات. فكلما أصبحت النماذج أكثر كفاءة، وتمكنت من تحقيق المستوى نفسه من الأداء باستخدام عدد أقل من العمليات الحسابية، انخفضت الطاقة المطلوبة لتشغيلها. كما أن تطوير نماذج متخصصة أصغر حجمًا يمكن أن يكون أكثر كفاءة من استخدام نماذج ضخمة لجميع المهام، خصوصًا عندما تكون المهمة محددة ولا تحتاج إلى القدرات الكاملة للنموذج الأكبر. وتندرج ضمن هذا الاتجاه تقنيات ضغط النماذج، والتكميم، وتحسين الخوارزميات، واستخدام العتاد المتخصص، وهي مجالات أصبحت جزءًا أساسيًا من سباق تطوير الذكاء الاصطناعي.

أما على مستوى مراكز البيانات نفسها، فتتجه الصناعة إلى تحسين أنظمة التبريد وإدارة الطاقة، واستخدام تقنيات التبريد السائل في التطبيقات ذات الكثافة الحاسوبية المرتفعة، وتحسين توزيع الأحمال بين الخوادم، والاستفادة من فترات انخفاض الضغط على الشبكات الكهربائية. ويمكن للذكاء الاصطناعي نفسه أن يؤدي دورًا في هذه العملية من خلال التنبؤ بالطلب وإدارة الأحمال وتحسين تشغيل أنظمة التبريد والطاقة، وهو ما يجعل العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والطاقة علاقة ذات اتجاهين: التكنولوجيا ترفع الطلب على الكهرباء، لكنها يمكن في الوقت نفسه أن تساعد على تشغيل أنظمة الطاقة بصورة أكثر كفاءة.

وتشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة إلى أن مصادر الطاقة المتجددة ستكون عنصرًا محوريًا في تلبية الزيادة المقبلة في الطلب، لكن الاعتماد على الطاقة الشمسية والرياح وحدهما لا يحل جميع المشكلات. فمراكز البيانات تحتاج إلى كهرباء موثوقة على مدار الساعة، بينما تتغير إتاحة بعض مصادر الطاقة المتجددة وفقًا للطقس والوقت. ومن هنا تبرز أهمية تخزين الكهرباء، وتطوير الشبكات، وإدارة الأحمال، وربط مراكز البيانات بمصادر نظيفة، إلى جانب دور محتمل للطاقة النووية ومصادر أخرى منخفضة الانبعاثات في بعض الدول والمناطق.

والحل لا يتعلق بالطاقة وحدها، بل بالتخطيط أيضًا. فمركز البيانات لا يمكن أن يُبنى في أي مكان ثم يُترك لشبكة الكهرباء كي تتعامل مع آثاره. وتشير الوكالة الدولية للطاقة إلى أن نحو 20% من مشروعات مراكز البيانات المخطط لها قد تواجه خطر التأخير إذا لم تُعالج قيود الشبكات والبنية التحتية. وهذا يوضح أن التوسع السريع في الذكاء الاصطناعي أصبح قضية تخطيط للطاقة والصناعة والمياه والأرض، وليس مجرد قضية تخص شركات التكنولوجيا.

حين تتحول مراكز البيانات إلى قضية طاقة وطنية
وتكشف التجربة الأمريكية عن حجم التحول الجاري. فقد قدّر مختبر لورنس بيركلي الوطني أن مراكز البيانات استهلكت نحو 176 تيراواط/ساعة من الكهرباء في الولايات المتحدة عام 2023، بما يعادل نحو 4.4% من استهلاك الكهرباء الأمريكي، بعدما كان الاستهلاك نحو 58 تيراواط/ساعة في 2014. ويتوقع التقرير أن يرتفع الاستهلاك إلى نطاق يتراوح بين 325 و580 تيراواط/ساعة بحلول 2028، وهو نطاق واسع يعكس عدم اليقين المرتبط بسرعة انتشار الذكاء الاصطناعي وتطور كفاءة المعدات ونمو الطلب على الخدمات الرقمية.

وتكشف هذه الأرقام عن مشكلة أعمق من مجرد ارتفاع فاتورة الكهرباء. فمراكز البيانات الحديثة تحتاج إلى كميات هائلة من الطاقة في مناطق محددة، الأمر الذي قد يفرض توسعات في محطات التوليد وشبكات النقل والمحولات والبنية التحتية الكهربائية. وفي الوقت نفسه، يمكن أن تؤدي المنافسة على الكهرباء والمياه والأراضي إلى توترات محلية، خصوصًا عندما لا تتناسب سرعة إنشاء مراكز البيانات مع سرعة تطوير البنية التحتية العامة. ولذلك أصبح من الضروري أن تدخل تكلفة الطاقة والبنية التحتية والآثار البيئية في عملية التخطيط منذ البداية، بدل أن تتحول هذه التكاليف لاحقًا إلى أعباء يتحملها المجتمع.

لكن من المهم أيضًا ألا تتحول هذه الصورة إلى سردية مضادة للذكاء الاصطناعي. فحتى مع النمو السريع في استهلاك مراكز البيانات، تشير الوكالة الدولية للطاقة إلى أن هذا القطاع سيظل مسؤولًا عن جزء محدود من نمو الطلب العالمي على الكهرباء مقارنة بعوامل أخرى، وإن كان تأثيره أكثر وضوحًا في بعض الاقتصادات المتقدمة والمناطق التي تتركز فيها المنشآت. وفي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، يُتوقع أن تمثل مراكز البيانات قرابة نصف الزيادة في الطلب على الكهرباء حتى عام 2030، وهو أمر يجعل القضية شديدة الأهمية على المستوى المحلي حتى لو ظل نصيبها العالمي محدودًا نسبيًا.

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يساعد في إنقاذ المناخ؟
المفارقة الأكبر أن الأداة التي نخشاها بسبب استهلاكها للطاقة قد تكون في الوقت نفسه واحدة من الأدوات التي تساعد على خفض استهلاك الطاقة والانبعاثات في قطاعات أخرى. فالذكاء الاصطناعي يستطيع تحسين التنبؤ بإنتاج الطاقة الشمسية والرياح، وإدارة شبكات الكهرباء، وتحسين توزيع الأحمال، واكتشاف الأعطال قبل حدوثها، وتقليل الهدر في المصانع، وتحسين كفاءة المباني وأنظمة التكييف والنقل. كما يمكن استخدامه في تسريع البحث عن مواد جديدة للبطاريات والطاقة الشمسية، وتحسين العمليات الصناعية والزراعية، وتحليل البيانات المناخية والبيئية على نطاق لم يكن ممكنًا بالوسائل التقليدية.

لكن هذه الإمكانات لا ينبغي أن تتحول إلى وعد تلقائي بأن الذكاء الاصطناعي «سيعوض» أثره البيئي. فالفائدة المناخية لا تتحقق بمجرد امتلاك التقنية، وإنما عندما يُستخدم الذكاء الاصطناعي في تطبيقات تحقق بالفعل خفضًا في استهلاك الطاقة أو المواد أو الانبعاثات أكبر من الموارد اللازمة لتشغيلها. ولذلك فإن تقييم أثر الذكاء الاصطناعي يجب أن ينتقل من سؤال بسيط عن استهلاك مركز البيانات إلى تقييم أكثر شمولًا يقارن بين التكلفة البيئية للتكنولوجيا والمنافع التي تحققها في القطاعات الأخرى.

وتزداد أهمية هذا التمييز مع دخول الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة من الاستخدام. فقد أظهرت تحليلات الوكالة الدولية للطاقة المنشورة في أبريل 2026 أن استهلاك الكهرباء لمراكز البيانات ارتفع بنحو 17% خلال عام 2025، بينما نما استهلاك مراكز البيانات المخصصة للذكاء الاصطناعي بسرعة أكبر بكثير. وفي الوقت نفسه، تراجع استهلاك الطاقة لكل مهمة من مهام الذكاء الاصطناعي بسرعة، وهو ما يوضح مرة أخرى أن الكفاءة التقنية وحدها لا تحدد النتيجة النهائية؛ إذ يمكن أن يؤدي انخفاض تكلفة العملية إلى زيادة استخدامها وانتشارها على نطاق أوسع.

ذكاء اصطناعي أخضر
لقد دخلنا بالفعل مرحلة لم يعد فيها من الممكن فصل الثورة الرقمية عن قضية الطاقة والمناخ. فالذكاء الاصطناعي ليس مجرد برمجيات تعمل في فضاء افتراضي، وإنما منظومة مادية كاملة تمتد من المناجم التي توفر المواد الخام إلى مصانع الرقائق، ومن شبكات الاتصالات إلى مراكز البيانات، ومن محطات توليد الكهرباء إلى أنظمة التبريد والتخزين. وكلما ازداد اعتماد المجتمع على الذكاء الاصطناعي، أصبحت الحاجة أكبر إلى أن تكون هذه المنظومة نفسها أكثر استدامة.

ومن هنا فإن الطريق إلى «ذكاء اصطناعي أخضر» لا يمر عبر حل واحد سحري، بل عبر منظومة متكاملة تبدأ من تصميم الرقائق والخوارزميات الأكثر كفاءة، وتمر بمراكز بيانات أكثر ذكاءً في إدارة الطاقة والتبريد، وشبكات كهرباء أكثر مرونة، ومصادر طاقة منخفضة الانبعاثات، وأنظمة تخزين مناسبة، وسياسات شفافة لقياس استهلاك الطاقة والمياه والانبعاثات. كما تحتاج إلى قواعد واضحة تمنع تحميل المجتمعات المحلية تكلفة التوسع الرقمي من دون تخطيط أو رقابة بيئية كافية.

والأهم من ذلك كله هو أن نتخلى عن الفكرة السهلة التي تقول إن التكنولوجيا إما «منقذ» للمناخ أو «عدو» له. الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أحد الاثنين، تبعًا للطريقة التي نصممه ونستخدمه ونحكم توسعه بها. فزيادة الكفاءة قد تقلل الطاقة المطلوبة لكل عملية، والطاقة المتجددة قد تخفض الانبعاثات المرتبطة بالتشغيل، والذكاء الاصطناعي قد يساعد على تحسين شبكات الكهرباء والصناعة، لكن النمو الهائل في الطلب يمكن أن يلتهم جزءًا من هذه المكاسب إذا لم يصاحبه تخطيط رشيد.

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأكثر أهمية هو: «كم تستهلك إجابة واحدة من الذكاء الاصطناعي من الكهرباء؟»، بل: «أي نوع من العالم نبني ونحن نوسع هذه التكنولوجيا؟». فإذا كان الذكاء الاصطناعي سيصبح أحد أهم محركات الاقتصاد والمعرفة في القرن الحادي والعشرين، فمن المنطقي أن نطالبه منذ الآن بأن يكون جزءًا من الحل البيئي لا عبئًا جديدًا عليه. فالثورة الرقمية المستدامة لا تبدأ من الشاشة التي نراها أمامنا، وإنما من مراكز البيانات التي لا نراها، ومن الكهرباء التي تغذيها، ومن القرارات التي نضعها اليوم حتى لا ندفع ثمنها غدًا.

إن إنقاذ المناخ لن يكون بإطفاء الحواسيب، كما أن حماية المستقبل الرقمي لن تكون بإغماض أعيننا عن كلفته البيئية. الطريق الحقيقي يقع في المنطقة الفاصلة بين الاثنين: أن نجعل الحوسبة أكثر كفاءة، والطاقة أكثر نظافة، والشبكات أكثر ذكاءً، والقرارات أكثر شفافية، وأن نتأكد من أن كل قفزة جديدة في قدرات الآلة لا تعني بالضرورة خطوة إلى الوراء بالنسبة إلى الكوكب.

هاشتاجات:
#الوجه_الخفي_للذكاء_الاصطناعي – #مراكز_البيانات – #التكلفة_البيئية_للثورة_الرقمية – #الانبعاثات_الكربونية – #التكنولوجيا_الخضراء – #التغير_المناخي – #الاستدامة_الرقمية – #الحوسبة_السحابية – #الذكاء_الاصطناعي_التوليدي – #الطاقة_النظيفة – #الحوسبة_الخضراء – #الوعي_العلمي – #شبكة_بيئة_أبوظبي – #الدكتور_طارق_قابيل

(*) الكاتب: د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– عضو هيئة المكتب، ومقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

المرحوم حسام حسن علي غالب… ذاكرة علمية في خدمة نخيل التمر

• باحث وأكاديمي موسوعي ترك إرثاً علمياً في توثيق أصناف النخيل وزراعتها وخدمتها في دولة …

اترك تعليقاً