مصر تقود مسيرة العالم نحو استعادة النظم البيئية ومكافحة التصحر في قمة “كوب18”
شبكة بيئة ابوظبي، د. طارق قابيل (*)، القاهرة، جمهورية مصر العربية، 01 سبتمبر 2026
حين نتأمل خريطة الحياة على كوكب الأرض، تبدو التربة في ظاهرها مجرد طبقة رقيقة تغطي اليابسة، لكنها في الحقيقة أحد أعقد الأنظمة الحية التي قامت عليها الحضارات واستمرت بفضلها المجتمعات. ففي هذه الطبقة تتفاعل الكائنات الدقيقة مع المعادن والمادة العضوية والماء والجذور، ومنها تبدأ سلاسل غذائية كاملة، وتتشكل قدرة النظم البيئية على تخزين الكربون وتنظيم دورة المياه وإنتاج الغذاء ودعم التنوع الحيوي. ولذلك فإن فقدان خصوبة الأرض أو تدهور الغطاء النباتي ليس مجرد مشكلة زراعية محلية، وإنما اضطراب يصيب شبكة واسعة من العلاقات البيئية والاقتصادية والاجتماعية التي يعتمد عليها الإنسان.
غير أن هذه الشبكة تتعرض لضغوط متزايدة بفعل تغير المناخ، وتدهور الأراضي، والاستخدام غير المستدام للموارد الطبيعية، والتوسع العمراني والزراعي غير المخطط في بعض المناطق، إلى جانب أنماط الرعي وإدارة المياه التي قد تصبح غير ملائمة عندما تتغير الظروف المناخية. وتقدر اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر أن ما يصل إلى نحو 40% من أراضي العالم يعاني من التدهور، بما ينعكس على مليارات البشر وعلى قدرة النظم البيئية على توفير خدماتها الأساسية.
ومن هنا تأتي أهمية اللحظة التي يعيشها العالم الآن. فبعد اختتام الدورة السابعة عشرة لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر في العاصمة المنغولية أولان باتور في 28 أغسطس 2026، انتقل مركز الاهتمام الدولي تدريجياً من إعلان المخاطر إلى البحث عن آليات عملية للتمويل والتنفيذ واستعادة الأراضي وتعزيز القدرة على مواجهة الجفاف. وبينما كانت منغوليا تستضيف هذا النقاش في قلب واحدة من أكثر البيئات تعرضاً لتدهور الأراضي والتصحر، كانت الأنظار تتجه في الوقت نفسه إلى المحطة التالية: مصر، التي اختيرت لاستضافة الدورة الثامنة عشرة للمؤتمر في شرم الشيخ عام 2028.
وهنا تكتسب الاستضافة المصرية معنى يتجاوز مجرد تنظيم مؤتمر دولي؛ فمصر، التي نشأت حضارتها على العلاقة الدقيقة بين الماء والأرض والزراعة، تجد نفسها أمام فرصة لتقديم تجربتها وتحدياتها ورؤيتها في قلب حوار عالمي يبحث عن كيفية إدارة الموارد الطبيعية في عالم أكثر جفافاً وضغطاً على المياه والأراضي. وإذا كان شعار المرحلة المقبلة هو الانتقال من التعهدات إلى التنفيذ، فإن شرم الشيخ يمكن أن تكون مساحة مهمة لاختبار قدرة المجتمع الدولي على تحويل هذا الشعار إلى مشروعات قابلة للقياس، ومؤشرات واضحة للأثر، واستثمارات تصل بالفعل إلى المجتمعات التي تعيش على الأرض وتديرها.
من أولان باتور إلى شرم الشيخ
لم يكن مؤتمر “كوب17” في أولان باتور مجرد محطة تفاوضية أخرى في المسار الطويل لمكافحة التصحر، فقد جاء في لحظة أصبحت فيها العلاقة بين الأرض والمياه والمناخ والأمن الغذائي أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. وقد ركز المؤتمر على استعادة الأراضي، والقدرة على الصمود أمام الجفاف، وإدارة المياه، والنظم الرعوية، والنظم الغذائية، مع تأكيد متكرر على أن النجاح لن يقاس بعدد البيانات والالتزامات التي تصدر عن المؤتمرات، وإنما بما يصل إلى المزارع والراعي والمجتمع المحلي من حلول وتمويل وقدرات فنية.
وكان أحد أبرز التطورات التي خرج بها المؤتمر إنشاء محفظة استثمارية تصل قيمتها إلى نحو 1.3 مليار دولار لدعم استعادة الأراضي والقدرة على الصمود أمام الجفاف في 23 دولة عبر خمس قارات، في إشارة مهمة إلى محاولة تضييق الفجوة بين الحاجة الهائلة إلى تمويل استعادة الأراضي وبين الموارد المتاحة فعلياً. كما أطلقت الاتفاقية مرفق الاستثمار في القدرة على الصمود أمام الجفاف، المعروف باسم DRIF، بهدف تعبئة رأس المال العام والخاص وتوجيهه نحو مشروعات تتعلق بالمرونة أمام الجفاف والبنية الأساسية للمياه واستعادة الأراضي. وتشير المعلومات الصادرة عن الاتفاقية إلى أن المرفق يستهدف تعبئة ما يصل إلى 400 مليون دولار من رأس المال العام والخاص.
ولا ينبغي النظر إلى هذه الأرقام باعتبارها حلاً نهائياً لأزمة تمويل استعادة الأراضي، وإنما بوصفها محاولة لبناء أدوات مالية أكثر قدرة على جذب الاستثمارات وتوجيهها نحو مشروعات ذات أثر بيئي واجتماعي. فاستعادة الأرض عملية طويلة الأمد، ولا يمكن اختزال نجاحها في حجم الأموال المعلنة وحده؛ إذ يتوقف الأثر الحقيقي على جودة المشروعات، وملاءمتها للظروف المحلية، وقدرتها على الاستمرار، وعلى وجود نظم متابعة وقياس تكشف ما إذا كانت التربة والمياه والغطاء النباتي وسبل معيشة السكان تتحسن بالفعل
.
ومن هذه الزاوية تحديداً تبدو أهمية المحطة المصرية المقبلة. فالتحدي أمام “كوب18” لن يكون إعادة إنتاج لغة المؤتمرات السابقة، بل البناء على ما تم الاتفاق عليه في أولان باتور، وتحويل المبادرات المالية والسياساتية إلى مسارات تنفيذ يمكن متابعتها ومساءلتها وقياس نتائجها.
المراعي.. نصف اليابسة الذي لا يمكن تجاهله
ربما كان أحد أكثر التحولات أهمية في النقاش الدولي الأخير هو إعادة اكتشاف القيمة الاستراتيجية للمراعي. فهذه النظم البيئية الواسعة، التي تشمل الأراضي العشبية والشجيرات وبعض النظم الجافة وشبه الجافة وغيرها من المناظر الرعوية، تغطي أكثر من نصف مساحة اليابسة على الكوكب، وتدعم سبل عيش نحو 500 مليون راعٍ بصورة مباشرة، بينما تمتد فوائدها الاقتصادية والغذائية إلى مجتمعات أكبر بكثير. وتوضح بيانات اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر أن المراعي تغطي نحو 54% من سطح اليابسة، وتوفر بصورة مباشرة جزءاً مهماً من سبل المعيشة والغذاء، إلا أنها لا تزال من أكثر النظم البيئية تعرضاً للتقليل من قيمتها في السياسات والاستثمارات.
وتزداد أهمية هذه المسألة لأن تدهور المراعي لا يعني فقدان الغطاء النباتي فقط، بل يمكن أن ينعكس على إنتاج الغذاء، ودورة المياه، والتنوع البيولوجي، وتخزين الكربون، واستقرار المجتمعات الرعوية. وتشير تقديرات منشورة ضمن أعمال الاتفاقية إلى أن نسبة كبيرة من المراعي العالمية تعاني من درجات مختلفة من التدهور، نتيجة تداخل عوامل مثل الرعي غير المستدام وتغير استخدامات الأراضي وتغير المناخ. وفي المقابل، تظهر دراسات اقتصادية حديثة أن استعادة المراعي يمكن أن تحقق عوائد كبيرة؛ إذ تشير التقديرات إلى أن كل دولار يستثمر في الاستعادة قد يحقق في المتوسط عائداً يتراوح بين أربعة وستة دولارات، بينما يمكن أن ترتفع العوائد بصورة أكبر عندما تُحسب المنافع العامة المرتبطة بالمياه والتنوع الحيوي وخدمات النظم البيئية.
ولذلك اكتسبت المراعي موقعاً مركزياً في “كوب17″، خصوصاً مع إعلان مبادرات تستهدف تعبئة الاستثمارات لصالح هذه النظم ودعم المجتمعات الرعوية. والأهم من الجانب المالي هو التحول في النظرة إلى الرعاة أنفسهم؛ فبدلاً من التعامل معهم باعتبارهم مجرد مستفيدين من برامج الاستعادة، تتجه الرؤية الحديثة إلى اعتبار معارفهم المحلية وخبراتهم في إدارة الأراضي جزءاً من الحل. وهذا تحول مهم لأن استعادة النظم البيئية لا يمكن أن تنجح إذا جاءت مفروضة من أعلى ومنفصلة عن المجتمعات التي تعيش داخل هذه النظم وتعتمد عليها.
الجفاف.. من إدارة الكارثة إلى بناء القدرة على الصمود
أما الجفاف، فهو الوجه الآخر لأزمة تدهور الأراضي، وربما أكثرها وضوحاً في حياة الناس اليومية. فحين تتراجع الأمطار أو ترتفع درجات الحرارة أو تتدهور قدرة التربة على الاحتفاظ بالماء، لا تتوقف المشكلة عند انخفاض المحاصيل، بل تمتد إلى مصادر المياه والثروة الحيوانية والنظم البيئية والصحة العامة والدخل والاستقرار الاجتماعي. ومع تغير المناخ وتزايد الضغوط على الأراضي والمياه، أصبح من الضروري التعامل مع الجفاف باعتباره خطراً يمكن الاستعداد له والتقليل من آثاره، لا مجرد كارثة ننتظر وقوعها ثم نستجيب لها.
وقد أكد برنامج “كوب17” أهمية الإنذار المبكر والاستعداد المسبق والعمل الاستباقي، إلى جانب الحاجة إلى تمويل أكثر مرونة وقدرة على توجيه الاستثمارات نحو البنية الأساسية للمياه واستعادة الأراضي وبناء قدرة المجتمعات على التكيف. وفي هذا السياق جاء إطلاق مرفق الاستثمار في القدرة على الصمود أمام الجفاف DRIF ليشكل محاولة لربط السياسات الخاصة بالجفاف بالتمويل والاستثمار، بدلاً من إبقاء إدارة الجفاف في نطاق الاستجابة الطارئة فقط.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة بالنسبة للدول العربية والأفريقية، حيث تتقاطع ندرة المياه مع ارتفاع الطلب على الغذاء وتغير المناخ وتدهور الأراضي. وفي هذا السياق طرحت مصر خلال مشاركتها في “كوب17″رؤية تؤكد الترابط بين المياه والأراضي والجفاف، وتدعو إلى رفع كفاءة استخدام المياه، وتعزيز حصاد مياه الأمطار، وحماية المياه الجوفية، والتوسع في إعادة الاستخدام، وربط استعادة النظم البيئية بإدارة المياه والاستثمار وبناء القدرات.
وهذه الرؤية المتكاملة تبدو شديدة الأهمية في المرحلة المقبلة، لأن معالجة كل مشكلة بمعزل عن الأخرى قد تنتج حلولاً جزئية. فلا يمكن مثلاً استعادة أرض متدهورة من دون التفكير في مصدر المياه واستدامته، ولا يمكن زيادة إنتاج الغذاء في المناطق الجافة دون مراعاة قدرة النظام البيئي على تحمل الضغط، ولا يمكن حماية المياه الجوفية من دون تنظيم استخدامات الأرض التي تقع فوقها.
البرازيل وآسيا الوسطى.. دروس من التجارب الوطنية
تؤكد التجارب الدولية أن استعادة الأراضي ليست مشروعاً عالمياً موحداً يمكن تطبيق وصفته في كل مكان، وإنما عملية تعتمد على طبيعة النظم البيئية والمؤسسات والاقتصاد المحلي وأنماط استخدام الأرض. وفي هذا السياق برزت خلال “كوب17” تجارب وطنية مختلفة يمكن أن تقدم دروساً مفيدة، من بينها البرازيل التي قدمت هدفاً طوعياً طموحاً للحياد في تدهور الأراضي بحلول عام 2030، يغطي مساحة تقارب 3.67 مليون كيلومتر مربع ضمن مجموعة من التدخلات المتعلقة باستعادة الغطاء النباتي والإدارة المستدامة للأراضي. كما أشارت مخرجات المؤتمر إلى أن دول آسيا الوسطى أحرزت تقدماً ملموساً في تنفيذ أهدافها الطوعية المتعلقة بالحياد في تدهور الأراضي.
ولا تكمن قيمة هذه التجارب في الأرقام وحدها، وإنما في الرسالة الأوسع التي تحملها: فالأهداف الدولية لا تتحول إلى واقع إلا عندما تتبناها سياسات وطنية واضحة، وتُترجم إلى برامج تنفيذية، وتُدعَم بالبيانات والتمويل والمؤسسات القادرة على المتابعة. كما أن نجاح الاستعادة يحتاج إلى مؤشرات علمية تتجاوز مجرد زيادة المساحات الخضراء؛ فصحة التربة، وكفاءة استخدام المياه، واستعادة التنوع الحيوي، ومعدل بقاء النباتات، وتحسن الإنتاجية، واستقرار دخل المجتمعات المحلية، كلها مؤشرات أكثر قدرة على قياس ما إذا كانت عملية الاستعادة قد نجحت بالفعل.
فرصة لصياغة أجندة عربية وأفريقية للأرض والماء
من هنا تكتسب استضافة مصر للدورة الثامنة عشرة لمؤتمر الأطراف في شرم الشيخ عام 2028 أهمية خاصة. فقد جاءت الاستضافة في أعقاب “كوب17” في أولان باتور، وفي سياق دولي يسعى إلى البناء على النتائج المتعلقة باستعادة الأراضي والقدرة على الصمود أمام الجفاف. وأكدت مصر، خلال مشاركتها في المؤتمر، أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تعزيز التعاون الدولي واعتماد مقاربة متكاملة تربط تدهور الأراضي بتغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي وأمن المياه والغذاء.
وتمتلك مصر في هذا المجال مزيجاً فريداً من الخبرة والتحدي. فبلد نشأ تاريخياً حول نهر النيل يواجه في الوقت نفسه ضغوطاً متزايدة على موارده المائية، وتوسعاً سكانياً وعمرانياً، واحتياجات غذائية متنامية، وتأثيرات محتملة لتغير المناخ، في حين تشغل البيئات الصحراوية وشبه الصحراوية مساحة واسعة من أراضيه. ولهذا فإن التجربة المصرية لا ينبغي أن تقدم باعتبارها نموذجاً مثالياً خالياً من التحديات، وإنما باعتبارها مختبراً حياً لكيفية التوفيق بين محدودية الموارد والحاجة إلى التنمية وحماية النظم البيئية.
وقد تكون إحدى أهم الرسائل التي يمكن أن تحملها مصر إلى “كوب18” هي أن أمن المياه وأمن الغذاء واستعادة الأراضي ليست ملفات منفصلة. فالسياسات الزراعية تؤثر في المياه، وإدارة المياه تؤثر في التربة والنظم البيئية، وتدهور الأراضي يؤثر في الإنتاج الغذائي، بينما يؤثر تغير المناخ في جميع هذه الحلقات في الوقت نفسه. ومن ثم فإن التخطيط المتكامل، المدعوم بالبيانات والاستشعار عن بعد والنمذجة الرقمية والابتكار الزراعي والتقنيات الحيوية المناسبة، يمكن أن يفتح مسارات جديدة لإدارة الموارد المحدودة بكفاءة أعلى.
وهنا يمكن للتقنية الحيوية أن تجد لنفسها موقعاً مهماً، ولكن ضمن إطار علمي واقعي لا يبالغ في قدراتها. فالتقنيات الحيوية الزراعية والميكروبية يمكن أن تساعد في تحسين خصوبة التربة، وتطوير الكائنات الدقيقة النافعة، وزيادة كفاءة استخدام العناصر الغذائية والمياه، ودعم النباتات في ظروف الإجهاد، كما يمكن أن تسهم تقنيات التحليل الجزيئي والميتاجينوميات والبيانات متعددة المصادر في فهم التفاعلات المعقدة داخل التربة والنظم البيئية. إلا أن هذه الأدوات لا تمثل حلاً سحرياً للتصحر؛ فقيمتها الحقيقية تظهر عندما تُدمج مع الإدارة الرشيدة للمياه والتربة، والحفاظ على التنوع الحيوي، والتخطيط المكاني، والمعرفة المحلية، والسياسات الاقتصادية الملائمة.
من شرم الشيخ إلى محراب الأرض الخضراء
إن المعركة ضد التصحر ليست معركة بين الإنسان والصحراء بالمعنى المبسط، وإنما هي معركة من أجل الحفاظ على قدرة الأرض على الاستمرار في أداء وظائفها الحيوية والإنتاجية. فالهدف ليس تحويل كل مساحة جافة إلى غابة، ولا يمكن اختزال استعادة النظم البيئية في زراعة أكبر عدد ممكن من الأشجار، لأن النظم البيئية تختلف في طبيعتها، وبعض البيئات الجافة تمتلك توازناً بيئياً خاصاً بها لا ينبغي تدميره باسم التشجير. المطلوب هو استعادة الوظائف البيئية للأرض بما يتناسب مع طبيعتها، وتحقيق توازن واقعي بين احتياجات الإنسان وقدرة النظام الطبيعي على التجدد.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للانتقال من أولان باتور إلى شرم الشيخ. فقد أظهر “كوب17” أن المجتمع الدولي يمتلك بالفعل مجموعة متزايدة من المبادرات والأدوات المالية والمعارف العلمية، وأن التحدي الأكبر أصبح في ربط هذه الأدوات بالتنفيذ الفعلي. وتشير نتائج المؤتمر إلى محفظة استثمارية بقيمة 1.3 مليار دولار لاستعادة الأراضي والقدرة على الصمود أمام الجفاف، ومبادرات جديدة للمراعي، ومرفق استثماري للجفاف، إلى جانب تركيز أكبر على دور الحكومات المحلية والمجتمعات التي تدير الأرض فعلياً.
وإذا أرادت مصر أن تجعل “كوب18” علامة فارقة، فإن الفرصة أمامها تتمثل في تحويل المؤتمر من منصة لإعادة عرض المخاطر إلى منصة لقياس التقدم وتبادل التجارب وربط التمويل بالنتائج. ويمكن أن تكون الأولوية العربية والأفريقية في هذه المرحلة هي بناء قدرات علمية ومؤسسية مشتركة لمراقبة تدهور الأراضي، وتطوير نظم إنذار مبكر للجفاف، وتحسين إدارة المياه، وتعزيز استعادة المراعي والنظم الزراعية المتدهورة، وتوسيع مشاركة المجتمعات المحلية والرعاة والشباب والباحثين في صناعة القرار.
كما أن الاستثمار في التعليم والبحث العلمي يجب ألا يكون بعيداً عن هذه الأجندة. فالأرض المستدامة تحتاج إلى علماء قادرين على قراءة بيانات الأقمار الصناعية وتحليل التربة والميكروبيوم، ومهندسين يطورون نظم ري أكثر كفاءة، ومزارعين يحصلون على المعرفة والتقنيات المناسبة، وصناع سياسات يستطيعون تحويل نتائج البحوث إلى قرارات، ومجتمعات محلية تمتلك صوتاً حقيقياً في تحديد أولويات استعادة أراضيها.
إن مصر حين تستقبل العالم في شرم الشيخ عام 2028 لن تكون مطالبة بأن تقدم إجابة واحدة عن سؤال التصحر، فليس هناك حل واحد يناسب كل الأراضي وكل المجتمعات. لكنها ستكون أمام فرصة لتقود حواراً جديداً حول سؤال أكثر واقعية: كيف نعيد إلى الأرض قدرتها على الحياة والإنتاج، وكيف نجعل استعادة النظم البيئية جزءاً من الاقتصاد والأمن الغذائي والمائي، وليس مجرد ملف بيئي منفصل؟
من ضفاف النيل، حيث تعلم الإنسان منذ آلاف السنين أن ازدهار الحضارة يبدأ من حسن إدارة الماء والأرض، يمكن أن تنطلق رسالة جديدة إلى العالم: إن استعادة الأرض ليست عودة إلى الماضي، بل استثمار في المستقبل. وإذا كان أولان باتور قد وضع المجتمع الدولي أمام ضرورة الانتقال من التعهد إلى التنفيذ، فإن شرم الشيخ يمكن أن تكون محطة لاختبار مدى نجاح هذا الانتقال. وفي ذلك تكمن قيمة “كوب18” الحقيقية؛ ليس في عدد الوفود التي ستجتمع، ولا في البيانات التي ستصدر، وإنما في مقدار الأرض التي ستستعيد عافيتها، والمياه التي ستُدار بكفاءة أكبر، والمجتمعات التي ستصبح أكثر قدرة على مواجهة الجفاف، والأنظمة البيئية التي ستستعيد قدرتها على احتضان الحياة.
ذلك هو محراب الأرض الخضراء الذي يستحق أن نلتقي فيه؛ محراب لا تُعبد فيه الطبيعة بوصفها فكرة مجردة، ولا تُستنزف باعتبارها مخزوناً لا ينضب، وإنما تُعامل باعتبارها شريكاً في بقاء الإنسان واستمرار الحضارة.
هاشتاجات:
#مكافحة_التصحر #تدهور_الأراضي #مصر #شرم_الشيخ #استعادة_النظم_البيئية #الجفاف #الأمن_الغذائي #الأمن_المائي #التنوع_البيولوجي #التنمية_المستدامة #التقنية_الحيوية #استعادة_الأراضي
***
(*) الكاتب د. طارق قابيل
– أكاديمي، خبير التقنية الحيوية، كاتب ومحرر ومترجم علمي، ومستشار في الصحافة العلمية والتواصل العلمي.
– أستاذ جامعي متفرغ، وعضو هيئة التدريس بقسم التقنية الحيوية – كلية العلوم – جامعة القاهرة.
– عضو هيئة المكتب، ومقرر لجنة الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والثقافة العلمية والدراسات الاستراتيجية ومؤشرات العلوم والتكنولوجي، وزميل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– أمين مجلس بحوث الثقافة والمعرفة، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي – مصر.
– الباحث الرئيسي لمشروع خارطة طريق “مستقبل التواصل العلمي في مصر ودوره في الاعلام العلمي”، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مصر.
– السفير الإقليمي للاقتصاد الدائري والمواد المستدامة لمنظمة “سستينابلتي جلوبال” (Sustainability Global)، فينا، النمسا.
– عضو المجموعة الاستشارية العربية للعلوم والتكنولوجيا، التابعة للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث للدول العربية.
https://orcid.org/0000-0002-2213-8911
http://scholar.cu.edu.eg/tkapiel
tkapiel@sci.cu.edu.eg
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز