شبكة بيئة ابوظبي، بقلم المهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي، 10 نوفمبر 2025
حين تعلن دولة الإمارات عاماً وطنياً للأسرة، فإنها لا تحتفي بمؤسسة اجتماعية فحسب، بل تعيد توجيه الانتباه إلى المكان الذي يبدأ منه بناء الإنسان، وتتشكل فيه القيم، وتُصنع فيه ملامح المجتمع والمستقبل.
وبناءً على توجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، حفظه الله، وضمن مبادرة «أعوام الإمارات»، جاء تخصيص عام 2026 للأسرة ليؤكد رؤية وطنية عميقة ترى أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بما تمتلكه من اقتصاد متقدم وبنية تحتية وتكنولوجيا ومؤسسات، وإنما أيضاً بقوة أسرها، وتماسك مجتمعها، ونوعية الإنسان الذي تبنيه للمستقبل.
فالأسرة ليست مجرد إطار اجتماعي يجمع أفراداً تحت سقف واحد؛ إنها المؤسسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معنى الانتماء والمسؤولية والتعاون والاحترام والعطاء. وفيها تتشكل شخصية الطفل، وتترسخ عاداته، وتتكون نظرته إلى ذاته وإلى الآخرين وإلى وطنه.
الأسرة… رأس مال وطني
في الأدبيات الاقتصادية نتحدث عن رأس المال المالي والبشري والاجتماعي والطبيعي، لكن خلف هذه الأشكال جميعها توجد مؤسسة تصنع جزءاً مهماً منها منذ البداية: الأسرة.
فالأسرة المستقرة تبني الإنسان القادر على التعلم والعمل والإبداع. والأسرة المتماسكة تعزز الثقة والتكافل والتواصل بين أفراد المجتمع. والأسرة الواعية تزرع قيم المسؤولية واحترام الموارد والعمل والعطاء.
ومن هنا يمكن النظر إلى الاستثمار في الأسرة باعتباره استثماراً طويل الأجل في رأس المال البشري والاجتماعي للدولة.
وهذه النظرة تمنح «عام الأسرة 2026» معنى يتجاوز الاحتفاء الرمزي، ليصبح فرصة للتفكير في السؤال الأهم:
أي أسرة نريد أن نبني للمستقبل؟
القيم لا تنتقل تلقائياً بين الأجيال
يتميز مجتمع الإمارات بمنظومة راسخة من القيم الأصيلة؛ في مقدمتها التماسك الأسري، والتكافل، والتواصل، واحترام الكبير، والعطاء، والتسامح، والانتماء إلى الوطن.
لكن المحافظة على هذه القيم في عالم سريع التحول تحتاج إلى جهد واعٍ ومستمر.
فالأجيال الجديدة تنشأ اليوم في بيئة مختلفة جذرياً عن البيئة التي نشأت فيها الأجيال السابقة. التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل والتحولات الثقافية وأنماط العمل والاستهلاك الجديدة تعيد تشكيل الحياة اليومية داخل الأسرة نفسها.
ولهذا فإن أحد أهم تحديات الأسرة المعاصرة هو كيف نحافظ على القيم دون أن ننفصل عن المستقبل؟ وكيف ننفتح على التكنولوجيا دون أن نفقد التواصل الإنساني؟
التحدي ليس الاختيار بين الأصالة والحداثة، وإنما بناء أسرة قادرة على الجمع بينهما.
الأسرة أول مدرسة للاستدامة
وهناك بعد آخر أراه شديد الأهمية في عام الأسرة، وهو ارتباط الأسرة بالاستدامة.
فنحن نتحدث كثيراً عن تغير المناخ، والأمن الغذائي، والمياه، والطاقة، والاقتصاد الدائري، والنفايات، والاستهلاك المسؤول، لكن جانباً كبيراً من الحلول يبدأ من قرارات صغيرة تتخذ يومياً داخل المنزل.
داخل الأسرة يتعلم الطفل هل يترك الماء جارياً أم يحافظ عليه.
وفيها يتعلم هل يهدر الطعام أم يقدر قيمته.
ومنها يكتسب عاداته تجاه الطاقة والنظافة والنفايات وإعادة الاستخدام والطبيعة.
وفي المنزل تتشكل أيضاً كثير من قرارات الاستهلاك والشراء والغذاء والتنقل.
لذلك فإن الأسرة المستدامة ليست مفهوماً بيئياً فقط؛ إنها أسرة تدرك أثر اختياراتها اليومية على المجتمع والاقتصاد والموارد ومستقبل أبنائها.
وهنا تصبح الأسرة شريكاً حقيقياً في تحقيق التنمية المستدامة، لا مجرد مستفيد من نتائجها.
من الأسرة المتلقية إلى الأسرة الشريكة
من الفرص التي يتيحها عام الأسرة 2026 أيضاً إعادة النظر في الطريقة التي تخاطب بها المؤسسات الأسرة.
فبدلاً من التعامل معها باعتبارها متلقياً للبرامج والخدمات، يمكن الانتقال إلى مفهوم الأسرة الشريكة في التنمية.
أسرة تشارك في العمل التطوعي، وتتبنى أنماط حياة صحية ومستدامة، وتعزز القراءة والمعرفة، وتدعم كبار السن، وتغرس المسؤولية في الأطفال، وتحافظ على الهوية الوطنية، وتشارك في المبادرات المجتمعية.
وهذا التحول مهم؛ لأن المجتمعات المستدامة لا تبنيها الحكومات والمؤسسات وحدها، بل تبنيها شراكة متكاملة بين الدولة والمؤسسات والمجتمع والأسرة والفرد.
الأسرة في عصر الذكاء الاصطناعي
وربما يكون أحد الموضوعات التي تستحق مساحة أكبر خلال عام الأسرة هو مستقبل العلاقة بين الأسرة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
فالتكنولوجيا تمنح الأسرة فرصاً هائلة للتعلم والتواصل والوصول إلى المعرفة، لكنها تطرح في المقابل تحديات تتعلق بوقت الشاشة، والخصوصية، والمحتوى، والعلاقات الاجتماعية، والفجوة الرقمية بين الأجيال.
لذلك نحن بحاجة إلى الانتقال من مفهوم الحماية من التكنولوجيا إلى مفهوم أكثر نضجاً هو الاستخدام الأسري المسؤول للتكنولوجيا.
فالمطلوب ليس بناء جدران بين أطفالنا والعالم الرقمي، بل بناء الوعي والقيم والقدرة على الاختيار داخله.
إذا تغير وعي الأسرة… تغير المجتمع
ربما تكون هذه المعادلة من أبسط الطرق لفهم الأثر الذي يمكن أن يصنعه عام الأسرة:
أسرة واعية → فرد مسؤول → مجتمع متماسك → وطن أكثر استدامة
فالتغيير المجتمعي الكبير لا يبدأ دائماً بقرارات كبيرة؛ بل قد يبدأ من مائدة طعام تجمع الأسرة، أو كتاب يقرأه طفل، أو حوار بين أب وابنه، أو ساعة تقل فيها الشاشات، أو قطرة ماء لا تُهدر، أو طعام نحافظ عليه، أو شجرة تزرعها الأسرة معاً، أو عمل تطوعي يشارك فيه الأبناء مع والديهم.
هذه التفاصيل الصغيرة، عندما تتكرر في آلاف البيوت، تتحول إلى ثقافة مجتمعية.
عام الأسرة… وماذا بعد 2026؟
القيمة الحقيقية لأي عام وطني لا تكمن في عدد الفعاليات التي تنظم خلاله، وإنما في ما يبقى منه بعد انتهائه.
وهنا تكمن الفرصة الكبرى في عام الأسرة 2026.
أن يكون العام نقطة انطلاق لبرامج وممارسات وسياسات وشراكات تستمر بعد انتهاء السنة، وأن نتمكن من قياس أثرها على التماسك الأسري، وجودة الحياة، والتواصل بين الأجيال، والمشاركة المجتمعية، والوعي والاستدامة.
فالنجاح الحقيقي سيكون عندما تتحول رسالة العام:
من مناسبة وطنية إلى ثقافة مستدامة.
لقد بنت الإمارات تجربتها التنموية على الإيمان بالإنسان، والاستثمار في قدراته، وتمكينه من المشاركة في صناعة المستقبل. وعام الأسرة يعيدنا إلى نقطة البداية في هذه الرحلة: البيت الذي يتشكل فيه هذا الإنسان.
لذلك فإن عام الأسرة 2026 ليس عاماً للأسرة وحدها؛ إنه عام للإنسان، والقيم، والهوية، والتماسك الاجتماعي، وجودة الحياة، والاستدامة، والمستقبل.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن نحمله معنا طوال هذا العام:
إذا كنا نريد مجتمعاً أقوى وأكثر وعياً واستدامة بعد عشرين عاماً… فما الذي ينبغي أن نزرعه اليوم داخل أسرنا؟
لأن مستقبل المجتمعات، مهما بلغت من التقدم، يبدأ دائماً من الأسرة.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز