فصول من كتاب «الوطنيّة والمُواطَنة، الإمارات نموذجاً» (29 – 30)

المواطن الإماراتي والخدمة الوطنيّة

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم د. حسن بحمد، الإمارات العربية المتحدة، 29 أغسطس 2026
مثّل قانون الخدمة الوطنية والاحتياطية في دولة الإمارات منعطفًا تاريخيًّا في مسيرة هذا الوطن، حيث جاء التطبيق منسجمًا مع روح أهل الإمارات، وقيم التضحية والعمل والمسؤولية لديهم، وقد نجح نجاحًا منقطع النظير وعلى نطاقات واسعة في كل مراحله، محاطًا بفرح الشباب والأهالي وقيادات وأعيان البلاد.

وكان الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة انذاك ” رحمه الله”، قد أصدر القانون الاتحادي رقم 6 لسنة 2014 بشأن الخدمة الوطنية والاحتياطية، تأكيدًا على ما ورد في المادة 43 من دستور دولة الإمارات التي تنصّ على “أنّ الدفاع عن الاتحاد فرض مقدّس على كل مواطن، وأداء الخدمة العسكرية شرف للمواطنين ينظّمه القانون”. وكانت لإصدار هذا القانون أهداف تؤكّد غرس وترسيخ قيم الولاء والانتماء والتضحية في نفوس أبناء الوطن، وربط تلك القيم بالمبادئ الصحيحة والتنشئة الوطنية السليمة لمختلف الأجيال، وتعزيز المقوّمات الشخصية القيادية من حيث مختلف الركائز كالقوة البدنية والاعتماد على الذات وتحمّل المسؤولية والانضباط واحترام القانون وتقدير قيمة الوقت.

وبموجب هذا القانون تؤدّى الخدمة الوطنية في كل من القوات المسلحة ووزارة الدفاع ووزارة الداخلية وجهاز أمن الدولة والهيئات والمؤسسات ذات النظام العسكري وغيرها، والتي تُحدَّد بقرار من نائب القائد الأعلى، حيث تشمل فترات تدريبية وتمارين عسكرية ومحاضرات وطنية وأمنية. أمّا الخدمة البديلة فيؤدّيها الذين لا تنطبق عليهم شروط الالتحاق بالخدمة الوطنية، حيث يؤدّي فيها المجنّد الأعمال الإدارية أو المدنية أو الفنية التي تتناسب مع إمكاناته، وتكون مدّتها مساوية لمدّة الخدمة الوطنية، ويمكن إعفاؤه منها كليًّا في حال عدم ثبوت لياقته الطبية، ولا تشمل الخدمة البديلة أيّ تدريبات عسكرية أو المبيت في المعسكر أو استخدام الأسلحة(1).

وينصّ القانون بأن تتولّى القيادة العامّة للقوّات المسلحة تدريب جميع المجندين تدريبًا أساسيًّا لديها، على أن يتمّ توزيعهم بعد انتهاء فترة التدريب الأساسي على الهيئات والمؤسسات ذات النظام العسكري وغيرها، وفقًا للقدرة الاستيعابية للقوات المسلحة، وطبقًا للقواعد التي تضعها القيادة العامّة بالتنسيق مع تلك الجهات من خلال لجنة الخدمة الوطنية والاحتياطية، وتؤجّل الخدمة الوطنية لطلبة المؤسسات التعليمية في الدولة أو ما يعادلها في الخارج لحين حصولهم على المؤهل الذي أُجّلت الخدمة الوطنية من أجله(2).

إنّ مدّة الخدمة الوطنية كانت في البداية تسعة شهور، ثم أصبحت اثني عشر شهرًا، لتصبح ابتداءً من شهر يوليو 2018، ستّة عشر شهرًا، حيث شكّل القرار الجديد بزيادة المدّة مشهدًا لافتًا في اندفاع الشباب نحو الخدمة الوطنية وسط أجواء الطمأنينة والفرح. ولقد حقّق برنامج الخدمة الوطنية والاحتياطية نتائج إيجابية خلال الأعوام الماضية، وأثّر إيجابيًّا في سلوكيات المجندين، وأحدث تغييرًا جذريًّا في شخصيّات المنتسبين، كون هذا المشروع يُعدّ إحدى الخطوات الاستراتيجية الأكثر تأثيرًا وأهميّة في مسيرة الوطن، انطلاقًا من العائد الاستراتيجي الذي سيحقّقه على الصعيد السياسي والعسكري والأمني والوطني والاجتماعي والاقتصادي.

يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات حفظه الله، في هذا الصدد: “إنّ قيم الوفاء والتفاني والإخلاص متجذّرة في نفوس عيال زايد”، معبّرًا عن فخره “بمستوى الحماس والتفاعل الإيجابي الذي أظهره شباب الوطن، وجاهزيتهم للانضمام إلى الخدمة الوطنية بعد زيادة مدّتها إلى 16 شهرًا”(3).

من جهته يصف سمو الشيخ الفريق سيف بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، مشروع الخدمة الوطنية والاحتياطية، بالمشروع الوطني الكبير، مؤكّدًا “أنّ الأعداد المتزايدة والإقبال الطوعي الكبير من قبل أبناء وبنات الوطن الذين توافدوا على مراكز التسجيل يجسّد حرص المجتمع الإماراتي الأصيل على تلبية النداء، والامتثال الفوري لتحقيق صالح الوطن، ورفد عزّته ورفعته بكل السبل المتاحة”(4).

وفي هذا الإطار، يقول سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان، ممثّل الحاكم في منطقة الظفرة، “إنّه بكل فخر واعتزاز تفاعل أبناء الوطن مع قرار زيادة مدّة الخدمة الوطنية لتصبح 16 شهرًا، فالقرار يعكس عمق الرؤية الحكيمة والاستراتيجية لقيادة الدولة، وخطوة من شأنها الحفاظ على مكتسبات الوطن ومنجزاته”. ويشير سموه إلى “أنّ الخدمة الوطنية تمثّل حائطًا منيعًا يحمي الدولة داخليًّا وخارجيًّا، وهي مدرسة متكاملة لتربية جيل حريص على دينه ووطنه وقيمه، فالأوطان تُبنى بهمّة وعزيمة وسواعد أبنائها المخلصين”(5).

إلى ذلك، تمّ إنشاء مجلس الخدمة الوطنية للشباب ليكون بمثابة حلقة وصل بين هيئة الخدمة الوطنية والاحتياطية وشباب وشابّات الإمارات، بالإضافة إلى مساعدة الشباب في حل الصعوبات التي قد تواجههم قبل وأثناء وبعد الخدمة الوطنية، والعمل على زيادة فاعلية التواصل بين الشباب. كما تركّزت مهام المجلس على تعزيز الوعي لدى فئة الإناث بمشروع الخدمة الوطنية، وتفعيل دور مجندي الخدمة الوطنية على الصعيد المجتمعي، ومضاعفة جهودهم في سبيل تمكين دولة الإمارات من مواصلة مسيرة الإنجازات الشبابية.

وقد ضمّ مجلس الخدمة الوطنية نخبة من الكفاءات الإماراتية الشابة من المجندين الذين أنهوا متطلبات الخدمة الوطنية، حيث جاءت هذه المبادرة بتشكيل المجلس تجسيدًا لتوجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بتحقيق أهداف الأجندة الوطنية للشباب التي أطلقها سموه عام 2016، بهدف تفعيل دور الشباب وتمكينهم في جميع المجالات وتحقيق الأهداف الاستراتيجية للدولة، وفي مقدمتها رؤية الإمارات 2021.
إنّ قانون الخدمة الوطنية والاحتياطية يأتي تأكيدًا على حب الوطن الذي يتجلّى في الدفاع عنه والمحافظة على مكتسباته وعلى مكانته تاريخيًّا وجغرافيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا، وتعزيزًا لوحدة المجتمع والفخر والاعتزاز بالانتماء للوطن.

لقد أسهم تطبيق الخدمة الوطنيّة والاحتياطية في زيادة اللحمة الوطنيّة بين أبناء الشعب الإماراتي، كما أنّه جاء مكمّلاً لدور الجامعة والمدرسة والأسرة في غرس القيم والمفاهيم الوطنية، وتنشئة جيل واع لمصالح وطنه، ومسلّح بجميع الأدوات العلمية والعملية التي تؤهّله لحمل أمانة الدفاع عن الوطن وحماية مقدراته.

المراجع:
(1 و 2): قانون الخدمة الوطنية والاتحادية، جريدة الاتحاد الإماراتية، ص 3، 31 ديسمبر 2014.
(3): جريدة الوطن الإماراتية، 10 يوليو 2018
(4): جريدة البيان الإماراتية، 3 سبتمبر 2014.
(5): جريدة البيان الإماراتية، 10 يوليو 2018.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

فصول من كتاب «الوطنيّة والمُواطَنة، الإمارات نموذجاً» (25 – 30)

الرعاية الصحية والتنمية المستدامة في الإمارات شبكة بيئة أبوظبي، بقلم د. حسن بحمد، الإمارات العربية …

اترك تعليقاً