فصول من كتاب «الوطنيّة والمُواطَنة، الإمارات نموذجاً» (03 – 30)

الوطنيّة والتاريخ..
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم د. حسن بحمد، العين، الإمارات العربية المتحدة، 03 أغسطس 2026

خلال فترة وجود الإمبراطورية اليونانية القديمة (1100 ق. م. – 323 ق. م.)، تعدّدت الثقافات الأجنبيّة التي التقى بها اليونانيّون خلال توسّعاتهم، وأطلقوا اسم “برابرة” على الناطقين باللغات الأخرى غير الإغريقيّة، أو ناطقي هذه اللغة بطريقة خاطئة، فأصبحت تشير كلمة “برابرة” إلى أولئك بوصفهم غرباء. ومن هنا عُرفت كلمة “وطنيّة” لأوّل مرّة في التاريخ؛ حيث أراد اليونانيّون الذين كانوا ينتمون إلى “دولة المدينة”، تمييز أنفسهم عن البرابرة المنظَّمين عشائريًّا، و”دولة المدينة” هذه كانت مستقلّة أو ذاتيّة الحكم، وتقتصر سيادتها على مدينة، وهذا الشكل من الدول كان شائعًا خلال العصور القديمة.

وبعد اليونانيين القدماء، دخلت كلمة “وطنيّة” إلى اللغات الرومانسية في القرن السادس عشر الميلادي، والتي تعود بأصولها إلى اللغة اللاتينيّة، وتُعدّ أحد فروع اللغات الهندو – أوروبيّة، مثل الإيطاليّة والفرنسيّة والإسبانيّة والبرتغاليّة، وغيرها. وقد أصبحت كلمة “وطنيّة” قيد الاستخدام أيضًا في ذلك القرن، في اللغة الإنكليزيّة، خلال فترة حكم الملكة إليزابيت الأولى، وكانت الكلمة بدورها تدلّ على الأصل الواحد، أي من الأب ذاته أو من أرض الأجداد (1).

لقد ترافقت كلمة “وطنيّة” مع العديد من الحروب التي شهدتها أوروبا منذ مئات السنين، ومنها على سبيل المثال، حرب الثمانين عامًا أو حرب الاستقلال الهولنديّة (1568 م – 1648 م)، للتخلّص من هيمنة الإمبراطورية الإسبانيّة على هولندا، فجاءت معارك الاستقلال هذه لتشكّل بداية تحوّل في مغزى “الوطنيّة” بشكل حاسم، حيث أطلق قائدها الأمير ويليام (ويليام الصامت) على نفسه وعلى أنصاره لقب الوطنيّين، وانسحب هذا الأمر فيما بعد على العديد من الشعوب والبلدان، فترسّخت كلمة “وطنيّة” في الثقافة السياسيّة لسكّان “البلدان المنخفضة” في أواسط القرن السادس عشر الميلادي، وهي البلدان التي تضم حاليًّا بلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ وأجزاء من شمالي فرنسا وغربي ألمانيا (2).

كما ترسّخت أيضًا خلال اندلاع الثورة الفرنسيّة، والثورة الألمانيّة، والحروب الفرنسيّة البروسيّة، وغيرها، بدءًا من أواخر القرن السادس عشر الميلادي، وأصبحت “الوطنيّة” ملازمة للفضيلة في إطار حالة اجتماعيّة تدفع الإنسان إلى حبّ وطنه، وإلى العمل والتضحية لتحقيق وحماية مصالحه (3).

أما عربيًّا، فمفهوم الوطنيّة لم يُعرف بإطاره المُعتمد عالميًّا إلاّ مع قائد النهضة العلميّة في مصر في عهد محمد علي باشا في القرن التاسع عشر، رفاعة الطهطاوي، الذي كان من أوائل من نقلوا المصطلح إلى اللغة العربيّة، وكان مدعومًا من الأُسرة الحاكمة المصريّة التي سعت إلى الاستقلال عن السّلطنة العثمانيّة. وقد عرّف الطهطاوي الوطن آنذاك بـ “عش الإنسان الذي فيه درج، ومنه خرج، ومجمع أُسرته، ومقطع سرّته، وهو البلد الذي نشّأته تربته وغذاؤه وهواؤه، وربّاه نسيمه، وحلّت عنه التمائم فيه”.

المراجع:
(1): Patriot, “Online Etymology Dictionary”
(2): Arthur Williamson, The Rise and decline os The british patriot: Civic Britain. C. 1445 – 1605, 2011
(3): J.P.T.Bury, The new Cambridge modern history: The zenith of European power 1830 – 1870, Cambridge University Press, 1964

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

فصول من كتاب «الوطنيّة والمُواطَنة، الإمارات نموذجاً» (02 – 30)

مفهوم الوطنيّة.. والانتماء الوطني شبكة بيئة أبوظبي، بقلم د. حسن بحمد، العين، الإمارات العربية المتحدة، …

اترك تعليقاً