عماد سعد:
• المسؤولية المجتمعية تبدأ بدعم الإنسان والمكان.
• حماية التراث مسؤولية مشتركة… وعائدها للجميع.
• التراث السوري ليس مجرد ذاكرة وطن… بل ثروة حضارية واقتصادية قادرة على قيادة التنمية المستدامة وتعزيز مكانة سورية على خارطة السياحة العالمية.
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم: المهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية، 02 آب/ أغسطس 2026
في عالم تتنافس فيه المدن على استقطاب الزوار والاستثمارات، لم تعد السياحة تقاس بعدد الفنادق أو المواقع الأثرية فحسب، بل أصبحت تُقاس بقدرة المجتمع على تحويل هويته الثقافية وتراثه الحضاري إلى تجربة إنسانية متكاملة، تعود بالنفع على السكان قبل الزوار. ومن هذا المنطلق، يمثل مهرجان صيف صافيتا السياحي نموذجاً واعداً يعكس توجهاً جديداً في سورية، يقوم على إعادة اكتشاف المدن التاريخية باعتبارها منصات للتنمية المحلية، ومراكز لإحياء التراث، ومحركات للاقتصاد المجتمعي.
إن مدينة صافيتا ليست مجرد مدينة تتوسط الجبال السورية، ولا مجرد قلعة تاريخية ارتبطت بذاكرة المنطقة منذ قرون، بل هي مساحة تختزن تراكماً حضارياً وثقافياً وإنسانياً يجعل منها نموذجاً مثالياً للسياحة الثقافية السورية المستدامة. وعندما يُبنى مهرجان سياحي حول هذا الإرث، فإن القيمة الحقيقية لا تكمن في الفعاليات الفنية وحدها، وإنما في الرسالة التي يحملها المهرجان حول كيفية إعادة ربط الإنسان بمكانه، وإعادة الاعتبار للهوية المحلية باعتبارها أحد أهم مقومات التنمية.
لقد شهد العالم خلال العقدين الأخيرين تحولاً واضحاً في مفهوم السياحة؛ فبعد أن كانت تقوم على الترفيه والاستهلاك السريع، أصبحت تتجه نحو ما يعرف بـ السياحة التجريبية، التي يبحث فيها الزائر عن قصة المكان، وثقافته، ومطبخه، وحرفه التقليدية، وتاريخه، وعلاقته بالناس الذين يعيشون فيه. وهذا التحول يفتح أمام المدن السورية، بما تمتلكه من رصيد حضاري وإنساني استثنائي، فرصة كبيرة لإعادة تموضعها على خارطة السياحة الإقليمية والدولية.
ويأتي مهرجان صيف صافيتا ليترجم هذا المفهوم عملياً، من خلال الجمع بين المعالم التاريخية، والأسواق التراثية، والحرف التقليدية، والمأكولات المحلية، والعروض الفنية، والأنشطة الثقافية، في تجربة متكاملة تعيد تقديم المدينة بصورتها الأصيلة، دون أن تفقد قدرتها على مخاطبة الزائر المعاصر.
القراءة الأعمق للمهرجان
لكن القراءة الأعمق للمهرجان تقودنا إلى بعد آخر أكثر أهمية، يتمثل في علاقته المباشرة بمفهوم المسؤولية المجتمعية. فالمسؤولية المجتمعية لم تعد تقتصر على مبادرات خيرية أو أنشطة تطوعية موسمية، بل أصبحت إطاراً استراتيجياً يربط التنمية الاقتصادية بالبعد الاجتماعي والثقافي والبيئي. ومن هذا المنظور، فإن المهرجانات المحلية الناجحة تشكل أحد أهم تطبيقات المسؤولية المجتمعية عندما تسهم في خلق فرص العمل، وتنشيط الأسواق، ودعم المشاريع الصغيرة، وتمكين الحرفيين، وتعزيز مشاركة الشباب والمرأة، والحفاظ على التراث الثقافي للأجيال القادمة.
وفي الحالة السورية، تكتسب هذه الرؤية أهمية مضاعفة في ظل مرحلة إعادة البناء والتعافي. فإحياء المدن لا يبدأ بالإسمنت وحده، وإنما يبدأ بإحياء روح المكان، واستعادة الثقة بالمجتمع، وفتح مساحات جديدة للإبداع والعمل والإنتاج. ومن هنا، فإن الاستثمار في المهرجانات التراثية والثقافية يمثل استثماراً في الإنسان قبل أن يكون استثماراً في السياحة.
وتبرز صافيتا مثالاً واضحاً على هذه المعادلة؛ إذ يتيح المهرجان للحرفيين عرض منتجاتهم التقليدية، وللأسر المنتجة تسويق الصناعات الغذائية والمنزلية، وللفنانين تقديم أعمالهم، وللشباب المشاركة في تنظيم الفعاليات، مما يخلق دورة اقتصادية محلية يستفيد منها عدد كبير من أبناء المجتمع. وهنا تتحول السياحة من نشاط موسمي إلى وسيلة لتعزيز الاقتصاد المحلي، وتحسين جودة الحياة، وزيادة الشعور بالانتماء للمكان.
السياحة المستدامة تبدأ من احترام هوية المكان:
ولا يقل الجانب البيئي أهمية عن الجانبين الاقتصادي والاجتماعي. فالسياحة المستدامة تقوم على حماية الموارد الطبيعية والتراثية، وتشجيع الزوار على احترام البيئة المحلية، وتقليل الأثر البيئي للفعاليات، وتعزيز استخدام المنتجات المحلية بدلاً من الاعتماد على سلاسل الإمداد البعيدة. كما أن المحافظة على المباني التاريخية وإعادة توظيفها في الأنشطة الثقافية والسياحية تمثل أحد أفضل نماذج الاقتصاد الدائري في قطاع التراث.
ومن هنا، يمكن النظر إلى مهرجان صيف صافيتا بوصفه فرصة لإطلاق مبادرات بيئية موازية، مثل حملات التشجير، وتنظيف المواقع الأثرية، وتقليل استخدام البلاستيك، وإدارة النفايات خلال الفعاليات، والتوعية بالسياحة المسؤولة. فهذه المبادرات لا تعزز صورة المهرجان فحسب، بل تجعل منه نموذجاً يحتذى به في المنطقة.
وفي السياق ذاته، يمكن للقطاع الخاص أن يلعب دوراً محورياً في تطوير هذا النموذج، من خلال تبني برامج للمسؤولية المجتمعية تدعم الحرف التقليدية، وتمول المبادرات الثقافية، وترعى الفعاليات الشبابية، وتستثمر في تدريب الكوادر المحلية العاملة في قطاع السياحة. فكل استثمار في المجتمع المحلي هو استثمار طويل الأمد في استدامة الوجهة السياحية نفسها.
سورية الجديدة تبني مستقبلها من عمق حضارتها:
إن سورية الجديدة، وهي تمضي في مرحلة التعافي وإعادة البناء، تمتلك فرصة تاريخية لإعادة صياغة نموذجها السياحي بعيداً عن الأنماط التقليدية، من خلال التركيز على السياحة الثقافية، والريفية، والبيئية، والدينية، وسياحة التجارب، بحيث يصبح التراث ركيزة للتنمية، لا مجرد ذاكرة للماضي. وهذا يتطلب رؤية وطنية متكاملة تربط بين وزارات السياحة والثقافة والإدارة المحلية والبيئة والتعليم، إلى جانب البلديات والمجتمع المدني والقطاع الخاص، لبناء منظومة سياحية مستدامة تحقق قيمة اقتصادية واجتماعية وثقافية متوازنة.
وفي هذا الإطار، فإن مهرجان صيف صافيتا لا يمثل فعالية موسمية عابرة، بل يمكن أن يكون نواة لمشروع تنموي متكامل يجعل من المدينة نموذجاً وطنياً للسياحة المستدامة القائمة على الهوية والتراث والمشاركة المجتمعية. فكل زائر يعود من صافيتا وهو يحمل قصة عن المكان، وكل حرفي يبيع منتجه، وكل شاب يشارك في تنظيم الفعاليات، وكل أسرة تستفيد من الحركة السياحية، يمثل دليلاً على أن التنمية الحقيقية تبدأ من المجتمع المحلي.
إن حماية التراث ليست مسؤولية المؤسسات الرسمية وحدها، كما أن تنشيط السياحة ليس مسؤولية وزارة السياحة وحدها، بل هو مشروع وطني تشارك فيه جميع الأطراف. وعندما يلتقي التراث مع الإبداع، والمسؤولية المجتمعية مع التنمية، والسياحة مع الاقتصاد المحلي، تصبح المهرجانات الثقافية جسوراً تعبر بالمجتمعات نحو مستقبل أكثر ازدهاراً واستدامة.
ولعل الرسالة الأهم التي يقدمها مهرجان صيف صافيتا هي أن المدن لا تُقاس بما تمتلكه من حجارة عتيقة فحسب، بل بما تستطيع أن تصنعه من حياة حول تلك الحجارة؛ وأن التراث ليس ماضياً يُعرض في المتاحف، بل طاقة متجددة قادرة على صناعة المستقبل، إذا ما أُديرت برؤية تنموية تستثمر في الإنسان والمكان معاً.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز