فصول من كتاب «الوطنيّة والمُواطَنة، الإمارات نموذجاً» (18 – 30)

التميّز توأم المواطن الإماراتي

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم د. حسن بحمد، الإمارات العربية المتحدة، 18 أغسطس 2026

لا بدّ بدايةً من الإشارة إلى “وثيقة قِيم وسلوكيّات المواطن الإماراتي” التي صدرت عن وزارة شؤون مجلس الوزراء، وتمّ اعتمادها في 27/11/2012، والتي حُدّد بموجبها نهج أبناء الوطن من خلال مناقبيّتهم وأخلاقهم وأصالتهم وتقاليدهم ومسؤوليّاتهم وواجباتهم وثقافتهم واعتدالهم وانفتاحهم وطموحاتهم وتضحياتهم، وغيرها من السلوكيّات التي تميّز شعبًا بأكمله يسعى إلى رفعة وطنه.

لقد أوضحت الوثيقة المفهوم الحقيقي للمُواطَنة(1) من خلال إظهار مجموعة من الحقوق والواجبات بين المواطن وأبناء مجتمعه من جهة، وبينه وبين دولته من جهة أخرى، ووضعت الإطار العام الشفّاف للشخصيّة الإماراتيّة وخصوصيّتها، وجاءت بنودها تكريسًا لما أسّس له باني الاتّحاد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.

من المفيد جدًّا أن نقوم بالمقارنة بين ما جاء في الوثيقة، والواقع الذي يعيشه المواطن الإماراتي، لنرى المستوى الكبير من الوعي الذي وصل إليه مجتمعنا، وإلى صدق المُواطَنة لديه؛ الأمر الذي نلمس انعكاساته على التطوّر الحاصل في البلاد، وذلك التميّز الذي يشهد له العالم بأجمعه.

ففي قسم “أبعاد المُواطَنة” التي ذكرتها الوثيقة، نرى على أرض الواقع أنّ المواطن الإماراتي وفيّ لوطنه ويسعى إلى رفعته وازدهاره، ويتجلّى هذا الأمر في سلوكيّاته اليوميّة المتعدّدة. ولعلّ ما نلمسه من احترامه للقوانين وتطبيقها خير مثال على ذلك، فنراه ملتزمًا بالتعليمات ومثالاً للاحتذاء به، ويعطي من وقته وصبره لمساعدة أولئك الوافدين إلى الإمارات ممّن لا يكترثون كثيرًا في بلادهم للأنظمة والقوانين، على تطبيقها، فيوضح لهم أهميّتها وضرورتها، لأنّه يعرف جيّدًا أنّ القانون والنظام هما عنوان الحضارة والتقدّم في أيّ بلاد، ويدرك أنّ تطبيقها ليس من مسؤوليّة المواطن الإماراتي فقط؛ بل الوافدين أيضًا.

والمواطن الإماراتي بشهادة القاصي والداني يتميّز برقيّ أخلاقه؛ فهو إنسان شريف وأمين وصادق ومحترم ومعتدل ومتسامح وصبور وحليم ومتعاون وصاحب ذوق رفيع، تراه يتقن عمله ويحرص على أدائه بشفافيّة، ويسعى دائمًا إلى أن يكون نموذجًا يُحتذى به في الاجتهاد والمثابرة والطموح وتحقيق النجاح والتطوّر، كما يسعى إلى الابتكار والريادة والتميّز وتنمية معارفه ومهاراته وثقافته، وهذا ما نلمسه في سعيه المستمرّ إلى التعلّم والتفاعل مع التطوّر العالمي والاطلاع على كل ما هو جديد ومبتكَر، فيستفيد من الإمكانيّات التي تضعها الدولة أمامه لمتابعة علومه والدورات وورش العمل والمؤتمرات المختلفة التي تساعده على التطوّر، والمشاركة في كل أمر يساعده على تحقيق ذاته.

لذلك، نرى المجتمع الإماراتي من خلال أبنائه، خليّة نحل منتجة، وما المراتب الأولى التي تتبوّؤها البلاد عالميًّا والمتعلّقة بكافة جوانب العلم والأداء الوظيفي والإسهام في المحافظة على التراثين الإنساني والثقافي، إلاّ دليلاً قاطعًا لتميّز قيادتها وشعبها، وصورة ناصعة لمفهوم المُواطَنة التي تُمارس بدوافع ذاتيّة وقناعات نابعة من الإيمان. وكذلك، فإنّ الانتماء إليها هو انعكاس لتلك التصرفات والمعاملات المختلفة التي يمارسها المواطن مع الآخرين، والتزامه بالحقوق والواجبات المترتبة عليه تجاه الوطن والمواطنين، بما يضمن له ولأفراد المجتمع العيش في أمن وسلام(2).

إنّ التميّز الذي يتمتّع به المواطن الإماراتي، يترافق مع نضجه ووعيه للمستقبل، ولذلك، يعمل باستمرار على إكساب الأجيال الناشئة هذا التميّز أخلاقًا وقِيمًا وسلوكيّات، ونلمس ذلك في إيمانه بتنشئة الأطفال من خلال حرصه على بناء أسرته البناء الصالح؛ فنراه يضع لها رؤية واضحة الأهداف لتلعب دورها الفاعل في المجتمع، ويتحمّل مسؤوليّته تجاهها بإدراكه واجباته الزوجيّة، ويُربّي أبناءه على مفهوم الحوار والثقة والاحترام المتبادلين والشفافية (3).

إنّ احترام الذات وامتلاك القِيم والأخلاق لدى الشخص، تجعله تلقائيًّا يحترم الآخرين ويمارس روح المسؤوليّة في خدمتهم، فيكون عادلاً ومؤمنًا بتكافؤ الفرص، فلا يستغل موقعًا أو شأنًا خاصًّا به كي ينتهج محسوبيّة أو وساطة، وهذا ما نلمسه عند المواطن الإماراتي، إن كان في عمله أو حياته اليوميّة، فتربيته وقِيمه تمنعانه من الظلم أو الاستغلال، ولعلّ هذا أيضًا ما جعله جاهزًا على الدوام لمد يد العون والمساعدة إلى أقرانه في المجتمع الذين بحاجة إلى يد صادقة لشبكها بأياديهم، كالمعوّق أو اليتيم أو المحتاج أو كبير السن، من خلال مبدأ التطوّع أو المشاركة في الأعمال الخيريّة، فيعطي مثالاً في العطاء والتناغم الاجتماعي ودعم الترابط بين أفراد المجتمع.

إنّ المواصفات التي جعلت المواطن الإماراتي إنسانًا مميّزًا، والمستمدة من أصالته وتربيته وتاريخه، جعلته من أرقى النماذج البشرية في الإخلاص والوفاء والولاء، فتراه مخلصًا لوطنه ودولته وقيادته التي تبذل كل الجهود لإعلاء شأنه.(4).

ويمكننا تلخيص ما يتعلّق بالانتماء والولاء للوطن، من خلال النقاط التالية، التي تمّ ذكرها في وثيقة قِيم وسلوكيّات المواطن الإماراتي:
أن يعمل المواطن بجدّ في سبيل رفعة الوطن وإكمال مسيرة التطور والتقدّم فيه، فيسعى إلى التسلّح بالعلم والمعرفة وبالعلوم التي تحقّق الازدهار والتنمية، ويحرص على أداء عمله على أكمل وجه، فيكون اتقانه جزء من سلوكه اليومي الفعلي.
أن يدعم التلاحم المجتمعي ويعزّز مفهوم وحدة المجتمع ومفهوم الانتماء إلى الاتحاد والمحافظة على إنجازاته.

أن يتقيّد بالتشريعات العامة ويبتعد عن التجاوزات التي تخلّ بالأنظمة، ويدعم تطبيق القانون والنظام وإحلال الأمن، ويلمّ بالحقوق التي كفلها الدستور ضمن القوانين، ويعمل لإتمام واجباته، ويضمن للبقية حرية ممارسة حقوقهم وواجباتهم.
أن يلتزم بالقوانين والتعليمات للحفاظ على البيئة والسلامة العامة وصحة أفراد المجتمع، ويعمل لتحقيق التنمية المستدامة والمحافظة على الموارد الطبيعية، ويستخدم الطاقة بعيدًا عن الإسراف والتبذير.
أن يتحمّل المسؤولية الاجتماعية تجاه المرافق العامة ويبتعد عن العبث بها وتشويهها.

المراجع:

(1): وثيقة قِيم وسلوكيّات المواطن الإماراتي
(2): عايدة عبد الحميد، وثيقة قيم وسلوكيات المواطن الإماراتي توثيق للهوية الوطنية، عن عبد العزيز الشيخ، جريدة الخليج الإماراتيّة، 29/6/2013.
(3): المرجع السابق.
(4): د. ابتسام الكتبي، محاضرة ” خلق المواطنة الصالحة من خلال وثيقة قيم وسلوكيات المواطن الإماراتي” في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية-

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

فصول من كتاب «الوطنيّة والمُواطَنة، الإمارات نموذجاً» (14 – 30)

الأبعاد الوطنيّة لتاريخ الإمارات العربيّة المتّحدة شبكة بيئة أبوظبي، بقلم د. حسن بحمد، الإمارات العربية …

اترك تعليقاً