شبكة بيئة ابوظبي، بقلم د. باسنت عاشور، خبير بالهيئة العامة للتخطيط العمراني، مؤسسة مهندسون من أجل مصر المستدامة، 11 أغسطس 2026
لم يعد من الممكن التعامل مع مستقبل المدن باعتباره امتدادًا خطيًا لما يحدث في الحاضر. فالمدينة تتأثر بمجموعة متداخلة من المتغيرات السكانية والاقتصادية والبيئية والتكنولوجية، وقد تتغير بعض هذه العوامل بصورة سريعة وغير متوقعة. لذلك، فإن التخطيط للمستقبل لا يعني بالضرورة التنبؤ بما سيحدث بدقة، وإنما الاستعداد لعدة مسارات محتملة.
من هنا يبرز التخطيط العمراني القائم على السيناريوهات (Scenario-Based Urban Planning) كمنهج يساعد على استكشاف مستقبلات متعددة، ثم اختبار قدرة السياسات والخطط العمرانية على التعامل معها. وتتمثل أهميته في الانتقال من محاولة تحديد «مستقبل واحد» إلى بناء قدرة تخطيطية تسمح للمدينة بالتكيف مع أكثر من احتمال (Amer et al., 2013; Khakee, 1991).
من التوقع الخطي إلى استكشاف المستقبل
اعتمد التخطيط العمراني التقليدي في كثير من الحالات على تحليل الاتجاهات السابقة والحالية ثم إسقاطها على المستقبل. وقد يكون ذلك مناسبًا عندما تكون الظروف مستقرة نسبيًا، لكنه يصبح أقل كفاءة عندما ترتفع درجة عدم اليقين.
فالنمو السكاني قد يتغير، وأنماط الهجرة قد تتبدل، كما يمكن للتحولات الاقتصادية أو التكنولوجية أن تعيد تشكيل استخدامات الأراضي واحتياجات النقل والخدمات. كذلك، تفرض الضغوط البيئية وتغير المناخ تحديات يصعب التعامل معها من خلال توقع واحد فقط.
لذلك، يطرح التخطيط بالسيناريوهات سؤالًا أكثر واقعية: ماذا يمكن أن يحدث إذا تغيرت الاتجاهات الحالية؟ وكيف يمكن للمدينة أن تستجيب؟ وتساعد السيناريوهات في كشف نقاط الضعف في السياسات قبل تنفيذها، كما تسمح بمقارنة البدائل والتفكير في الخيارات التي يمكن أن تستمر فعاليتها في ظروف مستقبلية مختلفة (Börjeson et al., 2006).
أولًا: كيف نبني سيناريوهات مستقبل المدينة؟
تبدأ العملية بتحديد السؤال الاستراتيجي الذي نريد أن تساعدنا السيناريوهات في الإجابة عنه، مثل: كيف يمكن توجيه التوسع العمراني للمدينة بما يحافظ على الموارد المائية ويحسن جودة الحياة حتى عام 2050؟ بعد ذلك يتم تحديد محركات التغيير التي يمكن أن تؤثر في مستقبل المدينة، مثل النمو السكاني والهجرة، والتحولات الاقتصادية، وتغير المناخ والموارد، والتطور التكنولوجي ووسائل النقل.
ثم يتم تقييم هذه العوامل وفق مستوى تأثيرها ودرجة عدم اليقين المرتبطة بها. ويمكن استخدام Wilson Matrix كإحدى الأدوات المساعدة في هذه المرحلة لتحديد المحركات ذات التأثير المرتفع وعدم اليقين المرتفع، مع التأكيد على أنها أداة منهجية وليست معيارًا دوليًا إلزاميًا (Amer et al., 2013).
بعد ذلك يتم بناء السيناريوهات البديلة. ويمكن التمييز بين:
• السيناريوهات الاستكشافية (Exploratory): تبحث في «ما الذي يمكن أن يحدث؟».
• السيناريوهات المعيارية (Normative): تنطلق من المستقبل المرغوب، ثم تستخدم Backcasting لتحديد الخطوات اللازمة للوصول إليه.
• سيناريو العمل المعتاد (Business-as-Usual): يفترض استمرار الاتجاهات الحالية، ويستخدم كخط أساس للمقارنة (Börjeson et al., 2006).
ولا يوجد عدد عالمي ثابت للسيناريوهات التي يجب إعدادها؛ فالأهم أن تكون البدائل واضحة ومتمايزة وقابلة للمقارنة، وأن يتناسب عددها مع طبيعة القضية ومستوى تعقيدها.
ثانيًا: اختبار الخطط قبل تنفيذها
لا تنتهي قيمة السيناريوهات عند تصور المستقبل، بل تظهر بصورة أكبر عند استخدامها لاختبار السياسات والمشروعات المقترحة. ويتيح مفهوم Wind-Tunneling اختبار السياسة نفسها أمام سيناريوهات متعددة لمعرفة ما إذا كانت ستظل قادرة على تحقيق أهدافها في ظروف مختلفة. ويرتبط ذلك بمفهوم Robustness، أي البحث عن القرارات التي تحقق أداءً مقبولًا عبر أكثر من مستقبل محتمل، بدل الاعتماد على سيناريو واحد فقط (Marchau et al., 2019).
وهنا تظهر خيارات بلا ندم (No-Regret Options)، وهي إجراءات يمكن أن تحقق فوائد حتى في حال تغير الظروف المستقبلية، إلى جانب الخطط المشروطة (Contingent Plans) التي يتم إعدادها مسبقًا وتفعيلها عندما تظهر مؤشرات مرتبطة بمسار مستقبلي معين. وبذلك، لا تحتاج المدينة إلى تنفيذ جميع البدائل في الوقت نفسه، وإنما إلى معرفة ما يمكن تنفيذه الآن، وما يجب الاحتفاظ به كخيار مستقبلي.
ثالثًا: من الخطة الثابتة إلى الحوكمة التكيفية
تتطلب مواجهة عدم اليقين أن تكون الخطة العمرانية قابلة للمراجعة والتعديل. ولهذا يرتبط التخطيط بالسيناريوهات بمفهوم الحوكمة التكيفية (Adaptive Governance)، حيث تتم متابعة المؤشرات وتحديث السياسات وفقًا للتغير في الظروف والمخاطر والمعرفة المتاحة (Hurlbert & Gupta, 2016).
ويمكن تحديد نقاط تحول (Trigger Points) مرتبطة بمؤشرات قابلة للرصد. فإذا أظهرت البيانات، مثلًا، انخفاضًا مستمرًا في الموارد المائية، فقد تستدعي هذه النتيجة الانتقال إلى سياسات أكثر تحفظًا، مثل زيادة إعادة استخدام المياه المعالجة أو إعادة تقييم سياسات التوسع العمراني الكثيف. بهذا الأسلوب، تصبح الخطة إطارًا مرنًا للتعلم والتعديل، وليس وثيقة جامدة يصعب تغييرها بعد اعتمادها.
رابعًا: التكنولوجيا ودورها في اختبار البدائل
أصبحت أدوات النمذجة والمحاكاة جزءًا مهمًا من التخطيط الحديث، خصوصًا عندما يتعلق الأمر باختبار الآثار المحتملة للقرارات قبل تنفيذها. ويعد UrbanSim مثالًا على أنظمة المحاكاة الحضرية التي تساعد على دراسة العلاقة بين استخدامات الأراضي والنقل والتنمية الحضرية، واختبار آثار السياسات والبدائل المختلفة (Waddell, 2002).
كما تمثل CityScope نموذجًا للتخطيط التفاعلي الذي يجمع بين المحاكاة والمشاركة، ويساعد المخططين وأصحاب المصلحة على استكشاف التدخلات الحضرية ومناقشة آثارها بصورة أكثر تفاعلية (MIT City Science, n.d.). ومع ذلك، تظل التكنولوجيا أداة مساعدة وليست بديلًا عن الحكم التخطيطي. فالنماذج يمكن أن توضح ما قد يحدث في ظل بديل معين، لكنها لا تستطيع وحدها تحديد المستقبل الذي ينبغي للمجتمع أن يختاره.
خامسًا: السكان وأصحاب المصلحة جزء من صناعة المستقبل
لا يمكن أن يقتصر التخطيط للمستقبل على الخبراء والنماذج الرقمية فقط. فاختيارات التنمية الحضرية ترتبط مباشرة بحياة السكان وتوزيع الخدمات، وفرص العمل، والحركة، والسكن.
ولهذا، تساعد أدوات المشاركة مثل Personas وRoleplay على إدخال وجهات نظر مختلفة في عملية بناء السيناريوهات، كما يمكن أن تكشف النقاشات التشاركية عن آثار اجتماعية أو مكانية قد لا تظهر بوضوح في النماذج الكمية وحدها.
وتشير الأدبيات إلى أن إشراك أصحاب المصلحة في التخطيط بالسيناريوهات يمكن أن يعزز فهم البدائل ويجعل عملية الاستشراف أكثر ارتباطًا بالقضايا الفعلية التي تواجه المجتمع (Berke et al., 2015).
سادسًا: كيف نختار السيناريو الأفضل؟
ليس بالضرورة أن يكون الحل في اختيار سيناريو واحد وإلغاء بقية البدائل. ففي بعض الحالات، قد يكون من الأنسب دمج عناصر من أكثر من سيناريو، ثم تقييم البدائل وفق مجموعة من المعايير.
وهنا يمكن استخدام التحليل متعدد المعايير (Multi-Criteria Analysis – MCA) للمفاضلة بين البدائل وفق أبعاد مثل:
• العدالة المكانية: مدى توازن توزيع الخدمات وفرص العمل.
• التوازن العمراني والكثافة: الحد من التشتت والزحف العمراني غير المنظم.
• البيئة والموارد: حماية الموارد والنظم البيئية والحد من التلوث.
• جودة الحياة: توفير بيئة عمرانية تستجيب للاحتياجات السكنية والاجتماعية.
وبذلك يصبح اختيار البديل أكثر تنظيمًا، ولا يعتمد على معيار واحد أو على الانطباع فقط.
الخلاصة: هل يمكن أن نخطط للمدينة قبل أن تتغير؟
التخطيط العمراني القائم على السيناريوهات لا يدعي القدرة على معرفة المستقبل بدقة. قيمته الحقيقية تكمن في أنه يجعل المدينة أكثر استعدادًا عندما لا يسير المستقبل وفق التوقعات.
فبدلًا من أن نسأل: «كيف ستبدو المدينة في عام 2050؟»، يصبح السؤال الأكثر أهمية: «ما المسارات التي قد تتخذها المدينة حتى عام 2050، وهل تستطيع قراراتنا الحالية أن تظل مناسبة عبر هذه المسارات؟»
هذا التحول يغير طبيعة التخطيط نفسه. فالمطلوب ليس بناء خطة مثالية لمستقبل واحد، وإنما بناء سياسات ومشروعات تستطيع الصمود والتكيف مع تغير الظروف.
وفي النهاية، يمكن القول إن التخطيط الجيد للمستقبل ليس هو الذي يتنبأ به بدقة، وإنما الذي يظل قادرًا على العمل عندما يتغير المستقبل.
المراجع:
1. Amer, M., Daim, T. U., & Jetter, A. (2013). A review of scenario planning. Futures, 46, 23–40.
2. Berke, P. R., Godschalk, D. R., & Kaiser, E. J. (2015). Scenario planning for urban planners: Toward a practitioner’s guide. Journal of the American Planning Association, 81(1), 18–31.
3. Börjeson, L., Höjer, M., Dreborg, K.-H., Ekvall, T., & Finnveden, G. (2006). Scenario types and techniques: Towards a user’s guide. Futures, 38(7), 723–739.
4. Hurlbert, M., & Gupta, J. (2016). Adaptive governance, uncertainty, and risk. Risk Analysis, 36(2), 339–356.
5. Khakee, A. (1991). Scenario construction for urban planning. Omega, 19(5), 459–469.
6. Marchau, V. A. W. J., Walker, W. E., Bloemen, P. J. T. M., & Popper, S. W. (Eds.). (2019). Decision making under deep uncertainty: From theory to practice. Springer.
7. Waddell, P. (2002). UrbanSim: Modeling urban development for land use, transportation, and environmental planning. Journal of the American Planning Association, 68(3), 297–314.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز