مظاهر المُواطَنة والمعايير الوطنيّة..
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم د. حسن بحمد، الإمارات العربية المتحدة، 11 أغسطس 2026
تتجلّى المُواطَنة في العديد من المظاهر التي قد يختلف بعضها من وطن إلى آخر. ولا شكّ بأنّ الشعور بالانتماء وتبنّيه، والتمتّع بالحقوق، والقيام بالواجبات وتحمّل المسؤوليّات في هذا الإطار، والمشاركة في كل ما يهمّ تدبير ومصير الوطن، هي من المظاهر الثابتة للمُواطَنة.
لقد شهد العديد من الدول في العقود الأخيرة، خاصّة في منطقة الشرق الأوسط، مظاهر تمّ تسويقها على أنّها من صلب المُواطَنة، ولكنّها في الحقيقة هي تزوير لمفهومها، ولعلّ أبرز هذه المظاهر الطائفيّة والمذهبيّة التي استُغلّت لدغدغة مشاعر المواطنين في دول عدّة لأهداف سياسيّة إقليميّة أو دوليّة.
إنّ الوحدة الوطنيّة تعكس حقيقة المُواطَنة، وهي مظهر من مظاهرها الأساسيّة، وتعبّر عن انصهار وتفاعل بين مجموعة يرتبط أفرادها بالانتماء الواحد إلى وطن وحيد، وتجمعهم اللغة والهويّة والثقافة والآمال المشتركة، وإذا استُبدل ذلك بثقافة الانتماء والولاء للطائفة أو المذهب بما تحمله من مفاهيم تولّد التعصّب والتطرّف، تضعف الوحدة الوطنيّة، وتتشتّت المجموعة المترابطة والمتكاملة، وتزول المُواطَنة، وبالتالي، يضعف الوطن، ويضعف بضعفه كل فرد يعيش في كنفه، ويضيع الأمن والأمان اللّذان يبقيان من الأهداف التي يسعى الإنسان إلى تحقيقها (1).
إنّ الشخص الذي يمارس الطائفيّة أو المذهبيّة، لا يمكنه أن يقدّم ولاءه وانتماءه إلى وطنه، أو أن يدافع عنه؛ بل إنّ هذا الانتماء والولاء يكون لطائفته أو مذهبه ولو خارج حدود بلاده، وبالتالي، فإنّ هذا الشخص لا يستحقّ حقوق المُواطَنة.
باختصار، تبقى المحافظة على جوهر الانتماء والولاء للوطن، وعلى روح الوحدة الوطنيّة وتماسك المجتمع وعدم السّماح بتفكيكه تحت مسمّيات الطائفيّة أو المذهبيّة، المظهر الأوّل للمُواطَنة. وثمّة مظاهر أُخرى تبرز من خلال يوميّاتنا وممارستنا لأعمالنا ومتابعة حياتنا، وأهمّها (2)، (3)، (4):
عدم الانجرار إلى ما يساهم في إضعاف الوحدة الوطنيّة، وإلى كل ما يمس الهويّة والتقاليد بسوء.
تكييف السلوك مع المعايير الوطنيّة التي تنظّم الحياة الفرديّة والاجتماعيّة والثقافيّة، وتوجيهه نحو الشعور الدائم بالهويّة، والتمسّك بالقِيم التي تعني جميع أبناء الوطن، واحترام وقبول الآخر والتعايش معه بتآخٍ وتضامن واعتدال وتسامح، مهما اختلف معتقده، أو رأيه أو دينه أو مذهبه أو جنسه.
التمسّك بالقِيم والأخلاق والتربية السليمة، والتمتّع بثقافة التسامح والتعاون والمروءة والتضحيّة، وعدم السّماح بتفشّي مظاهر الانحلال الأخلاقي وكل ما يفسد الأجيال الناشئة، وعدم التمييز بين المرأة والرجل، واعتماد مبدأ العدل والمساواة.
المشاركة التطوّعية في الأنشطة المختلفة التي تخدم المجتمع وتساهم في تقدّمه، والمبادرة للقيام بأعمال تضامنيّة، وتأدية الواجبات على أكمل وجه. ومن المهمّ في هذا الإطار:
تضامن المواطنين سواء برعاية الدولة ومسؤوليّتها أو عبر مؤسّسات المجتمع المدني كالجمعيّات والأندية أو بشكل مباشر فيما بينهم. التطوّع من خلال القيام بجهد ما أو تقديم المال، للحفاظ على مبدأ التضامن والتعاون، وقد يكون ذلك عبر مبادرات فرديّة أو جماعيّة منظَّمة (خلال وقوع كوارث أو ظروف طارئة، حملات نظافة، تشجير، وأنشطة أخرى متعدّدة..).
التحلّي بالسلوك المدني الذي يتجلّى بالقيام بالواجبات دون غش أو تهرّب، وباحترام قواعد العيش المشترك وآداب التعامل والاستخدام السليم للمرافق العامّة.
احترام القوانين والأنظمة السارية في البلاد، وحماية الأملاك العامّة والخاصّة، ومحاربة الفساد والجريمة بجميع أنواعها، والالتزام بالواجبات الماليّة تجاه الدولة، من رسوم وضرائب وخلافه.
خدمة الوطن بإخلاص، والدفاع عنه والحفاظ على مكتسباته، والمشاركة في الانتخابات وممارسة الحقوق المتعلّقة بها.
المراجع:
(1): الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية والاستراتيجية، قسم مدخل علم السياسة والفكر السياسي، ملف شامل عن المواطنة، 7/3/2017.
(2): د. جعفر شيخ إدريس، مظاهر المواطنة، مجلّة البيان الإلكترونيّة، العدد 211، ربيع الأوّل 1426 ه.
(3): محمد بن خلف ابن الشيخ، مظاهر الوطنيّة الصادقة، جريدة الجزيرة السعوديّة، العدد 12111، 25/11/2005.
(4): المواطنة في بُعدها الاجتماعي، موقع الموسوعة المدرسيّة الإلكتروني.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز