السليلوز المعدّل كيميائياً..

• تقنية واعدة لاستعادة الرصاص من نفايات الخلايا الشمسية وتعزيز الاقتصاد الدائري
• من الطاقة النظيفة إلى إدارة النفايات: تحدٍّ بيئي يستدعي حلولاً مبتكرة

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم: أ.د. يسرا حمدي (*)، مؤسسة مهندسون من أجل مصر المستدامة، بالتعاون مع مجلة إسكندرية 2050، 20 اكتوبر2026

يمثل التحول نحو الطاقة المتجددة أحد المسارات الرئيسية للحد من الانبعاثات الكربونية وتعزيز أمن الطاقة، وتأتي الطاقة الشمسية في مقدمة التقنيات الداعمة لهذا التحول. إلا أن الاستدامة الحقيقية لهذه التكنولوجيا لا ترتبط فقط بقدرتها على إنتاج الكهرباء دون انبعاثات مباشرة أثناء التشغيل، بل تمتد أيضاً إلى إدارة مكوناتها عند انتهاء عمرها التشغيلي، وضمان عدم تحول مخلفاتها إلى مصدر جديد للتلوث البيئي.

وفي هذا السياق، تبرز الخلايا الشمسية المصنوعة من مواد البيروفسكايت بوصفها إحدى التقنيات الواعدة في مجال الخلايا الكهروضوئية، نظراً إلى خصائصها الضوئية المتميزة وإمكانية تصنيعها باستخدام عمليات ومواد متنوعة. ومع ذلك، تعتمد أنواع واسعة من هذه الخلايا على مركبات تحتوي على الرصاص، وهو معدن سام قد يشكل خطراً على صحة الإنسان والأنظمة البيئية إذا تحرر من المخلفات ووصل إلى التربة أو المياه.

ومن هنا تنشأ معادلة الاستدامة الأساسية: كيف يمكن الاستفادة من مزايا الطاقة الشمسية المتقدمة، مع ضمان إدارة آمنة لمخلفاتها واستعادة المعادن الموجودة فيها بدلاً من فقدانها أو تحويلها إلى ملوثات؟
تقدم دراسة علمية حديثة منشورة في دورية «واجهات المواد التطبيقية» الصادرة عن الجمعية الكيميائية الأمريكية، في عام ٢٠٢٦، اتجاهاً تقنياً مهماً للإجابة عن هذا السؤال، من خلال تطوير مادة ماصّة قائمة على السليلوز المعدّل كيميائياً، قادرة على التقاط المعادن واستعادتها من المحاليل العضوية الناتجة عن عمليات إعادة تدوير الخلايا الشمسية المستهلكة.

لماذا يصعب استعادة الرصاص من مخلفات الخلايا الشمسية؟
تتطلب عمليات تفكيك بعض الخلايا الشمسية واستخلاص مكوناتها استخدام مذيبات عضوية تساعد على إذابة الطبقات الوظيفية وفصل المواد المترابطة داخل بنية الخلية. ومن أمثلة هذه المذيبات الميثانول وثنائي ميثيل فورماميد، المستخدم في بعض عمليات معالجة مواد البيروفسكايت.

لكن وجود المعادن في هذه الأوساط يخلق تحدياً كيميائياً؛ إذ تختلف طبيعة تفاعل الأيونات المعدنية مع المذيب، وكذلك درجة استقرارها وتوزيعها بين مكونات المحلول، عن سلوكها في الماء. ولذلك لا يمكن افتراض أن تقنيات المعالجة المائية التقليدية، مثل التبادل الأيوني أو الترسيب الكيميائي، ستحقق الكفاءة نفسها عند استخدامها في المذيبات العضوية.

وتزداد أهمية هذه المشكلة عندما تحتوي المحاليل الناتجة عن إعادة التدوير على الرصاص، لأن نجاح عملية التفكيك لا يكفي وحده لإثبات سلامة العملية بيئياً. بل يجب أيضاً التحقق من كفاءة استخلاص المعدن من المحلول، ومنع انتقاله إلى تيارات النفايات الأخرى، والتأكد من سلامة التعامل مع المادة المسترجعة.

وبالتالي، فإن تطوير مادة ماصّة تعمل بكفاءة في البيئات العضوية يمكن أن يمثل خطوة مهمة نحو إنشاء عمليات إعادة تدوير أكثر تكاملاً، تجمع بين استعادة الموارد وتقليل مخاطر التلوث.

الابتكار العلمي: تحويل السليلوز إلى مادة انتقائية لالتقاط المعادن
اعتمد الفريق البحثي، بمشاركة باحثين من جامعة كانازاوا وجامعة فوكوشيما اليابانيتين وشركة دايسيل، على السليلوز بوصفه هيكلاً أساسياً لمادة ماصّة جرى تعديلها كيميائياً بإضافة مجموعات وظيفية تُعرف باسم مجموعات ثنائي ثيوكربامات.

والسليلوز بوليمر طبيعي وفير يوجد في النباتات، ويتميز بإمكانية تعديله كيميائياً لإكسابه خصائص وظيفية جديدة. وفي هذه التقنية، لا يعتمد الأداء على وجود السليلوز وحده، بل على التفاعل بين هيكله البوليمري والمجموعات الكيميائية المضافة إليه.

وتحتوي مجموعات ثنائي ثيوكربامات على ذرات كبريت قادرة على الارتباط بأيونات معدنية معينة. وتستفيد هذه الخاصية من مبدأ كيميائي معروف يقوم على اختلاف قوة التفاعل بين الأيونات المعدنية والمجموعات المانحة للإلكترونات. ويُعد الرصاص من المعادن التي يمكن أن تُظهر ألفة ملحوظة تجاه المواقع الغنية بالكبريت في ظروف كيميائية مناسبة.

وعندما يلامس المحلول المحتوي على الرصاص المادة الماصّة، تتفاعل المواقع الفعالة الموجودة على سطحها مع الأيونات المعدنية، فتحتجزها وتقلل تركيزها في المحلول. وتُعرف هذه العملية بالامتزاز الكيميائي عندما يكون التفاعل السطحي الكيميائي هو الآلية المسيطرة على الاحتجاز.

وتكمن أهمية هذا التصميم في أنه لا يكتفي بتوفير سطح لالتقاط المعادن، بل يضيف إليه مواقع كيميائية قادرة على الارتباط بها بصورة انتقائية، مع المحافظة على بنية مادية مناسبة للعمل في أوساط عضوية يصعب التعامل معها باستخدام بعض المواد الماصّة التجارية.

كيف تأكد الباحثون من آلية التقاط الرصاص؟
لم يعتمد الباحثون على قياس انخفاض تركيز المعدن في المحلول وحده، بل استخدموا مجموعة من تقنيات التحليل الطيفي لدراسة التغيرات الكيميائية التي تحدث عند ارتباط الرصاص بالمادة الماصّة.

شملت هذه التحاليل مطيافية الأشعة تحت الحمراء، ومطيافية الإلكترونات بالأشعة السينية، والتحليل باستخدام امتصاص الأشعة السينية. وتتيح هذه الأدوات دراسة المجموعات الكيميائية، والتغيرات في البيئات الإلكترونية للعناصر، وطبيعة الروابط المحلية المحيطة بالذرات المعدنية.

وقد دعمت نتائج التحليل تفسير احتجاز المعادن من خلال التفاعل مع المواقع الفعالة المحتوية على الكبريت، بدلاً من الاقتصار على الاحتجاز الفيزيائي داخل مسام المادة.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة؛ لأن فهم آلية الارتباط يساعد على تفسير أداء المادة في المذيبات المختلفة، كما يتيح تطوير مواد مشابهة تستهدف معادن أخرى أو تعمل في ظروف تشغيل متنوعة.

نتائج معملية لافتة: كفاءة مرتفعة خلال عشر دقائق
أظهرت الدراسة أن المادة الماصّة المطوّرة، التي حملت الرمز البحثي «دي بي إي ٦»، حققت أداءً مرتفعاً في التقاط المعادن من الأوساط العضوية.

ووصلت عملية الامتزاز إلى حالة الاتزان خلال نحو عشر دقائق في ظروف التجارب المعلنة، وهي نتيجة تشير إلى سرعة التفاعل بين المواقع الفعالة والمعدن، وإن كانت لا تعني بالضرورة أن دورة المعالجة الصناعية الكاملة ستستغرق عشر دقائق فقط؛ إذ تشمل العمليات الصناعية مراحل أخرى، مثل نقل المحلول وفصل المادة الماصّة وتجديدها ومعالجة النفايات الناتجة.

وعند اختبار المادة على محاليل فعلية ناتجة عن إعادة تدوير خلايا شمسية مستهلكة قائمة على البيروفسكايت، سجل الباحثون كفاءة استخلاص للرصاص تراوحت بين ٩١٪ و٩٩٪ تقريباً، وفقاً لنوع المذيب المستخدم.
وتشير هذه النتائج إلى إمكانية معالجة جزء كبير من الرصاص الموجود في المحاليل المستهدفة، مع اختلاف الأداء بحسب طبيعة الوسط الكيميائي.

ومن المهم التمييز بين كفاءة الاستخلاص والسعة القصوى للامتزاز. فالأولى تعبّر عن النسبة التي جرى استخلاصها من كمية الرصاص الموجودة في محلول معين، بينما تعبّر الثانية عن أقصى كمية من المعدن تستطيع وحدة الكتلة من المادة الماصّة احتجازها تحت ظروف اختبار محددة.
وتساعد هذه المؤشرات مجتمعة على تقييم أداء المادة، لكنها لا تكفي منفردة للحكم على كفاءتها الاقتصادية أو جاهزيتها للتطبيق الصناعي واسع النطاق.

ماذا تعني النتائج بيئياً واقتصادياً؟
تتجاوز أهمية هذه التقنية حدود إزالة ملوث من محلول؛ فهي ترتبط بإعادة التفكير في كيفية إدارة الموارد داخل سلسلة قيمة الطاقة الشمسية.

أولاً: الحد من مخاطر التلوث. إن خفض تركيز الرصاص في المحاليل الناتجة عن إعادة التدوير يمكن أن يساعد على تقليل احتمالات انتقاله إلى مسارات التخلص من النفايات أو إلى مياه الصرف، بشرط استكمال المعالجة والتحقق من مطابقة المخرجات للمتطلبات البيئية المعمول بها.
ثانياً: استعادة الموارد بدلاً من فقدانها. يتيح احتجاز الرصاص في مادة منفصلة إمكانية تركيزه واسترجاعه في مرحلة لاحقة، بدلاً من بقائه مخففاً في تيارات سائلة يصعب التعامل معها. ومع ذلك، فإن الحصول على معدن أو مركب مسترجع لا يعني تلقائياً أنه صالح لإعادة الاستخدام في تصنيع خلايا جديدة؛ إذ يتطلب ذلك عمليات تنقية وفحوصاً لجودة المنتج.

ثالثاً: دعم الاقتصاد الدائري. يمكن دمج هذه التقنية ضمن منظومة أوسع تشمل تفكيك الخلايا، وفصل الزجاج والركائز والطبقات المعدنية، ومعالجة المحاليل، واستعادة المواد ذات القيمة الاقتصادية. ويؤدي هذا التكامل، إذا ثبتت جدواه، إلى تقليل فقدان الموارد وتعزيز كفاءة استخدام المواد الأولية.

رابعاً: توسيع تطبيقات الكيمياء الخضراء. يوفر استخدام هيكل قائم على السليلوز مساراً بحثياً واعداً لتطوير مواد ماصّة تعتمد على البوليمرات الحيوية. ومع ذلك، ينبغي تقييم الأثر البيئي للمادة المعدّلة ككل، بما يشمل المواد الكيميائية المستخدمة في تصنيعها وتجديدها، واستهلاك الطاقة، ومصيرها بعد انتهاء عمرها التشغيلي.

هل أصبحت التقنية جاهزة للتطبيق الصناعي؟
رغم النتائج المعملية المشجعة، فإن الانتقال من المختبر إلى الصناعة يحتاج إلى مجموعة من الاختبارات الإضافية. فمن الضروري تقييم أداء المادة عند التعامل مع كميات كبيرة من المحاليل، ومع مخاليط تحتوي على معادن ومركبات متعددة، فضلاً عن اختبار ثباتها عبر دورات متكررة من الامتزاز والتجديد.

كما ينبغي تحديد كلفة تصنيع المادة الماصّة، واستهلاك المذيبات والمواد الكيميائية، ومعدلات استرداد الرصاص الفعلية، وكلفة معالجة المخلفات الثانوية. وتكتسب هذه العناصر أهمية إضافية لأن بعض المذيبات العضوية المستخدمة في معالجة الخلايا الشمسية تتطلب ضوابط خاصة للتداول والاسترجاع والتخلص الآمن.

ويُعد تحليل دورة الحياة، إلى جانب التقييم الاقتصادي للعملية، أداة مهمة لمقارنة هذا الحل بالبدائل المتاحة. فلا يكفي أن تكون المادة عالية الكفاءة في المختبر؛ بل يجب أن تثبت أن مجمل العملية يحقق مكاسب بيئية واقتصادية مقارنة بالخيارات الأخرى.

توصيات لتعزيز الإدارة المستدامة لنفايات الطاقة الشمسية
في ضوء هذه النتائج، يمكن اقتراح مجموعة من التوجهات العملية:
1. دعم الأبحاث التطبيقية التي تختبر المواد الماصّة المعدّلة على نطاق تجريبي موسّع، باستخدام مخلفات حقيقية ذات تركيبات متغيرة.
2. تطوير نظم متكاملة لاسترجاع المذيبات والمعادن، بحيث لا تؤدي إزالة الرصاص من تيار واحد إلى نقل المشكلة إلى تيار نفايات آخر.
3. اعتماد تقييمات واضحة للأثر البيئي والاقتصادي قبل التوسع في استخدام التقنية، مع قياس استهلاك الطاقة والمياه والمواد الكيميائية وكميات النفايات الثانوية.
4. تشجيع التعاون بين الجامعات ومراكز البحث والمصنّعين وشركات إدارة النفايات لتطوير حلول عملية تتوافق مع متطلبات السلامة البيئية.
5. تعزيز مسؤولية المنتج الممتدة، من خلال وضع خطط لإدارة نهاية العمر التشغيلي للخلايا الشمسية منذ مرحلة التصميم والتصنيع، بدلاً من تأجيل معالجة المشكلة إلى حين تراكم المخلفات.
6. تطوير أطر تنظيمية تضمن جمع الخلايا المحتوية على الرصاص ونقلها ومعالجتها في منشآت مؤهلة، مع التحقق من سلامة المواد المسترجعة ومطابقة المخلفات النهائية للمعايير ذات الصلة.

استدامة الطاقة تبدأ من إدارة دورة حياتها كاملة
تؤكد هذه الدراسة أن تطوير تقنيات الطاقة النظيفة يجب أن يسير بالتوازي مع تطوير حلول آمنة ومستدامة لإدارة مخلفاتها. فالمادة الماصّة القائمة على السليلوز المعدّل كيميائياً تقدم مثالاً على كيف يمكن للكيمياء التطبيقية أن تسهم في مواجهة تحدٍ بيئي محدد، عبر الجمع بين احتجاز المعادن واستعادة الموارد من المحاليل العضوية المعقدة.

ومع أن النتائج المعملية تمثل خطوة واعدة، فإن القيمة الحقيقية لهذا الابتكار ستتحدد بقدرته على الانتقال إلى تطبيقات عملية موثوقة، تحقق كفاءة استرداد مرتفعة، وتحد من المخاطر البيئية، وتبرهن على جدواها الاقتصادية طوال دورة حياة العملية.

إن مستقبل الطاقة الشمسية المستدامة لا يتوقف عند إنتاج الكهرباء من ضوء الشمس، بل يتطلب أيضاً ضمان ألا تتحول مخلفات التكنولوجيا النظيفة إلى عبء بيئي جديد، وأن تصبح الموارد المسترجعة جزءاً من منظومة إنتاج أكثر كفاءة ومسؤولية.

(*) أ.د. يسرا حمدي:
أستاذ الهندسة الكيميائية، خبيرة الاستدامة الصناعية والتحول الأخضر

المراجع العلمية الموثقة
1. Sarker, P.; Rahman, I.; Marumoto, M.; Taka, S.; Watanabe, S.; Hong, W. K.; Mashio, A. S.; Nishimura, T.; Maeda, K.; Hasegawa, H. Dithiocarbamate-Functionalized Cellulose for High-Efficiency Separation of Critical Metals from Organic Effluents. ACS Applied Materials & Interfaces 2026, 18 (26), 36786–36796. https://doi.org/10.1021/acsami.6c06734.
2. Sarker, P.; Yazawa, R.; Funaoka, Y.; Nakashima, H.; Rahman, I.; Wong, K. H.; Mashio, A. S.; Shahiduzzaman, Md.; Taima, T.; Hasegawa, H. Biodegradable Chelator–Biosorbent Synergy Enables the Closed-Loop Recovery of End-of-Life Perovskite Solar Cells. Journal of Materials Chemistry A 2026, Advance Article. https://doi.org/10.1039/D6TA03802F.
3. Yazawa, R.; Sarker, P.; Nakahara, Y.; Suzuki, K.; Yoshioka, S.; Hong, W. K.; Mashio, A. S.; Nakano, M.; Nishimura, T.; Karakawa, M.; Akhtaruzzaman, Md.; Yamada, H.; Nunzi, J.-M.; Maeda, K.; Hasegawa, H.; Taima, T.; Shahiduzzaman, Md. Selective Adsorption-Assisted Recovery of Lead and Metals from Acidic Leachates of Flexible Perovskite Solar Cells. ACS Sustainable Chemistry & Engineering 2026, 14 (21), 9976–9984. https://doi.org/10.1021/acssuschemeng.6c02566.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

ورد النيل.. من زهرة للزينة إلى تحدٍ مائي ثم مورد للاقتصاد الدائري

من جمال الزهرة إلى حماية المياه.. كيف تحوّل «ورد النيل» من مشكلة بيئية إلى فرصة …

اترك تعليقاً