العدالة البيئية في الأردن تحت المجهر..

 9734 حكماً تكشف فجوة بين القانون والردع

دراسة وطنية ترصد خمس سنوات من التقاضي: الغرامات تهيمن على العقوبات و94.3% من الأحكام تطال الأفراد.. والرقمنة والتخصص القضائي في صدارة متطلبات التطوير

شبكة بيئة ابوظبي، عمان، المملكة الأردنية الهاشمية، 29 سبتمبر 2026
كشفت دراسة متخصصة بعنوان «دراسة حالة العدالة البيئية في الأردن وأثرها القانوني والاقتصادي والاجتماعي على الأفراد والمجتمعات»، صادرة عن المركز الوطني للعدالة البيئية في الأردن، بالتعاون مع المركز الإقليمي لعدالة الطاقة والمناخ لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مؤسسة فريدريش إيبرت، عن صورة مركبة لواقع العدالة البيئية والتقاضي البيئي في المملكة، استناداً إلى تحليل آلاف الأحكام القضائية خلال الفترة من 2018 إلى 2022.

وأظهرت الدراسة نشاطاً قضائياً واسعاً من حيث عدد الأحكام، يقابله تحدٍّ يتعلق بفاعلية الردع، ومدى استخدام التشريعات البيئية المتخصصة، والتوازن الجغرافي والمؤسسي في إنفاذ القانون؛ إذ استند التحليل إلى 9734 حكماً قضائياً بيئياً صادراً عن محاكم الصلح والبداية، جرى تصنيفها وفق نوع الجريمة والعقوبة والمرجع القانوني والموقع الجغرافي.

كثيفة بالأرقام.. ضعيفة بالأثر
واحدة من أبرز خلاصات الدراسة تتمثل في أن العدد الكبير من الأحكام لا يعني بالضرورة تحقيق مستوى مماثل من الردع البيئي؛ إذ وصفت الواقع بأنه «كثيف بالأرقام، ضعيف بالأثر»، في إشارة إلى الفجوة بين النشاط القضائي الكمي وشدة العقوبات والأثر النوعي للحماية البيئية.

وتكشف الأرقام عن تحول لافت خلال سنوات الدراسة. ففي عام 2018 سُجل 1777 حكماً، ثم انخفض العدد إلى 1214 حكماً عام 2019 و935 حكماً عام 2020، قبل أن يرتفع إلى 1256 حكماً عام 2021، ثم يقفز إلى 4552 حكماً عام 2022، بما يمثل نحو 46.7% من العينة. وربطت الدراسة هذه القفزة بعودة النشاط الاقتصادي بعد جائحة كورونا، وتوسع الرقابة والتفتيش وتطبيق قانون حماية البيئة.

قانون حماية البيئة في صدارة التقاضي
وأظهرت النتائج أن قانون حماية البيئة رقم 6 لسنة 2017 يمثل الركيزة الأساسية للتشريع البيئي الأردني، إذ استند إليه نحو 56% من إجمالي الأحكام التي شملتها الدراسة، يليه قانون الزراعة بنسبة 17.51%، ثم قانون الصحة العامة بنسبة 12.26%، فيما جاء حضور بقية التشريعات بنسب أقل.

وفي المقابل، تشير الدراسة إلى محدودية توظيف عدد من التشريعات والأنظمة الفنية المتخصصة، الأمر الذي يطرح تساؤلاً مهماً حول الفارق بين وجود التشريع على الورق وفاعليته في التطبيق القضائي. كما رصدت حالات استمرار الاستناد إلى قوانين ملغاة، معتبرة ذلك مؤشراً إلى الحاجة لتحديث المرجعيات التشريعية المستخدمة في الدعاوى البيئية.

الغرامة هي العقوبة الأكثر حضوراً
ومن النتائج اللافتة أن 69.5% من الأحكام انتهت بالغرامة فقط، وأن 65.8% من هذه الغرامات تراوحت بين 500 و999 ديناراً، بينما ظلت العقوبات المشددة نادرة للغاية ولم تتجاوز نسبتها 0.43% من مجموع الأحكام، رغم وجود نصوص قانونية تتضمن عقوبات أكثر شدة.

وتثير هذه النتيجة قضية تتجاوز عدد القضايا إلى فلسفة العقوبة البيئية نفسها: هل تمثل العقوبة تكلفة يمكن استيعابها، أم أداة ردع حقيقية تمنع تكرار الضرر البيئي؟

تفاوت جغرافي في إنفاذ القانون
ورصدت الدراسة كذلك تفاوتاً واضحاً بين المحافظات؛ إذ تركز نحو 72% من الأحكام في ثلاث محافظات هي إربد وعمان والزرقاء، بينما سجلت محافظات أخرى أعداداً محدودة من القضايا.

وتصدرت إربد مشهد التقاضي البيئي بحصة كبيرة من الأحكام، فيما برزت العقبة في القضايا البيئية الأكثر جسامة. وترى الدراسة أن هذه الفوارق قد تعكس اختلاف مستويات الرقابة والتفتيش والكثافة السكانية والنشاط الاقتصادي، وليس بالضرورة التوزيع الحقيقي للمخاطر البيئية.

الأفراد يتحملون النصيب الأكبر من الملاحقات
ومن أكثر المؤشرات إثارة للاهتمام أن 94.3% من الأحكام استهدفت أفراداً، مقابل 5.7% فقط للأشخاص المعنويين، بما في ذلك الشركات والمؤسسات. واعتبرت الدراسة ذلك مؤشراً إلى تركيز التدخل القضائي بدرجة كبيرة على المخالفات الفردية، مقابل حضور محدود للشركات والمؤسسات الكبرى في سجل الإدانة.

كما أظهرت النتائج أن النظام القضائي البيئي يعتمد بصورة أساسية على تحريك القضايا من الجهات الرسمية المختصة، بينما بقيت مساهمة الشكاوى الفردية في السياق الجزائي محدودة، ولم تتجاوز 0.68% من المجموع الكلي.

المياه.. خطورة كبيرة وحضور قضائي محدود
وفي بلد يُعد الأمن المائي فيه من القضايا الاستراتيجية، توقفت الدراسة عند ما وصفته بالفجوة بين جسامة الخطر والاستجابة القضائية للجرائم المائية. فرغم خطورة الاعتداء على الموارد المائية، بقي حضور هذه الجرائم في منظومة الضبط والتجريم محدوداً مقارنة بحجم التحدي.

وشملت المخالفات المرتبطة بقانون سلطة المياه، وفق الدراسة، تصريف المياه العادمة في غير الأماكن المخصصة وحفر الآبار الجوفية دون ترخيص، وهي ممارسات تحمل آثاراً مباشرة على الموارد المائية والبيئة.

من القضاء الورقي إلى العدالة البيئية الرقمية
ولا تكتفي الدراسة بتشخيص أوجه القصور، بل تطرح اتجاهاً تطويرياً يقوم على رقمنة التقاضي البيئي وتحويل الأحكام القضائية إلى بيانات قابلة للتحليل، بما يساعد الجهات القضائية والتنفيذية وصناع السياسات على التعرف إلى أنماط الجرائم ومناطق تركزها وفاعلية التشريعات والعقوبات.

وتدعو الدراسة إلى توحيد المنهجيات القانونية، وتعزيز الرقمنة والتحليل البياني للأحكام، وتطوير التكامل المؤسسي بين الجهات المعنية، إلى جانب التدريب وبناء قدرات العاملين في المجالين البيئي والقضائي، والاعتماد على البيانات الدقيقة في رسم السياسات العامة.

العدالة البيئية أبعد من المحكمة
وتحمل الدراسة رسالة أوسع من مجرد تحليل القضايا والأحكام؛ فالعدالة البيئية، وفق الإطار الذي تنطلق منه، ترتبط بضمان التوزيع العادل للفوائد والمخاطر البيئية، وحماية حق الأفراد والمجتمعات في بيئة سليمة وآمنة، وتمكين المتضررين من الوصول إلى العدالة ومساءلة الجهات المسببة للأضرار البيئية.

ومن هنا، تكشف الدراسة أن التحدي المقبل أمام الأردن ليس في زيادة عدد القضايا البيئية بقدر ما هو في رفع جودة وفاعلية إنفاذ القانون، وتعزيز قوة الردع، وتوسيع استخدام التشريعات المتخصصة، وتحقيق قدر أكبر من الاتساق والتوازن بين المحافظات، وتقوية التكامل بين القضاء والجهات الرقابية والفنية.

وفي المحصلة، تقدم الدراسة قاعدة بيانات مهمة لفهم واقع العدالة البيئية في الأردن، وتفتح الباب أمام الانتقال من قياس النجاح بعدد المخالفات والأحكام إلى قياسه بقدرة القانون على منع الضرر قبل وقوعه، ومحاسبة المتسبب فيه، وإنصاف المتضررين، وحماية الموارد الطبيعية للأجيال القادمة. وهو انتقال يجعل العدالة البيئية جزءاً أصيلاً من منظومة التنمية المستدامة والحوكمة، وليس مجرد ملف قانوني متخصص.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

دول الاتحاد الأوروبي تنسحب من محادثات مكافحة التضليل البيئي بعد انسحاب إيطاليا

يبدو الآن أنه من غير المرجح أن يتم إقرار القانون المقترح الذي يمنع الشركات من …

اترك تعليقاً