دراسة مقارنة لنماذج حضرية رائدة عالمياً في التحول الذكي والمناخي
شبكة بيئة أبوظبي، مصطفى بنرامل (*) ، خبير بيئي، رئيس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ، المملكة المغربية 14 أغسطس/ غشت 2026
الملخص
أصبحت المدن في قلب التحولات المرتبطة بأزمة المناخ، فهي في الوقت نفسه من أكثر المجالات تعرضاً لموجات الحر والفيضانات والجفاف والعواصف وارتفاع مستوى سطح البحر، ومن أبرز مراكز استهلاك الطاقة والانبعاثات. وتكتسب هذه المسألة أهمية متزايدة مع استمرار التحضر العالمي؛ فوفق تقديرات الأمم المتحدة، كان 55% من سكان العالم يعيشون في المناطق الحضرية سنة 2018، ومن المتوقع أن ترتفع النسبة إلى 68% بحلول سنة 2050، مع تركز جزء كبير من النمو الحضري المستقبلي في آسيا وإفريقيا (United Nations, 2018). وفي السياق نفسه، تشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن المدن تضم أكثر من نصف سكان العالم، وتستهلك نحو ثلثي الطاقة العالمية، وترتبط بأكثر من 70% من الانبعاثات السنوية العالمية للكربون (IEA, 2021).
أمام هذه التحولات برز مفهوم «المدينة الذكية» باعتباره نموذجاً جديداً لإدارة المجال الحضري اعتماداً على البيانات الضخمة، وإنترنت الأشياء، والذكاء الاصطناعي، وأنظمة الاستشعار، والشبكات الذكية، والمنصات الرقمية، والنقل الذكي، وأنظمة الإنذار المبكر. غير أن الأدبيات العلمية الحديثة تحذر من اختزال المدينة الذكية في بعدها التكنولوجي، لأن ارتفاع مستوى الرقمنة لا يعني بالضرورة تحقيق الاستدامة أو خفض الانبعاثات أو تعزيز العدالة الاجتماعية (Ahvenniemi et al., 2017; Mora et al., 2019; Sharifi, 2021).
ينطلق هذا البحث من سؤال مركزي يتمثل في مدى قدرة المدن الذكية على مواجهة أزمة المناخ، ويعتمد منهجاً تحليلياً مقارناً لدراسة أربع تجارب حضرية رائدة هي كوبنهاغن وسنغافورة وأمستردام وبرشلونة. وتبين المقارنة أن التكنولوجيا يمكن أن تكون أداة قوية للتخفيف من الانبعاثات وتعزيز كفاءة الطاقة والمياه والنقل والمرونة الحضرية، لكنها لا تكفي بمفردها. فالمدينة الذكية لا تصبح بالضرورة مدينة مناخية بمجرد رقمنة خدماتها، وإنما عندما تُدمج التكنولوجيا في منظومة أوسع تشمل التخطيط الحضري، والطاقة النظيفة، والتنقل المستدام، والبنية التحتية الخضراء، والاقتصاد الدائري، والعدالة المناخية، والحكامة التشاركية. ويقترح البحث، في ضوء الحالة المغربية، الانتقال من مفهوم «المدينة الذكية» إلى مفهوم أكثر تكاملاً هو «المدينة الذكية المناخية».
الكلمات المفتاحية: المدن الذكية؛ تغير المناخ؛ التحول الرقمي؛ المرونة الحضرية؛ الاستدامة؛ الطاقة؛ التنقل المستدام؛ الحكامة؛ المغرب.
مقدمة عامة: من المدينة الذكية إلى المدينة المناخية
يشهد العالم تحولاً حضرياً غير مسبوق يجعل المدن أحد أهم المجالات التي ستتحدد فيها ملامح التنمية خلال العقود المقبلة. فقد ارتفعت نسبة سكان العالم المقيمين في المناطق الحضرية إلى % 55 سنة 2018، ويتوقع أن تبلغ % 68 بحلول سنة 2050، وهو ما يعني إضافة نحو 2.5 مليار نسمة إلى سكان المناطق الحضرية خلال الفترة الممتدة بين 2018 و2050، مع تركز الجزء الأكبر من هذا النمو في آسيا وإفريقيا (United Nations, 2018). ولا تمثل هذه الدينامية الديموغرافية مجرد تحول في توزيع السكان، بل تعيد تشكيل الطلب على الطاقة والمياه والغذاء والنقل والبنية التحتية والخدمات العمومية.
وتتزامن هذه التحولات مع تصاعد المخاطر المناخية التي أصبحت أكثر حضوراً في الحياة الحضرية. فالمدن تتعرض لموجات الحر، والفيضانات، والعواصف، والجفاف، وارتفاع مستوى سطح البحر، كما تتفاقم آثار هذه المخاطر بسبب التوسع العمراني غير المخطط، وضعف البنية التحتية، وعدم المساواة الاجتماعية والمكانية. ويؤكد تقرير World Cities Report 2024 أن المدن توجد في الخط الأمامي لأزمة المناخ، وأن الفئات الأكثر هشاشة تتحمل غالباً الجزء الأكبر من آثارها، وهو ما يجعل العمل المناخي الحضري مرتبطاً أيضاً بقضايا العدالة الاجتماعية والإدماج (UN-Habitat, 2024).
في هذا السياق اكتسب مفهوم المدينة الذكية حضوراً متزايداً في السياسات الحضرية والأبحاث العلمية. وقد ارتبط المفهوم في بداياته بصورة أساسية بتوظيف تكنولوجيات المعلومات والاتصال لتحسين إدارة الخدمات، إلا أن النقاش العلمي تطور تدريجياً نحو مساءلة العلاقة بين «الذكاء» و«الاستدامة». فقد أظهر تحليل مقارن لـ16 إطاراً لتقييم المدن الذكية والمستدامة أن أطر المدن الذكية تميل إلى إعطاء وزن أكبر للتكنولوجيا والجوانب الاجتماعية والاقتصادية، في حين تحتوي أطر الاستدامة على مؤشرات بيئية أكثر وضوحاً؛ ولذلك اقترح الباحثون استعمال مفهوم «المدن الذكية المستدامة» بدلاً من الفصل بين المفهومين (Ahvenniemi et al., 2017).
ويكتسب هذا النقد أهمية أكبر عندما يتعلق الأمر بتغير المناخ. فالمراجعة النقدية التي أنجزها Sharifi (2021) توضح أن العلاقة بين المدن الذكية والعمل المناخي ينبغي أن تُدرس من خلال خمسة مجالات مترابطة هي البنية التحتية، والصحة العامة، والعدالة وإمكانية الوصول، والنظم المستدامة، والحكامة. ومن ثم، فإن السؤال لم يعد فقط: كيف نجعل المدينة أكثر ذكاءً؟ وإنما أصبح: كيف نجعلها أكثر ذكاءً وأقل انبعاثاً وأكثر قدرة على الصمود أمام تغير المناخ؟
وتبرز هنا ضرورة التمييز بين المدينة الذكية والمدينة المناخية. فالمدينة الذكية تستخدم التكنولوجيا والبيانات لتحسين الأداء الحضري، بينما تركز المدينة المناخية على خفض الانبعاثات والتكيف مع المخاطر وحماية الموارد والأنظمة البيئية وتحقيق العدالة. والمطلوب مستقبلاً ليس اختيار أحد النموذجين، وإنما بناء تقاطع بينهما يجعل التكنولوجيا وسيلة لتحقيق أهداف مناخية واجتماعية قابلة للقياس.
إشكالية الدراسة وأسئلتها
تنطلق الدراسة من إشكالية رئيسية مفادها أن التوسع في الاستثمار في التكنولوجيا الرقمية داخل المدن لا يضمن بالضرورة انتقالها إلى مسار منخفض الكربون أو أكثر قدرة على التكيف مع تغير المناخ. فقد تكون المدينة متقدمة في البنية الرقمية، وتستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي والاستشعار والبيانات الضخمة، لكنها في الوقت نفسه تعاني من ارتفاع استهلاك الطاقة، والاعتماد على السيارات الخاصة، واستنزاف الموارد الطبيعية، وضعف المساحات الخضراء، واتساع الفوارق الاجتماعية.
وعليه، يتمثل السؤال المركزي للبحث في الآتي: إلى أي حد تستطيع المدن الذكية، من خلال توظيف التكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي، أن تتحول إلى مدن منخفضة الكربون وقادرة على التكيف مع تغير المناخ؟ وهل تمثل الرقمنة حلاً مناخياً حقيقياً، أم أنها قد تتحول إلى أداة لتحسين الكفاءة التشغيلية دون معالجة الأسباب البنيوية للأزمة البيئية؟
ويتفرع عن هذا السؤال عدد من الأسئلة الفرعية المرتبطة بطبيعة العلاقة بين التحول الرقمي والتحول المناخي، وبالقطاعات الحضرية التي يمكن أن تستفيد أكثر من التكنولوجيا في خفض الانبعاثات، وبحدود الحلول الرقمية، وبالدروس المستفادة من التجارب الدولية، وبإمكان تكييفها مع السياق المغربي.
فرضيات الدراسة
تنطلق الدراسة من أربع فرضيات مترابطة. تفترض الأولى أن التكنولوجيا الذكية يمكن أن تسهم بصورة ملموسة في تحسين كفاءة الطاقة والمباني والنقل وشبكات الكهرباء والمياه. وتفترض الثانية أن المدينة الذكية ليست بالضرورة مدينة مستدامة، لأن التكنولوجيا قد تُحسن الكفاءة دون أن تغير البنية الأساسية للاستهلاك والإنتاج الحضري. أما الفرضية الثالثة فتفترض أن التجارب الأكثر نجاحاً هي تلك التي تدمج التحول الرقمي مع التخطيط المناخي والطاقة النظيفة والتنقل المستدام والبنية التحتية الخضراء. وتفترض الرابعة أن نجاح التحول الذكي والمناخي يتطلب حكامة متعددة المستويات، ومشاركة للمواطنين، ومؤشرات قابلة للتحقق، وليس مجرد استثمارات تقنية.
وتتوافق هذه الفرضيات مع ما خلصت إليه الأدبيات المقارنة، التي ترى أن تقييم المدينة الذكية ينبغي ألا يقتصر على قياس مدى انتشار الحلول التكنولوجية، وإنما يجب أن يقيس أثرها النهائي على الاستدامة البيئية والاجتماعية والاقتصادية (Ahvenniemi et al., 2017; Mora et al., 2019).
المحور الأول: المدن باعتبارها مجالاً مركزياً للعمل المناخي
لا يمكن فصل مستقبل العمل المناخي عن مستقبل المدن. فالمدن تتركز فيها الأنشطة الاقتصادية والسكانية والبنية التحتية، كما يتركز فيها جزء كبير من الطلب على الطاقة والنقل والمباني والخدمات. وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن المدن تستهلك نحو ثلثي الطاقة العالمية وترتبط بأكثر من % 70 من الانبعاثات السنوية العالمية للكربون، الأمر الذي يجعل العمل الحضري شرطاً أساسياً لتحقيق أهداف صافي الانبعاثات الصفري (IEA, 2021).
غير أن المدن ليست مجرد مصدر للانبعاثات، بل هي أيضاً ضحية مباشرة لتغير المناخ. فارتفاع درجات الحرارة يضاعف تأثير الجزر الحرارية الحضرية، وتزيد الأمطار الشديدة من مخاطر الفيضانات، بينما يهدد الجفاف ونقص المياه استدامة الخدمات الحضرية. ويؤكد UN-Habitat (2024) أن المخاطر المناخية لا توزع بالتساوي داخل المدن؛ إذ غالباً ما تواجه الفئات ذات الدخل المنخفض والسكان الأكثر هشاشة المخاطر الأكبر مع امتلاكها موارد أقل للتكيف.
وهنا يصبح التخطيط الحضري جزءاً من السياسة المناخية، لأن القرارات المتعلقة بتوزيع السكان، وكثافة البناء، وشبكات النقل، وموقع الخدمات، والمساحات الخضراء، وإدارة المياه والنفايات، تحدد بدرجة كبيرة البصمة الكربونية للمدينة وقدرتها على الصمود.
المحور الثاني: التكنولوجيا الذكية كأداة للعمل المناخي
يمكن للتكنولوجيا الرقمية أن تؤدي دوراً مهماً في الانتقال الحضري منخفض الكربون، خصوصاً عندما تستخدم لتحسين القرارات وليس فقط لأتمتة الخدمات. ففي قطاع المباني، تسمح أجهزة الاستشعار وأنظمة التحكم الذكية بمراقبة التدفئة والتبريد والإضاءة واستهلاك الكهرباء في الزمن الحقيقي، بما يتيح خفض الطلب وتحسين الكفاءة. وتقدر وكالة الطاقة الدولية أن الرقمنة وأنظمة التحكم الذكية في المباني يمكن أن تسهم في خفض انبعاثات هذا القطاع بنحو 350 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون بحلول 2050 ضمن السيناريوهات التي تعتمد على هذه الحلول (IEA, 2021).
ويقدم النقل الحضري مجالاً آخر للتداخل بين الرقمنة والعمل المناخي. فالبيانات في الزمن الحقيقي، وإدارة حركة المرور، ومنصات التنقل المتعدد، وتحسين النقل العمومي، وأنظمة مشاركة المركبات، والمركبات الكهربائية، يمكن أن تسهم في رفع كفاءة التنقل وتحسين الخدمات. وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن النقل الحضري يرتبط بنحو 4 مليارات طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، أي أكثر من % 40 من إجمالي انبعاثات قطاع النقل، وهو ما يوضح أهمية التدخل الحضري في هذا المجال (IEA, 2021).
كما تستطيع الشبكات الكهربائية الذكية أن تدعم الانتقال الطاقي من خلال تحسين التوازن بين العرض والطلب، ودمج مصادر الطاقة المتجددة، وإدارة الأحمال، وتحسين استقرار الشبكة. وتزداد أهمية هذه الوظائف مع ارتفاع حصة الطاقة الشمسية والريحية وتوسع استخدام المركبات الكهربائية.
وفي قطاع المياه، يمكن للعدادات الذكية وأجهزة الاستشعار وأنظمة تحليل البيانات أن تساعد في الكشف المبكر عن التسربات، وتحسين إدارة الطلب، وتحديد أنماط الاستهلاك، ورفع كفاءة الري وإعادة استخدام المياه. ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في المدن الواقعة في المناطق الجافة وشبه الجافة، حيث تتداخل ندرة المياه مع ارتفاع درجات الحرارة والنمو الحضري.
أما أنظمة الإنذار المبكر، فتتيح دمج بيانات الأقمار الصناعية ومحطات الرصد وأجهزة الاستشعار والنماذج المناخية لتحسين القدرة على التنبؤ بالفيضانات والحرائق وموجات الحر وبعض المخاطر الأخرى. غير أن التكنولوجيا لا تؤدي هذه الوظيفة بصورة مستقلة؛ إذ تتوقف فعاليتها على جودة البيانات، وقدرة المؤسسات على تحليلها، ووجود أنظمة استجابة فعالة، وثقة المواطنين في المؤسسات.
المحور الثالث: حدود التكنولوجيا ومفارقة الرقمنة
رغم الإمكانات الكبيرة للتكنولوجيا، فإن اعتبارها حلاً مناخياً بذاتها يمثل اختزالاً للمشكلة. فالمدن الذكية تحتاج إلى مراكز بيانات وشبكات اتصالات وخوادم وأجهزة استشعار وأجهزة إلكترونية، وكل ذلك يتطلب الطاقة والمواد والبنية التحتية. ومن ثم فإن الرقمنة ليست محايدة بيئياً بالضرورة.
وقد أظهرت الأدبيات أن بعض مبادرات المدن الذكية قد تركز على التكنولوجيا باعتبارها غاية، بدلاً من ربطها بأهداف بيئية واجتماعية واضحة. ويشير Mora et al. (2019) إلى أن الأدبيات حول المدن الذكية كثيراً ما تفترض أن التكنولوجيا ستؤدي تلقائياً إلى الاستدامة، في حين أن تحقيق النتائج المستدامة يتطلب تغييراً أعمق في أنماط التخطيط والإدارة والاستهلاك.
وعليه، فإن السؤال المناسب ليس ما إذا كانت المدينة تستخدم الذكاء الاصطناعي أو إنترنت الأشياء، وإنما ما الأثر الذي تنتجه هذه الأدوات؟ فإذا أدى نظام ذكي إلى تقليل استهلاك الطاقة أو المياه أو زمن التنقل أو الانبعاثات، فإنه يحقق قيمة مناخية واضحة. أما إذا اقتصر دوره على رقمنة خدمة دون أثر بيئي أو اجتماعي ملموس، فإن وصف المدينة بأنها «ذكية» لا يكفي للحكم على استدامتها.
ومن هنا يمكن اقتراح مبدأ منهجي بسيط: لا ينبغي قياس ذكاء المدينة بعدد الأجهزة المتصلة، بل بقدرتها على تحويل البيانات والتكنولوجيا إلى نتائج بيئية واجتماعية قابلة للقياس.
المحور الرابع: دراسة مقارنة لنماذج حضرية رائدة
1.4 كوبنهاغن: من السياسة المناخية إلى التحول الحضري
تقدم كوبنهاغن نموذجاً مهماً لأن التحول المناخي فيها لم يُبنَ على التكنولوجيا وحدها، بل على مزيج من سياسات الطاقة والنقل والتخطيط الحضري والإدارة المحلية. وقد أصبحت المدينة مثالاً بارزاً في مجال الطاقة الحضرية والتنقل بالدراجات والتحول نحو أنظمة تدفئة أكثر استدامة.
وتشير بيانات منشورة حول المسار المناخي للمدينة إلى أن انبعاثاتها انخفضت بصورة كبيرة مقارنة بخط الأساس لعام 2005، مع تقدير خفض بلغ 72.6% في سنة 2021 وفق منهجية المدينة المشار إليها في الأدبيات والتقارير المتداولة حول أدائها المناخي. ولا ينبغي، مع ذلك، تفسير هذا الانخفاض باعتباره نتيجة مباشرة للتكنولوجيا الرقمية، بل باعتباره حصيلة مجموعة من السياسات المتعلقة بالطاقة والتنقل وإدارة المدينة (IEA, 2021).
وتكشف التجربة أن «الذكاء» الحضري يمكن أن يكون مؤسسياً وسياسياً بقدر ما هو تقني؛ فالنجاح لا ينتج عن إضافة التكنولوجيا إلى مدينة قائمة، بل عن إعادة تنظيم منظومة الطاقة والتنقل واستخدام المجال الحضري بما يخدم أهدافاً مناخية واضحة.
2.4 سنغافورة: المدينة باعتبارها مختبراً للتكنولوجيا والاستدامة
تقدم سنغافورة نموذجاً مختلفاً بسبب محدودية الأراضي والموارد الطبيعية، الأمر الذي دفعها إلى التعامل مع التكنولوجيا باعتبارها أداة لإدارة القيود الحضرية. ويقوم Singapore Green Plan 2030 على رؤية شاملة تشمل الطاقة النظيفة، والنقل الأخضر، والمباني المستدامة، والطبيعة، والاقتصاد الأخضر، والقدرة على الصمود. كما تتبنى سنغافورة هدف الوصول إلى صافي انبعاثات صفري بحلول 2050 (Singapore Green Plan 2030, 2026).
ومن الأمثلة البارزة على الجمع بين التكنولوجيا والانتقال الطاقي نظام الطاقة الشمسية العائم في خزان تنغه، بقدرة تبلغ 60 ميغاواط-ذروة، وقد اكتمل سنة 2021، وهو ما يعكس محاولة لتوظيف التكنولوجيا في ظل ندرة الأراضي المناسبة لمشروعات الطاقة الشمسية التقليدية (Singapore Green Plan 2030, 2026).
وتكشف هذه التجربة أن التكنولوجيا تكون أكثر فاعلية عندما ترتبط بتحديات محلية محددة، مثل ندرة الأرض والمياه والطاقة، وعندما تكون جزءاً من استراتيجية وطنية طويلة المدى وليست مجرد مجموعة مشاريع منفصلة.
3.4 أمستردام: التحول المناخي والاقتصاد الدائري
تمثل أمستردام نموذجاً يربط العمل المناخي بالاقتصاد الدائري والتحول الاجتماعي. وتستهدف المدينة أن تكون محايدة مناخياً وقادرة على التكيف مع تغير المناخ بحلول 2050، مع إدماج مبادئ الاقتصاد الدائري في نموذجها التنموي (City of Amsterdam, 2026).
وتؤكد استراتيجية المدينة أن الوصول إلى هذه الأهداف لا يمكن أن يتم من خلال الإدارة المحلية وحدها، وإنما يحتاج إلى تعاون السكان والمؤسسات التعليمية والشركات والحكومة الوطنية والفاعلين المحليين. كما تربط المدينة بين التحول الطاقي وتقليل الانبعاثات وتقليص استهلاك المواد وإعادة الاستخدام.
وتقدم أمستردام بذلك درساً مهماً للمدن الذكية: فالتكنولوجيا لا تكون هدفاً مستقلاً، وإنما تصبح ذات قيمة عندما تساعد على تغيير أنماط الإنتاج والاستهلاك وإدارة الموارد.
4.4 برشلونة: إعادة تصميم المجال الحضري
تقدم برشلونة نموذجاً يختلف نسبياً عن نموذج المدينة التي تجعل الرقمنة مركز التحول. فقد ارتبط جزء مهم من تجربتها بإعادة تصميم المجال العام وتعزيز التنقل المستدام من خلال نموذج Superblocks الذي يهدف إلى تقليص هيمنة السيارات وإعادة توزيع المجال لصالح المشاة والدراجات والفضاءات العامة والخضراء.
وتشير الأدبيات العلمية إلى أن نموذج Superblocks لا يقتصر على تنظيم المرور، بل يستهدف أيضاً تحسين جودة الهواء والحد من الضوضاء وزيادة المساحات الخضراء والتخفيف من تأثير الجزيرة الحرارية الحضرية، وهو ما يجعل التخطيط الحضري نفسه أداة للعمل المناخي والصحي (Mueller et al., 2020).
كما اختيرت برشلونة ضمن بعثة الاتحاد الأوروبي الخاصة بـ«100 مدينة ذكية ومحايدة مناخياً بحلول 2030»، وهو ما يعكس تقاطع التحول الرقمي مع التحول المناخي في التجربة الأوروبية (Barcelona City Council, 2023).
والدرس الأهم هنا هو أن الحل الحضري الأكثر ذكاءً قد لا يكون بالضرورة تطبيقاً رقمياً جديداً، بل إعادة توزيع المجال العام بطريقة تقلل الاعتماد على السيارة وتمنح الأولوية للإنسان والطبيعة.
المحور الخامس: قراءة مقارنة للتجارب الأربع
تكشف المقارنة أن كوبنهاغن وسنغافورة وأمستردام وبرشلونة لا تقدم نموذجاً واحداً للمدينة الذكية، وإنما أربعة مسارات مختلفة. ففي كوبنهاغن يبرز التكامل بين الطاقة والتنقل والحكامة؛ وفي سنغافورة يظهر توظيف التكنولوجيا لإدارة ندرة الموارد؛ بينما تركز أمستردام على الربط بين المناخ والاقتصاد الدائري والتحول المجتمعي؛ أما برشلونة فتقدم مثالاً على أن إعادة تصميم المجال الحضري يمكن أن تكون في حد ذاتها استراتيجية مناخية.
وعلى الرغم من اختلاف السياقات، تشترك التجارب الأربع في خاصية أساسية: التكنولوجيا ليست غاية في حد ذاتها. فهي تكون جزءاً من منظومة أوسع من السياسات العامة والتخطيط والاستثمار والتنظيم والمشاركة المجتمعية. وهذا الاستنتاج ينسجم مع الأدبيات التي تدعو إلى تجاوز مفهوم «المدينة الذكية» بمعناه التكنولوجي الضيق نحو مفهوم «المدينة الذكية المستدامة» (Ahvenniemi et al., 2017).
كما أن التجارب تؤكد أهمية الجمع بين مؤشرات الذكاء ومؤشرات الاستدامة والمرونة. فالمعيار ISO 37122:2019 يحدد مؤشرات ومنهجيات لقياس تقدم المدن الذكية، بينما يحدد ISO 37123:2019 مؤشرات لقياس مرونة المدن وقدرتها على الصمود، ويقدم ISO 37124:2024 إرشادات لاستخدام هذه المعايير بصورة متكاملة (ISO, 2019a, 2019b, 2024).
المراجع
1. Ahvenniemi, H., Huovila, A., Pinto-Seppä, I., & Airaksinen, M. (2017). What are the differences between sustainable and smart cities? Cities, 60, 234–245. https://doi.org/10.1016/j.cities.2016.09.009
2. Barcelona City Council. (2023). Barcelona 2030: Urban transformation and climate-neutral city initiatives. Ajuntament de Barcelona.
3. City of Amsterdam. (2026). Sustainability and energy. Municipality of Amsterdam.
4. IEA. (2021). Empowering Cities for a Net Zero Future: Unlocking resilient, smart, sustainable urban energy systems. International Energy Agency, Paris.
5. ISO. (2019a). ISO 37122:2019: Sustainable cities and communities — Indicators for smart cities. International Organization for Standardization.
6. ISO. (2019b). ISO 37123:2019: Sustainable cities and communities — Indicators for resilient cities. International Organization for Standardization.
7. ISO. (2024). ISO 37124:2024: Sustainable cities and communities — Guidance on the use of ISO 37120, ISO 37122 and ISO 37123. International Organization for Standardization.
8. Mora, L., Deakin, M., Reid, A., Angelidou, M., & others. (2019). Can cities become smart without being sustainable? A systematic review of the literature. Sustainable Cities and Society, 45, 348–365. https://doi.org/10.1016/j.scs.2018.11.033
9. Mueller, N., Rojas-Rueda, D., Khreis, H., Cirach, M., Andrés, D., Ballester, J., Bartoll, X., Daher, C., Deluca, A., Echave, C., Milà, C., Márquez, S., Palou, J., Pérez, K., Tonne, C., & Nieuwenhuijsen, M. (2020). Changing the urban design of cities for health: The Superblock model. Environment International, 134, 105132.
10. Sharifi, A. (2021). What makes a city ‘smart’ in the Anthropocene? A critical review of smart cities under climate change. Sustainable Cities and Society, 75, 103278. https://doi.org/10.1016/j.scs.2021.103278
11. Singapore Green Plan 2030. (2026). Our vision and key focus areas. Government of Singapore.
12. UN-Habitat. (2024). World Cities Report 2024: Cities and Climate Action. United Nations Human Settlements Programme, Nairobi.
13. United Nations, Department of Economic and Social Affairs, Population Division. (2018). World Urbanization Prospects: The 2018 Revision. United Nations.
(*) مصطفى بنرامل
خبير واستشاري في مجالات البيئة والمناخ والتنمية المستدامة، يمتلك خبرة مهنية وميدانية تتجاوز خمسة وعشرين عاماً في التخطيط البيئي، وبناء القدرات، وتصميم البرامج والمشاريع التنموية، وقيادة المبادرات الرامية إلى تعزيز الاستدامة والقدرة على التكيف مع التغيرات المناخية. حاصل على دبلوم الدراسات العليا المعمقة في المجال البيئي من جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، وشهادة مكون المكونين (Training of Trainers) المعتمدة من جامعة أوريغن الأمريكية، إضافة إلى شهادة في تدبير الكوارث الطبيعية من الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، وشهادة مكون المكونين في الإسعافات الأولية من الهلال الأحمر المغربي، وشهادة تكوين المكونين في المجال البيئي والمحافظة على الثروات الطبيعية من كتابة الدولة المكلفة بالتنمية المستدامة، فضلاً عن شهادة مكون تربوي من وزارة التربية الوطنية. وأسهم في إعداد الدراسات والأبحاث العلمية، وتطوير الأدلة والحقائب التكوينية، وتأطير البرامج الوطنية والدولية في مجالات التربية البيئية والعمل المناخي والحوكمة البيئية وإدارة مخاطر الكوارث.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز