ابتكار حيوي يعيد رسم مستقبل الأزياء المستدامة وصناعة الجلود
من خيوط الفطريات إلى خامات المستقبل.. هل يصبح الميسيليوم بديلاً أكثر استدامة للجلود التقليدية؟
شبكة بيئة ابوظبي، إعداد: المهندسة ولاء محمود الحصري (*)، باحثة ماجستير في العلوم البيئية، بالتعاون مع مجلة إسكندرية 2050، 24 أكتوبر 2026
في عالم تتسارع فيه الابتكارات للحد من استنزاف الموارد الطبيعية وتقليل الأثر البيئي للصناعة، لم تعد الحلول المستدامة مقتصرة على إعادة التدوير أو استخدام الطاقة المتجددة، بل امتدت إلى تطوير مواد جديدة مستوحاة من الطبيعة. ومن بين هذه الابتكارات الواعدة ظهور جلد الميسيليوم (Mycelium Leather)، وهو خامة حيوية تُنتَج من الجزء الخضري للفطريات، وتُطوَّر لتكون بديلاً محتملاً للجلود الحيوانية وبعض الخامات الجلدية الصناعية المعتمدة على البلاستيك.
ويمثل هذا التوجه نموذجاً مهماً للاقتصاد الحيوي الدائري، الذي يسعى إلى تحويل الموارد المتجددة والمخلفات العضوية إلى منتجات ذات قيمة مضافة، بدلاً من الاعتماد الكامل على الموارد البكر والمواد ذات الأثر البيئي المرتفع.
ما الميسيليوم؟ وكيف يتحول إلى مادة شبيهة بالجلد؟
الميسيليوم هو شبكة من الخيوط الفطرية الدقيقة المعروفة باسم الهيفات (Hyphae)، تنمو وتتشابك لتكوّن بنية مترابطة. ويمكن توجيه نمو هذه الشبكة في ظروف إنتاج محددة للحصول على طبقات أو حصائر حيوية تتمتع بخصائص يمكن تطويرها لتشبه بعض خصائص الجلد.
وتبدأ عملية الإنتاج عادةً باختيار نوع الفطر المناسب، ثم تنميته على وسط غذائي ملائم، وقد يتضمن هذا الوسط مواد عضوية ومخلفات زراعية أو صناعية قابلة للتحلل، وفقاً لنوع الفطر والتقنية المستخدمة.
بعد ذلك، تُجمع الكتلة الفطرية أو الطبقة الناتجة عن النمو، وتُجرى عليها عمليات معالجة وتجفيف وكبس، وقد تُضاف مواد لتحسين المرونة والمتانة ومقاومة الماء. وتختلف خطوات التصنيع ونتائجها باختلاف السلالة الفطرية وتركيب الوسط الغذائي وطريقة النمو والمعالجة النهائية.
وتشير مراجعة علمية منشورة في دورية Frontiers in Bioengineering and Biotechnology عام 2023 إلى تنامي الاهتمام بهذه المواد، ورصدت 36 براءة اختراع ذات صلة ضمن نطاق البحث الذي أجرته، مع تناول تقنيات التخمير الفطري والمعالجة الكيميائية والفيزيائية وسبل تحسين خصائص الخامات الناتجة.
وهذا يعكس انتقال الفكرة من نطاق التجارب المعملية إلى مجال تطوير المنتجات والتطبيقات الصناعية، مع استمرار الحاجة إلى مزيد من الدراسات لتقييم الأداء والتكلفة والاستدامة على نطاق تجاري.
لماذا يحظى جلد الميسيليوم باهتمام صناعة الأزياء؟
أولاً: تقليل الاعتماد على الموارد التقليدية
تتيح المواد الفطرية فرصة لتطوير خامات لا تعتمد في أصلها على جلود الحيوانات أو البوليمرات المشتقة من الوقود الأحفوري، وإن كانت بعض المنتجات تحتاج إلى إضافات أو طبقات صناعية لتحسين أدائها.
ثانياً: الاستفادة من المخلفات العضوية
يمكن استخدام بعض المخلفات الزراعية ومخلفات الصناعات الغذائية بوصفها أوساطاً لنمو الفطريات، بما يفتح المجال أمام تحويل جزء من هذه المخلفات إلى مواد ذات قيمة اقتصادية، بدلاً من التخلص منها دون الاستفادة المثلى منها.
لكن نجاح هذا التوجه يتطلب التأكد من ملاءمة المخلفات المستخدمة، وخلوها من الملوثات التي قد تعوق النمو أو تؤثر في سلامة المنتج، مع ضبط استهلاك المياه والطاقة أثناء التصنيع.
ثالثاً: فرص الابتكار في تصميم المنتجات
يمكن تطوير خامات الميسيليوم لتطبيقات تشمل الإكسسوارات والحقائب وبعض مكونات الأحذية والتصميمات الداخلية، وفقاً لخصائص كل منتج ومدى تحمله للاستخدام.
وتمنح قابلية التحكم في ظروف النمو والمعالجة الباحثين والمصممين مجالاً لتطوير خامات مختلفة في الملمس والسماكة والمرونة والمظهر، بما يفتح آفاقاً جديدة للتعاون بين التكنولوجيا الحيوية وصناعة الموضة.
رابعاً: دعم الاقتصاد الحيوي الدائري
تكمن القيمة الأهم في إمكانية دمج هذه التقنية ضمن منظومة إنتاج أكثر كفاءة في استخدام الموارد، تبدأ باختيار مواد أولية مناسبة، وتمر بالإنتاج والمعالجة، وتنتهي بتصميم المنتج بما يراعي إمكانية إعادة استخدامه أو تدويره أو تحلله بعد انتهاء عمره التشغيلي، بحسب تركيبته الفعلية.
هل جلد الميسيليوم صديق للبيئة بالضرورة؟
رغم الإمكانات الواعدة لهذه التقنية، فإن وصف أي مادة بأنها مستدامة لا ينبغي أن يعتمد فقط على مصدرها الحيوي.
فالتقييم البيئي الشامل يجب أن يأخذ في الاعتبار دورة حياة المنتج بالكامل، بدءاً من إنتاج الوسط الغذائي واستهلاك المياه والطاقة، مروراً بعمليات التجفيف والمعالجة والتشطيب والنقل، وانتهاءً بطرق التخلص من المنتج بعد الاستخدام.
وتبرز هنا إحدى التحديات المهمة؛ إذ قد تحتوي بعض منتجات الميسيليوم على طبقات من البولي يوريثان (PU)، أو مواد رابطة ومواد معالجة أخرى لتحسين المتانة ومقاومة الرطوبة. وقد تحد هذه الإضافات من قابلية المنتج للتحلل الحيوي، وفقاً لنوعها ونسبتها وطريقة ارتباطها بالخامة.
كذلك، لا يمكن افتراض أن جميع أنواع جلد الميسيليوم تتمتع بالمتانة نفسها أو أنها تضاهي الجلد الحيواني في جميع الاستخدامات. فمقاومة الشد والتمزق والاحتكاك والرطوبة، إلى جانب الثبات اللوني والعمر التشغيلي، تحتاج إلى اختبارات معيارية ومقارنات عادلة بين المنتجات.
ومن ثم، فإن التقدم الحقيقي لا يقتصر على إنتاج مادة حيوية جديدة، بل يشمل تطوير خامة تجمع بين الأداء الوظيفي والجودة والتكلفة المقبولة وانخفاض الأثر البيئي.
ماذا يمكن أن تعني هذه التقنية لمستقبل صناعة المنسوجات والجلود؟
من منظور الاستدامة الصناعية، يفتح جلد الميسيليوم مجالاً للتكامل بين علوم الأحياء وهندسة المواد والتصميم الصناعي، كما يتيح فرصاً للتعاون بين الجامعات ومراكز البحوث والمصانع والشركات الناشئة.
ويمكن أن تشمل مجالات البحث والتطوير:
• دراسة استخدام المخلفات الزراعية المحلية في إنتاج أوساط نمو مناسبة للفطريات.
• تطوير عمليات إنتاج أكثر كفاءة في استهلاك المياه والطاقة.
• تحسين مقاومة الخامات للرطوبة والاحتكاك والتمزق دون الاعتماد المفرط على إضافات يصعب فصلها أو تحللها.
• اختبار الأصباغ ومواد التشطيب الأقل أثراً في البيئة.
• تقييم البصمة الكربونية والمائية للمنتج ومقارنتها ببدائل متاحة باستخدام منهجية تقييم دورة الحياة.
• دراسة الجدوى الاقتصادية للتوسع في الإنتاج، ومدى توافق الخامات مع متطلبات الجودة والمواصفات الفنية للأسواق المستهدفة.
وبالنسبة إلى مصر، يمكن النظر إلى هذه التقنية بوصفها مجالاً بحثياً يستحق الدراسة ضمن جهود تعظيم الاستفادة من المخلفات الزراعية وتطوير الصناعات القائمة على المواد الحيوية. إلا أن تحويلها إلى صناعة محلية يتطلب أبحاثاً تطبيقية لتحديد أنواع الفطريات المناسبة، وتوافر الخامات، والخصائص المطلوبة، وتكلفة الإنتاج، ومدى قبول السوق.
كما يمكن أن تمثل الشراكات بين أقسام هندسة النسيج والكيمياء والتكنولوجيا الحيوية وعلوم البيئة نقطة انطلاق لتطوير نماذج أولية واختبارها، قبل الانتقال إلى أي استثمار صناعي واسع النطاق.
الابتكار المستدام يبدأ من التصميم
إن جلد الميسيليوم ليس مجرد بديل جديد للجلود، بل مثال على تحول أوسع في التفكير الصناعي؛ من الاعتماد على المواد التقليدية إلى الاستفادة من الأنظمة الحيوية في إنتاج خامات مبتكرة.
ومع ذلك، فإن نجاح هذا الابتكار لن يُقاس بكونه مصنوعاً من الفطريات فحسب، وإنما بقدرته على تقديم أداء موثوق، وتكلفة تنافسية، وأثر بيئي أقل بصورة قابلة للقياس والتحقق.
وفي عصر التحول الأخضر، يصبح التعاون بين البحث العلمي والصناعة والتصميم ضرورة لتحويل الأفكار الواعدة إلى حلول عملية، تساهم في الاستخدام الرشيد للموارد، وتعزز الاقتصاد الدائري، وتفتح آفاقاً جديدة أمام الصناعات النسيجية والجلدية.
فربما تحمل خيوط فطر دقيقة جزءاً من ملامح مستقبل الأزياء المستدامة؛ لكن العلم، والتقييم البيئي، والتصميم المسؤول هي العناصر التي ستحدد مدى نجاح هذا المستقبل.
(*) المهندسة ولاء محمود الحصري
خبيرة الاستدامة الصناعية والتحول الأخضر | باحثة ماجستير في العلوم البيئية
المراجع العلمية
1. Elsacker, E., Vandelook, S., & Peeters, E. (2023). Recent technological innovations in mycelium materials as leather substitutes: a patent review. Frontiers in Bioengineering and Biotechnology, 11, 1204861. https://doi.org/10.3389/fbioe.2023.1204861
2. Raman, J., Kim, D. S., Kim, H. S., Oh, D. S., & Shin, H. J. (2022). Mycofabrication of mycelium-based leather from brown-rot fungi. Journal of Fungi, 8(3), 317. https://doi.org/10.3390/jof8030317
3. Vandelook, S., Elsacker, E., Van Wylick, A., De Laet, L., & Peeters, E. (2021). Current state and future prospects of pure mycelium materials. Fungal Biology and Biotechnology, 8. https://doi.org/10.1186/s40694-021-00128-1
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز