سلسلة (خواطر وراثية)، الحلقة رقم (62)
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم: الدكتور قاسم زكي (*)؛ أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، مصر، 06 أكتوبر 2026
حين يهبط الليل، تبدأ الخفافيش رحلتها في عالم يصعب علينا إدراك تفاصيله. تطير بين الأشجار، وتلتقط فرائسها، وتتحرك بكفاءة تثير الدهشة. لكن وراء الأجنحة الرقيقة والأجسام الصغيرة أسئلة أكبر: كيف أصبح أحد الثدييات قادرًا على الطيران الحقيقي؟ وكيف تعيش بعض أنواعه طويلًا بالنسبة إلى حجمها؟ وما الذي يساعد بعضها على تحمل عدوى فيروسية دون أضرار شديدة؟ لقد اقترب العلماء من هذه الأسئلة عبر قراءة الجينومات، حيث تحفظ المادة الوراثية آثار رحلة تطورية امتدت ملايين السنين.
مكتبة وراثية لعالم متنوع
في دراسة نُشرت إلكترونيًا بدورية «نيتشر» يوم 23 سبتمبر 2026، حلّل الباحثون جينومات 103 أنواع من الخفافيش، تمثل العائلات الحية المعترف بها جميعًا، وعددها 21 عائلة. وشملت البيانات ٤42٢ تجميعًا جينوميًا جديدًا على مستوى الكروموسومات. ويأتي هذا الإنجاز ضمن مشروع «بات ون كيه»؛ الذي يستهدف بناء جينومات مرجعية لجميع أنواع الخفافيش الحية، ويوفر أساسًا واسعًا للمقارنة بينها.
والمقصود بالجينوم المرجعي خريطة مرتبة للمادة الوراثية، تساعد الباحث على تحديد الجينات ومواقعها وعلاقاتها. فالقراءة المجزأة تشبه صفحات متناثرة من كتاب؛ أما تنظيم التسلسلات على الكروموسومات فيقربنا من معرفة ترتيب فصوله. ومن خلال المقارنة، نستطيع البحث عن اختلافات ارتبطت بصفات معينة، ثم اختبار وظائفها. وهكذا تتحول الخريطة إلى نقطة انطلاق للتجربة، وتساعد على طرح أسئلة أدق عن حياة الكائن وتكيفه.
الجينات تلتقي بالأحافير
لم يكتف الباحثون بقراءة الخفافيش المعاصرة، بل دمجوا البيانات الجينومية مع صفات تشريحية وأحافير، بينها 44 نوعًا أحفوريًا. ورجّحت التحليلات نشأة الخفافيش في أوروبا خلال أواخر العصر الباليوسيني، قبل نحو 60 إلى 65 مليون سنة، وهو استنتاج يعيد النظر في فرضيات سابقة عن موطن نشأتها. كذلك أشارت النتائج إلى ظهور تحديد الموقع بالصدى الحنجري مبكرًا، قبل تنوع المجموعة التي تضم الخفافيش الحية.
وهنا تظهر قوة جمع الأدلة. فالجينوم يساعد على تتبع القرابة، والأحفورة تمنحنا شاهدًا من زمن ومكان محددين، والتشريح يوضح كيف تشابهت الأجسام واختلفت. ومع ذلك، تبقى النشأة الأوروبية استنتاجًا مرجحًا وفق البيانات والنماذج المستخدمة، قابلًا للتدقيق مع اكتشاف أحافير جديدة. فالعلم يراجع الخرائط كلما اتسعت الشواهد، ويستمد قوته من قدرته على تصحيح تفسيراته.
الطيران تحدٍّ للجسم كله
الخفافيش هي الثدييات الوحيدة القادرة على الطيران النشط المستمر، وتكشف دراسة تاريخها عن أهمية فهم هذه القدرة ضمن تطور الجسم كله. فالجناح وحده لا يكفي؛ إذ يحتاج الطيران إلى تنسيق الحركة، وإمداد العضلات بالطاقة، وضبط وظائف أعضاء متعددة. ولهذا تتيح الجينومات المقارنة دراسة كيف نشأت هذه المنظومة، وما التغيرات التي صاحبتها خلال التاريخ التطوري.
ولا ينبغي تصور وجود «جين للطيران» يفسر الظاهرة منفردًا. فالصفات المعقدة تنشأ من تفاعل جينات كثيرة وتنظيم نشاطها أثناء النمو والحياة. وقد يحمل نوعان جينات متشابهة، لكن يختلف توقيت تشغيلها أو مستوى تعبيرها، فتختلف النتيجة. وهذه إحدى أهم رسائل علم الوراثة الحديث: معرفة أسماء الجينات خطوة، وفهم شبكات عملها خطوة أوسع تتطلب تجارب ومقارنات دقيقة.
المناعة بين المقاومة والتحمل
لفهم علاقة الخفافيش بالفيروسات، يجب التمييز بين مقاومة العدوى وتحملها. فالمقاومة تحد من الممرض، بينما يشير التحمل إلى تقليل الضرر الذي يصيب الجسم أثناء وجوده. وأظهرت دراسة سابقة من مشروع «بات ون كيه»، نُشرت في «نيتشر» عام 2025، أهمية التكيفات المناعية في تفسير محدودية الالتهاب الضار لدى بعض الخفافيش. وناقشت احتمال ارتباط بعض هذه التكيفات بالأعباء الفسيولوجية للطيران.
إن المناعة النافعة تحتاج إلى استجابة تناسب الخطر؛ فالالتهاب المفرط قد يؤذي الأنسجة التي يفترض حمايتها. ومن هنا يصبح السؤال البحثي: كيف يضبط الجسم دفاعاته ويحافظ على وظائفه؟ لكن تحمل بعض الخفافيش لبعض الفيروسات لا يعني أنها محصنة من جميع الأمراض، أو أن التعامل المباشر معها مأمون. كما تختلف الاستجابات باختلاف النوع والفيروس والظروف؛ ولذلك يتطلب تفسير النتائج تجنب التعميم.
طول العمر ومقاومة السرطان
تزداد الدهشة حين ننتقل إلى طول العمر. ففي دراسة حديثة أخرى، بحث العلماء جينومات وخلايا ثمانية أنواع متقاربة من جنس «ميوتيس»، ووجدوا أنماطًا من التكيف ترتبط بالتفاعلات الفيروسية وطول العمر ومسارات مقاومة السرطان. كما رصدوا استجابة مميزة لتلف الحمض النووي في خلايا أحد الأنواع طويلة العمر. وتوضح الدراسة أن أعمار الخفافيش تختلف كثيرًا حتى داخل الجنس الواحد.
هذه النتائج تدعونا إلى دراسة صيانة الخلية وحماية مادتها الوراثية، وكيف يتعامل الجسم مع التلف المتراكم. لكنها لا تمنحنا وصفة جاهزة لإطالة عمر الإنسان، ولا تثبت أن السرطان يغيب عن الخفافيش. فالانتقال من اختلاف جيني إلى تفسير وظيفي، ثم إلى تطبيق علاجي، يحتاج مراحل طويلة من الاختبار. وقيمة الاكتشاف أنه يكشف مسارات تستحق البحث، ويمنح العلماء نماذج للمقارنة وصياغة الفرضيات.
قراءة الجينوم تحتاج إلى تجربة
قد يجد الباحث تغيرًا وراثيًا يتكرر في أنواع طويلة العمر، فيصبح مرشحًا للدراسة. غير أن التزامن لا يكفي لإثبات السببية؛ فقد يرتبط التغير بصفة أخرى أو بتاريخ القرابة. ولذلك تُستخدم التجارب الخلوية والتحليلات المقارنة لفحص أثره، وتُراجع النتائج في سياق البيئة والسلوك. فالحياة التي نراها أمامنا حصيلة تفاعل الوراثة مع الظروف، ولا تستطيع خريطة التسلسل وحدها تفسير كل تفاصيلها.
وتبرز هنا قيمة التعاون بين من يجمع العينات ويدرس الحيوان في موطنه، ومن يحلل الجينومات، ومن يختبر وظائف الخلايا. فكل تخصص يضيف جزءًا ضروريًا إلى الصورة. ومن شأن إتاحة البيانات المرجعية أن تسمح لفرق أخرى بإعادة التحليل وطرح أسئلة جديدة، فتتسع فائدة الدراسة إلى ما يتجاوز نتائجها الأولى.
خواطر من عالم الليل
ما يلفتني في هذه الأبحاث أن كائنًا ارتبط في الخيال بالخوف يفتح أمامنا أبوابًا لفهم التطور وصحة الخلايا. وقد تساعد المقارنات مستقبلًا في تحديد أهداف بحثية لفهم الشيخوخة والالتهاب، بشرط اختبارها بعناية وعدم تحويل الاحتمالات إلى وعود علاجية. فكل إجابة جديدة تنشئ أسئلة، وتكشف أن الجينوم سجل قابل للقراءة، لكن تفسيره يحتاج إلى معرفة واسعة بالحياة. وحين نتأمل الخفافيش بهذه العين، يصبح الليل مساحة للاكتشاف، وتصبح غرابة الكائن دعوة إلى الفهم.
(*) الدكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة – جامعة المنيا، والرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية – أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، القاهرة، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، ومن مؤسسي المجلس العالمي للنبات
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز