“خواطر ور اثية” تأملات في العلاقة بين الإنسان والجينات والحياة، الحلقة رقم (18)
شبكة بيئة ابوظبي، بقلم: د. قاسم زكي (*)، أستاذ الوراثة بكلية الزراعة، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، 25 يناير 2026
لم أكن يومًا مجرد شيفرة.
لم أكن سلسلةً من قواعد نيتروجينية، ولا ترتيبًا هندسيًا للكربون والفسفور.
كنتُ ذاكرة.
أنا الجين المصري.
ولدتُ في الطمي، حين كان النيل أبًا ومعلمًا، وحين كانت الأرض كتابًا يُكتب بالمحراث والماء.
تشكّلتُ في أجساد الفلاحين الذين وقفوا على ضفة النهر ينتظرون الفيضان، في أيادي البنّائين الذين رفعوا الأحجار بترتيب يشبه ترتيبي… حجرٌ فوق حجر… كما أنا: قاعدةٌ فوق قاعدة.
كنتُ هناك، حين فُتحت أول نافذة للدهشة. حين رسم الإنسان قدمه على الصخر، وقال للعالم:
“هنا كنتُ. وهنا سأبقى”.
سافرتُ مع المصري في رحلة الزمان. حملتُ معه الحب وحملتُ معه الحزن
وحملتُ معه الحنين، ذلك الشعور الغريب الذي يجعل المصري يضحك ويبكي في اللحظة نفسها.
كنتُ حاضرًا عندما قال: «البيت ليس حجارة؛ البيت هو الناس.»
كنتُ حاضرًا عندما قال:
«الموت ليس نهاية؛ الموت بابٌ يُفتح على ضوء آخر.»
كنتُ حاضرًا عندما وقف أمام السماء وقال لها: «أنا ابن الأرض، لكني أرفع عيوني نحوك.»
مرّت قرون، تغيّرت العروش، تبدلت اللغات، ولم أتبدّل. ظللتُ أروي. أروي حكاية العائلة، وحكاية الحارة، وحكاية الموالد والإنشاد، وحكاية الجدّ الذي يزرع ليترك أثرًا يمتد بعده.
وحين دخل العلم مختبره الأول… لم أرتبك. كنتُ مستعدًا. كنتُ أعرف أن اللحظة ستأتي، حين يُسمع صوتي لا من فم الحكيم، بل من ميكروسكوب دقيق.
واليوم… ها أنا في قلب معامل الجينوم،
تحت ضوء أبيض بارد، على شرائط زجاجية تُقرأ بالليزر. يحاول العلماء أن يفهموني: ما الذي يجعلني مصريًا؟
هل هو النيل؟ هل هي الشمس؟ هل هو الإيقاع الذي تمشي به أقدامنا فوق الأرض؟ هل هو الحنين الذي لا نفهمه لكننا نحمله في دمنا؟
أبتسم. وأقول لهم: أنا كل ما سبق.
أنا الفرح الذي لا ينطفئ رغم التعب. أنا الصبر الذي لا ينكسر مهما ضاق الحال.
أنا القدرة على أن نخلق من الرمل نغمةً، ومن الطمي حضارة، ومن الجرح أغنية.
أنا المصري.
لا تخافوا على هذا الجين. لا يخضع بسهولة. لا يموت. لا يذوب. قد ينحني للحظة، لكنه يعود واقفًا كما عرفته الجبال.
أنا باقٍ ما بقي طفلٌ يركض على شط النيل، وما بقي فلاحٌ يرفع رأسه بعد صلاة الفجر وينظر إلى السماء بطمأنينة العارف.
أنا باقٍ ما بقيت الذاكرة. والذاكرة… هنا.
في القلب. وفي الدم. وفي الحكاية.
أنا الجين المصري، أروي الآن، وسأروي دائمًا.
***
(*) د. قاسم زكي، أستاذ الوراثة – كلية الزراعة – جامعة المنيا، مصر، الرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، القاهرة؛ عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين؛ وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز