من الجرد الكربوني إلى التحول البيئي

الشركة الجهوية متعددة الخدمات سوس-ماسة تترجم التزامات المناخ إلى ممارسات مؤسساتية

شبكة بيئة ابوظبي، بقلم محمد التفراوتي، المملكة المغربية، 29 يوليو 2026
أصبحت الحكامة البيئية إحدى الركائز الأساسية لتدبير المرافق العمومية، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم على مستوى المناخ والطاقة والموارد الطبيعية. ومن هذا المنطلق، تكتسب الحصيلة الكربونية التي أنجزتها الشركة الجهوية متعددة الخدمات سوس-ماسة أهمية استراتيجية، إذ تعكس رؤية مؤسساتية تجعل من المعرفة العلمية والقياس الدقيق والشفافية والتحسين المستمر أسسا لاتخاذ القرار، وتؤكد انخراط الشركة في مسار تنموي يدمج البعد البيئي في صلب الحكامة والتدبير المسؤول.

وتتجاوز هذه المبادرة إعداد جرد لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، لتشكل أداة استراتيجية تساعد على فهم الأثر البيئي لمختلف الأنشطة، وتوفير قاعدة علمية لتوجيه الاستثمارات، وترشيد استهلاك الطاقة والموارد، وتعزيز النجاعة التشغيلية، بما ينسجم مع متطلبات التنمية المستدامة والانتقال نحو اقتصاد منخفض الكربون.

ويأتي هذا الإنجاز في سياق دولي يشهد سباقا متسارعا نحو إزالة الكربون، بعد أن رسخت اتفاقية باريس للمناخ وأهداف التنمية المستدامة قناعة عالمية بأن الانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون يمثل ركيزة أساسية لمواجهة التغير المناخي. كما تتجه المؤسسات العمومية والخاصة عبر العالم إلى إدراج مؤشرات الأداء البيئي ضمن معايير التقييم والشفافية، باعتبارها مؤشرا على جودة الحكامة ونجاعة التدبير.

وعلى المستوى الوطني، ينسجم هذا التوجه مع الرؤية الاستراتيجية للمملكة المغربية في مجال الانتقال الطاقي، والاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة، والالتزامات المناخية التي جعلت من خفض الانبعاثات وتعزيز النجاعة الطاقية محاور أساسية في مسار التنمية. ويعكس أيضا قدرة المؤسسات العمومية الجهوية على تحويل هذه التوجهات إلى إجراءات عملية ومشاريع قابلة للقياس والتقييم.

أما على المستوى الجهوي، فإن جهة سوس-ماسة تواجه تحديات متزايدة ترتبط بالإجهاد المائي، وتزايد الطلب على الماء والطاقة، وتأثيرات التغير المناخي على المنظومات البيئية والأنشطة الاقتصادية. وفي هذا السياق، تكتسب الحصيلة الكربونية بعدا استراتيجيا، لأنها توفر قاعدة علمية تساعد على تطوير سياسات أكثر كفاءة في تدبير الموارد الطبيعية، وتعزيز قدرة البنيات التحتية على التكيف مع التحولات المناخية.

ويبرز هذا المشروع أيضا وعيا مؤسساتيا متقدما بأن حماية البيئة ترتبط ارتباطا وثيقا بجودة الخدمات العمومية. فالماء والكهرباء والتطهير السائل تمثل خدمات حيوية للمواطن، كما تشكل في الوقت نفسه قطاعات ذات أثر مباشر على استهلاك الطاقة وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وهو ما يجعل تحسين أدائها البيئي استثمارا في استدامة الموارد وجودة الحياة.

وتعزز الشركة هذا التوجه من خلال اعتماد منهجية علمية دقيقة تشمل مختلف مصادر الانبعاثات المباشرة وغير المباشرة وفق معايير ISO 14064، مع إخضاع النتائج لعملية تدقيق مستقلة تضمن الشفافية وقابلية التتبع وموثوقية البيانات. ويعكس هذا الاختيار ترسيخ ثقافة مؤسساتية تجعل من القياس والتقييم والتحسين المستمر أدوات أساسية في تدبير الأداء البيئي.
كما أن القيمة الحقيقية للحصيلة الكربونية تتجسد في قدرتها على توجيه العمل المستقبلي، حيث أفضت إلى إعداد خارطة طريق لإزالة الكربون ترتكز على ترشيد استهلاك الطاقة، وتطوير الاعتماد على الطاقات المتجددة، وتحسين كفاءة المنشآت، وتعزيز الرقمنة، والرفع من النجاعة التشغيلية، إلى جانب إشراك الموارد البشرية والشركاء في ثقافة المسؤولية البيئية.

وتحمل هذه المبادرة دلالة أعمق تتعلق بتطور مفهوم المرفق العمومي في المغرب، حيث أصبحت الحكامة البيئية جزءا من الحكامة الإدارية والمالية، وأصبح الأداء المناخي أحد المؤشرات التي تعكس جودة التدبير وفعالية المؤسسة في مواجهة التحديات المستقبلية. فإدارة الموارد الطبيعية بكفاءة، والحد من الانبعاثات، والاستثمار في الحلول المستدامة، تمثل اليوم عناصر أساسية في بناء مؤسسات أكثر مرونة وقدرة على مواكبة التحولات العالمية.

ويفتح هذا المشروع آفاقا جديدة أمام الشركة الجهوية متعددة الخدمات سوس-ماسة لترسيخ مكانتها ضمن المؤسسات العمومية الرائدة في مجال التدبير البيئي، ويؤكد أن الانتقال نحو اقتصاد منخفض الكربون يبدأ من مبادرات مؤسساتية تعتمد العلم، وتستند إلى الحكامة الرشيدة، وتترجم الالتزامات الدولية والوطنية إلى ممارسات عملية تنعكس آثارها على البيئة والمجتمع والاقتصاد.

وتفتح الحصيلة الكربونية آفاقا لترسيخ ثقافة مؤسساتية يرتكز فيها التخطيط والاستثمار واتخاذ القرار على الأداء البيئي، بما يعزز ثقة المواطنين، ويدعم مسار التنمية المستدامة، ويجسد المسؤولية المشتركة تجاه المناخ والأجيال القادمة.

الحصيلة الكربونية تعكس رؤية مؤسساتية تجعل الأداء البيئي جزءاً من جودة الخدمة العمومية
أفاد المدير العام للشركة الجهوية متعددة الخدمات سوس-ماسة، السيد محمد أمرزاك، أن إنجاز أول حصيلة كربونية للشركة برسم سنة 2025 يشكل خطوة استراتيجية في مسار تطوير حكامة المؤسسة، ويجسد إرادتها في إدماج الاعتبارات البيئية والمناخية في مختلف مستويات التدبير واتخاذ القرار. وأوضح أن قياس انبعاثات غازات الاحتباس الحراري يوفر قاعدة علمية دقيقة لفهم الأثر البيئي لأنشطة الشركة، ويساعد على توجيه الاستثمارات نحو مشاريع تحقق مزيدا من النجاعة الطاقية والاستدامة، مضيفا أن هذه المبادرة تعكس وعيا متزايدا بأن جودة المرفق العمومي ترتبط أيضا بالمحافظة على الموارد الطبيعية وخفض الانبعاثات وتقديم خدمات تستجيب لمتطلبات التنمية المستدامة.

وأضاف المدير العام أن التحولات المناخية المتسارعة تفرض على مختلف المؤسسات، ولا سيما المرافق العمومية، تطوير أساليب اشتغالها بما ينسجم مع تحديات المرحلة، مبرزا أن قطاعات الماء والكهرباء والتطهير السائل ترتبط ارتباطا وثيقا بالطاقة والموارد الطبيعية، وهو ما يجعل إدماج البعد البيئي خيارا استراتيجيا يعزز كفاءة التدبير ويضمن استدامة الخدمات. وأكد أن الاستثمار في البيئة يمثل في الآن ذاته استثمارا في جودة الحياة، وأمن الموارد، وقدرة المؤسسة على مواجهة التحديات المستقبلية.

وفي هذا السياق، أوضح محمد أمرزاك أن مشروع الحصيلة الكربونية تم إنجازه وفق أفضل المرجعيات الدولية، من خلال احتساب الانبعاثات وفق معايير ISO 14064، وإخضاع النتائج للتدقيق والتحقق وفق منهجية دقيقة تضمن الموثوقية والشفافية. وأكد أن المشروع ينسجم مع التزامات المملكة المغربية في مجال العمل المناخي والانتقال الطاقي والاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة، ويترجم هذه التوجهات إلى إجراءات عملية على المستوى الجهوي، بما يعزز مساهمة الشركة في تحقيق الأهداف الوطنية المتعلقة بخفض الانبعاثات وتعزيز الاقتصاد منخفض الكربون.

وأشار المدير العام إلى أن الحصيلة الكربونية لا تقتصر على كونها عملية تقنية، بل تمثل أداة استراتيجية للتخطيط واتخاذ القرار، إذ تمكن من تحديد مصادر الانبعاثات بدقة، وترتيب الأولويات، وتقييم أثر المشاريع، وقياس نتائج برامج النجاعة الطاقية بصورة موضوعية. كما توفر مؤشرات تساعد على تطوير السياسات الداخلية، وتحسين تدبير الموارد، وتعزيز ثقافة الأداء البيئي داخل المؤسسة بما يرسخ مبادئ الحكامة الرشيدة.

وأكد أن خارطة الطريق الخاصة بإزالة الكربون ترتكز على مجموعة من المحاور المتكاملة، تشمل تحسين كفاءة استهلاك الطاقة، وتوسيع الاعتماد على الطاقات المتجددة، وتطوير البنيات التحتية، والرفع من النجاعة التشغيلية، إلى جانب اعتماد حلول رقمية حديثة لتتبع الأداء البيئي. وأضاف أن الشركة تولي أهمية كبيرة لتكوين الموارد البشرية وتعزيز ثقافة المسؤولية البيئية وإشراك مختلف الشركاء، انطلاقا من قناعة بأن نجاح الانتقال البيئي يقوم على تعبئة جماعية تتجاوز حدود المؤسسة.

وفي ما يتعلق بالتحديات البيئية التي تواجه جهة سوس-ماسة، خاصة على مستوى الموارد المائية، أوضح المدير العام أن خصوصية الجهة تمنح هذا المشروع بعدا إضافيا، بالنظر إلى الإكراهات المرتبطة بالإجهاد المائي وارتفاع الطلب على الخدمات الأساسية وتأثيرات التغير المناخي. وأفاد بأن الشركة تعمل على تطوير حلول تعزز كفاءة استغلال الموارد، وتحد من استهلاك الطاقة، وتواكب الجهود الرامية إلى حماية المنظومات البيئية وضمان استدامة الموارد المائية، انسجاما مع الرؤية التنموية للجهة.

وأكد محمد أمرزاك أن الشفافية تمثل أحد المرتكزات الأساسية للحكامة البيئية، مشيرا إلى أن الحصيلة الكربونية تستند إلى بيانات قابلة للتتبع والتحقق، وتخضع لمراجعة دقيقة وفق المعايير الدولية، بما يعزز الثقة مع مختلف الشركاء، ويوفر مؤشرات موضوعية لتقييم الأداء، ويساعد على تطوير خطط التحسين بصورة مستمرة وفق أفضل الممارسات المعتمدة عالميا.

وبخصوص مشروع توسعة محطة معالجة المياه العادمة، أفاد المدير العام بأنه يمثل أحد المشاريع الاستراتيجية التي تجسد التزام الشركة بالانتقال البيئي والاقتصاد الدائري. وأوضح أن المحطة الحالية تبلغ طاقتها الاستيعابية ما يعادل 2.123 مليون نسمة، بطاقة معالجة متوسطة تصل إلى 78 ألف متر مكعب يوميا، فيما ستضيف المحطة الجديدة قدرة تعادل 1.1 مليون نسمة بطاقة معالجة تبلغ 66 ألف متر مكعب يوميا، لترتفع القدرة الإجمالية إلى 144 ألف متر مكعب يوميا، بما يواكب النمو العمراني والديمغرافي ويحسن خدمات التطهير السائل ويعزز حماية الموارد المائية والأنظمة البيئية.

وأضاف أن المشروع سيرفع إنتاج المياه المعالجة الموجهة لإعادة الاستعمال من 30 ألف متر مكعب يوميا إلى 66 ألف متر مكعب يوميا، بما يخفف الضغط على الموارد المائية التقليدية ويوفر موردا مائيا بديلا لسقي المساحات الخضراء وغيرها من الاستعمالات الملائمة، في انسجام مع مبادئ الاقتصاد الدائري. كما أكد أن المشروع يشكل رافعة مهمة لتقليص البصمة الكربونية لقطاع التطهير السائل، من خلال الحد من استنزاف الموارد المائية التقليدية، وتقليص الطاقة اللازمة لتعبئة المياه ونقلها، وتحسين كفاءة المعالجة، وتهيئة الظروف لإدماج حلول النجاعة الطاقية والطاقات المتجددة مستقبلا، بما يعزز مساهمة الشركة في تحقيق أهداف المغرب المتعلقة بخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري والتكيف مع التغيرات المناخية.

وأشار إلى أن الغلاف المالي الإجمالي للمشروع يبلغ حوالي 905 ملايين درهم، ومن المرتقب دخوله حيز الخدمة بعد استكمال أشغال التوسعة خلال سنة 2026، ليشكل استثمارا استراتيجيا يجمع بين تعزيز الأمن المائي، وحماية البيئة، والرفع من جودة الخدمات، ودعم التحول نحو تنمية أكثر استدامة ومرونة بجهة سوس-ماسة.

وفي ختام تصريحه، أكد المدير العام أن العالم يشهد تحولا عميقا في مفهوم التنمية، حيث أصبحت حماية البيئة وترشيد الموارد والعمل المناخي عناصر أساسية في بناء المستقبل. وأضاف أن الشركة الجهوية متعددة الخدمات سوس-ماسة تنخرط في هذه الدينامية بروح المسؤولية والابتكار، انطلاقا من قناعة راسخة بأن المرفق العمومي يؤدي دورا محوريا في تحقيق التنمية المستدامة. وأعرب عن تطلع الشركة إلى أن تشكل الحصيلة الكربونية لبنة إضافية في بناء مؤسسة أكثر كفاءة ومرونة واستدامة، تسهم في تحقيق أهداف المغرب المناخية وتعزز مكانة جهة سوس-ماسة كنموذج في الحكامة البيئية، بما يخدم المواطن ويحفظ حقوق الأجيال القادمة.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

يوم تجاوز موارد الأرض لعام 2025 يصادف 24 يوليو

تصحيح أكبر إخفاقات السوق البشرية شبكة بيئة ابوظبي، جنيف، سويسرا، 25 يوليو 2025 يصادف الرابع …

اترك تعليقاً