شمس أبو سمبل… درس في فهم الطبيعة وصون التراث

عمارة تستجيب لحركة الشمس، وسياحة مسؤولة تحمي الأثر وتدعم أهل المكان

شبكة بيئة ابوظبي، الدكتور قاسم زكي (*) أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، جمهورية مصر العربية، 07 أكتوبر 2026

موعد مع الضوء
في فجر الثاني والعشرين من أكتوبر، تتجه الأنظار إلى مدينة أبو سمبل في جنوب مصر، حيث تتسلل أشعة الشمس عبر مدخل معبد رمسيس الثاني الكبير وقاعاته، حتى تبلغ قدس الأقداس، فتضيء تمثال الملك واثنين من تماثيل المعبودات، بينما يبقى تمثال بتاح خارج الإضاءة المباشرة. وتتكرر هذه الظاهرة في الثاني والعشرين من فبراير. وفي هذا اللقاء بين الضوء والحجر، نجد مدخلًا للتأمل في علاقة الإنسان ببيئته الطبيعية: كيف يراقبها ويفهمها، وكيف يوظف معرفته بها في العمارة، وكيف يصون ما تركته الأجيال السابقة دون أن يثقل على المكان الذي يحتضنه.

لا تنحصر قيمة المشهد في دقائق ينتظرها المصورون والسائحون؛ فهو يفتح نافذة على طريقة المصري القديم في فهم المكان ومراقبة السماء وتوظيف المعرفة داخل بناء يحمل معنى دينيًا وسياسيًا وفنيًا. هنا تصبح الشمس جزءًا من التجربة المعمارية، ويغدو الضوء عنصرًا من عناصر التعبير، مثل النقش والتمثال واللون. ومن منظور بيئي، يدعونا المشهد إلى الانتباه إلى خصائص الموقع قبل البناء فيه، وإلى قراءة علاقة المنشآت بالأفق والضوء والتضاريس.

عمارة تقرأ حركة الشمس
أمر رمسيس الثاني، من ملوك الأسرة التاسعة عشرة، بنحت معبده الكبير في الجبل. وتتصدر واجهته أربعة تماثيل ضخمة للملك، بينما يقود الداخل الزائر تدريجيًا إلى الحجرة الأكثر قداسة. وإلى جواره يقوم المعبد الصغير المكرس لحتحور ونفرتاري، حيث تظهر تماثيل الملكة على الواجهة بحجم مماثل لتماثيل زوجها، في تصوير لافت لمكانتها.

ولفهم وصول الشمس إلى عمق المعبد، علينا أن ننظر إلى اتجاه محوره، وموضع شروقها على الأفق، وشكل الفتحات وتتابع القاعات. فموضع الشروق يتغير خلال العام بسبب ميل محور الأرض وحركتها حول الشمس؛ وعندما يقترب اتجاه الأشعة من اتجاه محور المعبد، يستطيع الضوء أن ينفذ إلى داخله.

وهكذا يمكن تفسير الظاهرة بقوانين الطبيعة، مع بقاء الإعجاب بمهارة من وظفوها. فالبناء في الصخر يحتاج إلى تصور سابق للمسار والأبعاد، وإلى تنظيم العمل على نحو يجعل الفضاء الداخلي منسجمًا مع الغرض الذي أُنشئ من أجله. ويمكن للقارئ المعاصر أن يستلهم من ذلك قيمة دراسة الموقع وتوجيه المباني بعناية، مع مراعاة اختلاف وظيفة المعبد عن وظائف المباني الحديثة؛ فالاصطفاف الشمسي وحده لا يكفي للحكم على كفاءة مبنى بيئيًا أو على استهلاكه للطاقة.

العلم يزيد المشهد جمالًا
شاع وصف الظاهرة بأنها «تعامد الشمس»، وهو الاسم المستقر في التداول السياحي والثقافي. والمقصود عمليًا هو اصطفاف أشعة الشروق مع محور المعبد بما يسمح بوصولها إلى قدس الأقداس؛ فلا يعني التعبير أن الشمس تكون عمودية فوق أبو سمبل.

ويستحق المشهد شرحًا يجمع الدقة وسهولة الفهم. يستطيع المرشد أن يبين للزائر كيف يتغير موضع الشروق، ولماذا يصل الضوء إلى الحجرة الداخلية في هذه الفترة، وكيف تتداخل هندسة المعبد مع المشهد الديني الذي يقدمه. ويمكن للمدارس والجامعات والمؤسسات الثقافية أن تتخذ من المناسبة مدخلًا للتعليم البيئي، يربط مراقبة الظواهر الطبيعية بفهم المكان، ويشجع الطلاب على الملاحظة وطرح الأسئلة والتمييز بين الدليل والرواية الشائعة.

ومن الضروري أيضًا التمييز بين الرصد والتفسير. فمشاهدة إضاءة التماثيل أمر قابل للتوثيق، أما تحديد الدافع الأصلي لاختيار أيام بعينها فيحتاج إلى أدلة تاريخية وأثرية. وتحتاج الرواية المتداولة التي تربط الموعدين بميلاد رمسيس الثاني وتتويجه إلى توثيق قبل تقديمها باعتبارها حقيقة محسومة. إن احترام حدود المعرفة يزيد ثقة القارئ في تاريخنا.

حماية التراث في مشهد متغير
يحمل أبو سمبل قصة ثانية لا تقل إثارة عن بنائه: قصة إنقاذه من المياه التي هددت موقعه مع إنشاء السد العالي. ففي عام ١٩٦٠ انطلقت حملة اليونسكو الدولية لإنقاذ آثار النوبة، وجمعت خبرات أثرية وهندسية من دول عديدة في مشروع استثنائي لحماية تراث إنساني مشترك.

وبدأ نقل معبدي أبو سمبل عام ١٩٦٤، واكتمل المشروع بافتتاحهما في موقعهما الجديد عام ١٩٦٨. وشمل العمل تفكيك البناء الصخري وإعادة تركيبه على أرض أعلى، داخل تكوين يحافظ على هيئة الجبل والمعبد.

وكان الحفاظ على اتجاه المعبد جزءًا بالغ الأهمية من عملية النقل؛ فصون الأثر يشمل العلاقات التي تمنحه معناه، ومنها علاقته بالشمس. وتوثق اليونسكو استمرار وصول الضوء إلى الحجرة الداخلية مرتين سنويًا بعد إعادة البناء. وتذكرنا التجربة بأهمية دراسة آثار المشروعات الكبرى على المواقع التاريخية ومحيطها قبل التنفيذ، والتخطيط لحمايتها بخبرات متعددة. فقرار الإنقاذ لا يتعلق بالأحجار وحدها، بل بمعرفة الموقع وتوثيقه والحفاظ على قيمته الثقافية قدر الإمكان.

من المشاهدة إلى الكتاب
وقد شغلتني هذه الظاهرة طويلًا، فخصصت لها كتابي «تعامد الشمس على معبد أبو سمبل»، الذي صدر في ثلاث طبعات: الأولى عام ٢٠١٩، والثانية عام ٢٠٢٠، والثالثة عام ٢٠٢٥. كما تناولتها بالإنجليزية في كتاب The Solar Alignment at Abu Simbel، لتصل قصة هذا الأثر المصري إلى القارئ خارج المجال العربي.

وكان تعاقب الطبعات فرصة لمراجعة المادة وتوسيعها، وإضافة الصور والمراجع والموضوعات المرتبطة بالمعبد ورمسيس الثاني. فالكتاب عن أثر حي في الوعي العام يحتاج إلى متابعة المعرفة وتصحيح الروايات، وإلى وصل التفاصيل الأثرية بالأسئلة التي يطرحها الزائر والقارئ.

ومن خلال الكتاب بالعربية والإنجليزية، سعيت إلى تقديم أبو سمبل بوصفه مدخلًا لفهم حضارة: كيف فكرت، وكيف بنت، وكيف عبّرت عن معتقداتها، وكيف أصبح الحفاظ على تراثها مسؤولية تتشارك فيها مصر والعالم. وتزداد هذه المعرفة قيمة حين تساعد القارئ على إدراك صلة الأثر بمحيطه الطبيعي، وعلى احترام المكان أثناء زيارته، والمشاركة في حماية ما يحمله من ذاكرة.

زيارة مسؤولة تحمي المكان
يمنح تعامد الشمس فرصة لتطوير سياحة ثقافية تراعي قدرة الموقع وخدماته على استقبال الزوار. ويمكن أن تشمل الزيارة عروضًا مبسطة عن حركة الشمس وقصة نقل المعبدين وتاريخ النوبة، مع مواد تعريفية دقيقة بلغات متعددة. ومن الخطوات العملية تنظيم تدفق الزائرين، والالتزام بالمسارات وتعليمات المختصين، وتوفير وسائل لجمع المخلفات، وتقليل المنتجات ذات الاستخدام الواحد. وتساعد إدارة النقل والخدمات بعناية على الحد من الازدحام والهدر، على أن تستند القرارات إلى ظروف الموقع واحتياجات حمايته.

كما يستطيع المجتمع المحلي أن يقدم للزائر جانبًا من ثقافته وفنونه وحرفه، فتعود قيمة المناسبة على أهل المكان من خلال فرص العمل والخدمات والمنتجات المحلية. وتستحق هذه المشاركة أن تكون جزءًا من التخطيط للسياحة، مع مراعاة الاستخدام الرشيد للمياه والطاقة في الخدمات المصاحبة، وحماية نظافة المحيط. وللإعلام البيئي، ومنه شبكة بيئة أبوظبي، دور في وصل المعرفة بالأثر بسلوك الزائر، وشرح كيف تتكامل حماية التراث مع العناية بالبيئة ومصالح المجتمع المحلي.

عندما تضيء الشمس قدس الأقداس، نتأمل قدرة الإنسان على تحويل الملاحظة إلى معرفة، والمعرفة إلى بناء يستمر عبر القرون. ويمنحنا أبو سمبل فرصة للتفكير في قراراتنا اليوم: كيف نبني مع فهم أعمق للمكان، وكيف ننظم الزيارة دون تحميل المواقع أعباء تتجاوز قدرتها، وكيف نجعل حماية التراث مسؤولية مشتركة؟ إن الاحتفاء بهذا المشهد يكتمل بمعرفة موثقة، وزيارة واعية، وإدارة تصون الأثر ومحيطه وتمنح أهل المكان نصيبًا من منافعه.

(*) الدكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة – جامعة المنيا، والرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية، أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، القاهرة، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، ومن مؤسسي المجلس العالمي للنبات، وعضو اتحاد كتاب مصر واتحاد الآثاريين المصريين والرابطة العربية للإعلاميين العلميين

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

من الخيال العلمي إلى مجال بحثي متقدم..

واحات النجوم الصينية تمهد لطريق الاستدامة على القمر الحديقة الفضائية تجمع بين التقنية الحيوية والهندسة …

اترك تعليقاً