المُواطَنة والتربية والسلوك الحضاري”
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم د. حسن بحمد، الإمارات العربية المتحدة، 12 أغسطس 2026
عندما نعود بالذاكرة إلى فترة انتهاء الحرب العالمية الثانية في أواسط أربعينيات القرن الماضي، يمثل أمامنا العديد من نماذج الدول التي نفضت عنها ويلات الحرب بالتصميم والإرادة والعمل الجاد، وأعادت بناء ذاتها واقتصادها لتصبح من أهمّ الدول تطوّراً، ويكفي في هذا المجال ذكر ألمانيا واليابان.
يتساءل أيّ منّا: كيف استطاعت هاتان الدولتان اللّتان خسرتا الحرب ودُمّرتا بشرًا وحجرًا واقتصادًا بشكل شبه كامل، أن تنهضا خلال وقت ليس بطويل، وتحتلاّ أولى مراكز التطوّر والتقدّم عالميًّا؟!.. لكن إن علمنا قيمة الدور الذي لعبته المُواطَنة في هاتين الدولتين، لعرفنا الجواب بسهولة، ولأدركنا أيّ فعل تستطيع أن تفعله المُواطَنة إن وُجدت لدى شعب من الشعوب.
نرى في عصرنا الحالي الكثير من الدول المتخلّفة، على الرّغم من توفّر الإمكانيّات الماديّة لدى العديد منها، والتي تساعد على تطوّرها، وبالمقابل، نرى دولاً ذات إمكانيّات ماديّة محدودة، وتنافس أرقى الدول في التطوّر والتقدّم. العبرة هنا ليست في وجود الأموال والثروات؛ بل في بروز المُواطَنة لدى شعوب هذه الدول.
إنّ مقوّمات المُواطَنة ترتبط بالسلوك الحضاري الذي يتحلّى به الفرد في مجتمعه، لذلك فإنّ أبرز مظاهر وأسباب تخلّف الدول يعود إلى ضعف إحساس مواطنيها بالمسؤوليّات والواجبات تجاهها، وإلى النقص في تربيتهم على المُواطَنة، فيردّدونها كشعار فارغ من معناه دون أن يترجموها في سلوكهم اليومي، ويتّخذون من الأنانيّة والمصالح الخاصّة نهجاً على حساب المصلحة العامّة، وينهشون ما يوفّر لهم الوطن من خيرات وخدمات دون أن يساهموا في أيّ عمل لصالحه، ومن هؤلاء من يتهرّب من دفع الرسوم والضرائب، أو يتعمّد الغش في نشاطه المهني، ومنهم من يستغل وظيفته أو نفوذه كموقع للرشوة والمحسوبيّات، أو من ينهب المال العام، أو يُلحق الضّرر بثقافة مجتمعه وتراثه وتقاليده، وغيرها من الأمور التي تُضعف الوطن ولا تدفعه إلى ركب الحضارة والتطوّر، فتتراكم أزماته بدل التفتيش عن حلول لها، وتزداد مشكلاته ليصبح التخلّف وعدم التقدّم ملازماً لمسيرته.
ممّا لا شكّ فيه أنّ المواطن يتعلّق بالفطرة بوطنه، وهو تعلّق عاطفي يبقى معرّضًا للضعف إذا لم يقترن بالوعي وفهم مقوّمات المُواطَنة، وهذا لا يتوفّر إلاّ باكتساب التربية والتعلّم والتأهيل، والذي يبدأ بالأسرة، مروراً بالمدرسة ووسائل الإعلام والثقافة، وصولاً إلى المجتمع، بحيث تتكامل أدوار هذه الجهات لتحقّق الأهداف المتمثّلة بالتوعية حول أهميّة المُواطَنة.
لم يصل الغرب إلى مراتب التطوّر من فراغ، فمعظم دوله اتّخذت مبدأ التربية على المُواطَنة نهجًا، وأعطته الأولويّة في استراتيجيّاتها، ونرى ذلك أيضًا في بعض دول الشرق، ولعلّ دولة الإمارات العربية المتحدة هي مثال على ذلك (هذا ما سنتعرّف إليه في الفصل الثالث). فبالتوقّف مثلاً عند الاتّفاقية الدولية لحقوق الطفل التي اعتُمدت في العام 1989، نرى أنّ الهدف من إلحاق الأطفال بالمدارس لا يقتصر على تلقّيهم العلم والمعرفة فقط؛ بل تربيتهم على المُواطَنة أيضًا، وتحضيرهم للمشاركة الفاعلة في المستقبل لخدمة وطنهم، وتزويدهم بالمهارات التي تؤهّلهم لتحمّل المسؤوليّات في مختلف المجالات، وإعدادهم للمساهمة الإيجابيّة في تطوير مجتمعهم نحو الأفضل (1).
تبدأ التربية على المُواطَنة بتنشئة الفرد اجتماعيًّا لأنّ ذلك يُعتبر من الأساسيّات في حياة أيّ إنسان، حيث تساهم هذه التنشئة في بلورة مقوّمات الشخصيّة، فيتحوّل الشخص من مجرّد مخلوق عاجز أو ضعيف إلى آخر فاعل في مجتمعه، ومن إنسان يعتمد على غيره في المراحل الأوليّة من عمره، إلى آخر واثق من نفسه ويعتمد عليها، ومستقل وإيجابي ومزوَّد بالكثير من المفاهيم والقِيم والتقاليد السائدة في المجتمع. وتلعب الأُسرة هنا الدور الأساسي والأقوى والأكثر تأثيرًا في هذه التنشئة؛
فهي التي تحتضن الطفل منذ بداية حياته، فتساعده على بناء مقوّمات شخصيّته وسلوكه، وتزوّده بالقِيم، ويتطوّر هذا الأمر مع تقدّم المراحل العمريّة إلى المدرسة والمجتمع ومختلف المؤسّسات الاجتماعية. وعليه، تُعتبر التربية على المُواطَنة مسلكًا مهمًّا من مسالك البناء في الوطن، وعاملاً مصيريًّا ترتبط به مسيرته التنمويّة حاضرًا ومستقبلاً، وعمليّة متواصلة لتعميق الشعور بالواجب تجاهه والانتماء إليه والاعتزاز به، وغرسًا دائمًا لحبّ النظام والاتّجاهات الوطنية والأخوّة والتعاون والتفاهم بين أفراد المجتمع، وتعريفًا أكثر على مؤسّسات الوطن ومنظّماته الحضاريّة (2).
المرجع:
(1): منبر عبد القادر العلمي، المواطنة مفهومها ومقوّماتها، الموقع الإلكتروني لديوان أصدقاء المغرب، 9/7/2011.
(2): الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية والاستراتيجية، قسم مدخل علم السياسة والفكر السياسي، 7/3/2017.
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز