فصول من كتاب «الوطنيّة والمُواطَنة، الإمارات نموذجاً» (13 – 30)

دور الأسرة دور المدرسة في التربية المُواطَنة

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم د. حسن بحمد، الإمارات العربية المتحدة، 13 أغسطس 2026

إنّ التربية على المُواطَنة هي حصيلة جهود مشتركة تقوم بها مؤسّسات المجتمع الرسميّة وغير الرسميّة، وهي في جوهرها تربية على المسؤوليّة، حيث تجعل المواطن متحمّلاً لها بالكامل تجاه وطنه، ومشاركًا بفعاليّة في بناء مجتمعه. ويبقى للأسرة وللمدرسة الدور الرئيس في هذه التربية، فما هو دورهما؟

الأسرة هي المحيط الأوّل الذي ينشأ فيه الطفل ويبدأ من خلالها في التعرّف إلى ذاته والانطلاق إلى إشباع حاجاته العضويّة والاجتماعيّة عن طريق تفاعله مع باقي أفرادها، بدءًا من أمّه فوالده وأخوانه وأخواته، فتبدأ عندها عمليّة تنشئته الاجتماعيّة بتكوين شخصيّته ومعرفة انتمائه وهويّته الإنسانيّة والوطنيّة، وإعداده نفسيًّا وعاطفيًّا واجتماعيًّا من خلال تعويده على الأسس السليمة للحياة والعمل في المجتمع وتزويده بالمهارات التي يحتاجها، ويؤسّس ذلك إلى انتمائه في مراحل متقدّمة من عمره إلى بيئته الأوسع: مجتمعه ووطنه. وأبرز ما يمكن أن تقوم به الأسرة تجاه أبنائها، التالي:

تأصيل القِيم والأخلاق فيهم، وتربيتهم على السلوك الإنساني والراقي وحب الآخرين والتعاون والتكافل معهم ومشاركتهم مشكلاتهم والعمل على حلّها، وغرس روح المبادرة لعمل الخير(1).

زرع الوعي لديهم عن تاريخ وطنهم وتراثه وإنجازاته المختلفة.
• تعزيز حب الوطن في نفوسهم والشعور بشرف الانتماء إليه والعمل من أجل تقدّمه وتطوّره.
• تعويدهم على الافتخار بعلَمهم ونشيدهم الوطني وحبّ المناسبات الوطنيّة الهادفة والمشاركة فيها والتفاعل معها، كما المشاركة في نشاطات المؤسّسات الأهليّة وإسهاماتها في خدمة المجتمع، كالمشاركة في المهرجانات الوطنيّة المختلفة التي تعكس تعاون المجتمع.
• تعزيز مبدأ الالتزام بالنظام واحترام القانون في نفوسهم، والتعاون مع أجهزة الدولة.
• ترسيخ مبدأ الاستعداد الدائم للدفاع عن الوطن ضدّ كلّ معتدٍ عليه، والتضحية في سبيله.

ولتحقيق هذه الأمور، يمكن للوالدين اغتنام كل فرصة للحديث المباشر مع أبنائهم عن المُواطَنة الصالحة، وسرد القصص حولها، وترديد الأناشيد التي تدعو إلى خدمة الوطن، وتزويد مكتبة المنزل بالكتب والتسجيلات الصوتيّة المتعلّقة بتعزيز مفهوم المُواطَنة، ومشاركة الأبناء في رسومات عن منجزات الوطن، واصطحابهم إلى الأماكن والمرافق المتعلّقة بتاريخه وجغرافيّته وهويّته وثقافته وتراثه كالمتاحف وغيرها، وتطبيق احترام قواعد أنظمة الأمن والسلامة والمرور أمامهم، وتعريفهم بالرموز الوطنيّة، ومرافقتهم في الزيارات الاجتماعيّة في الأفراح والأتراح.

ترتكز التربية على المُواطنة في المدرسة على مبدأ أساسي وهو أنّ التعليم حقّ لكلّ طفل، والمساواة وتكافؤ الفرص متاحان لجميع أبناء الوطن. وتعتمد المدارس المناهج المرتبطة بالمحيط الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، ولا تقتصر على تزويد المتعلّمين بالمعرفة والمهارات فقط؛ بل يتعدّى ذلك إلى ترسيخ قِيم المُواطَنة لديهم بالتربية، وتنشئتهم على تحمّل المسؤوليّة والعمل الجماعي والابتكار والمبادرة والمناقشة والتحليل والحوار والابتعاد عن العنف، ويبرز ذلك في أسلوب تعاطي المعلّمين معهم (2).

إنّ المدرسة تمثّل البنية الاجتماعيّة للوطن، والوسط الثقافي المرتكز على تقاليد المجتمع، وأهدافه، وفلسفته، وقوانينه. وهي تؤثّر في الطفل وتعدّل في سلوكه وتمنحه المعلومات المختلفة، نظرًا لبقائه فيها لسنوات طويلة. لذلك، فهو يتربّى على المُواطَنة من خلال مجموعة من القِيم والمعرفة تعدّه كي يصبح مواطنًا صالحًا، ومن خلال تعويده على المسؤوليّة النقديّة التي ترتكز على الاستعلام وحل المشكلات وترسيخ مبدأ النظام، والتربية على التعايش السلمي ونبذ العنف والتعصّب بشتّى أشكاله، وتثبيت ثقافة الحوار واحترام الآخر، ما يُكسبه مقوّمات التنشئة التي تجعله يؤمن بوطنه وانتمائه إليه، وفي الوقت ذاته بالإنسانية وانفتاح الحضارات العالميّة (3). وعليه، فالمدرسة تتحمّل المسؤوليّات التالية:

– تزويد الطلاّب بالمهارات اللازمة لفهم الحقوق والواجبات وفهم المسؤوليّة المشتركة.
– تعويدهم على أسلوب التعامل مع وجهات النظر المختلفة واحترامها، وطرق حلّ الخلافات بالطرق السلميّة.
– تطبيق النظام والمحافظة عليه ليصبح جزءًا لا يتجزّأ من شخصيّاتهم وأسلوب حياتهم وسلوكهم اليومي.
– ترسيخ ثقافة لديهم تقوم على مبدأ التعايش والتعاون والتسامح مع الآخرين (4).
– غرس قِيم الانتماء إلى الوطن في نفوسهم، والاهتمام بما يحدث فيه من مشكلات وإنجازات، والتفاعل معها ومع هموم أبناء مجتمعه.
– تحفيزهم على المبادرة وتفضيل المصلحة العامّة على المصالح الشخصيّة.
– تربيتهم على السلوك الجيّد والأخلاق الحميدة، واحترام عادات وتقاليد المجتمع (5).

المرجع:
(1): منبر عبد القادر العلمي، المواطنة مفهومها ومقوّماتها، الموقع الإلكتروني لديوان أصدقاء المغرب، 9/7/2011.
(2): الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية والاستراتيجية، قسم مدخل علم السياسة والفكر السياسي، 7/3/2017.
(3): المرجع السابق.
(4): محمد عباس محمد، تنمية سلوك المواطنة والوطنية لدى الأطفال، موقع كنانة أونلاين الإلكتروني، التنمية والطفولة، 11/5/2010.
(5): د. عبدالله بن ناجي آل مبارك، قراءة في مفهوم الانتماء الوطني، جريدة الرياض السعودية، العدد 13338، 30/12/2004.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

فصول من كتاب «الوطنيّة والمُواطَنة، الإمارات نموذجاً» (09 – 30)

  أُسس وخصائص المُواطَنة والقضايا الاجتماعية والسياسية.. شبكة بيئة أبوظبي، بقلم د. حسن بحمد، الإمارات …

اترك تعليقاً