فصول من كتاب «الوطنيّة والمُواطَنة، الإمارات نموذجاً» (14 – 30)

الأبعاد الوطنيّة لتاريخ الإمارات العربيّة المتّحدة

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم د. حسن بحمد، الإمارات العربية المتحدة، 14 أغسطس 2026

“إماراتي وأفتخر”.. ليس شعارًا من فراغ؛ بل هو نتاج قرون طويلة من العزّة والكرامة والشّموخ والتضحية والتعاضد والجهد، عايشه الأجداد، ودافع عنه الآباء، وصانه الأبناء، ويحمله الأحفاد. قرون طويلة تبدّل خلالها الطّامعون، وانكفأ المعتدون، لكنّ الأرض بقيت، وبقي شعبها متجذّرًا فيها وفي تاريخه وثقافته، فترسّخ انتماؤه إليها، وتثبّتت هويّته فيها، وكان نموذجًا يُحتذى به لأصدق معاني الوطنيّة، وأصبح اليوم مثالاً للمُواطَنة الحقيقيّة.

إذا كانت أُولى معاني الوطن ترتبط بالمكان الذي يستقرّ فيه الإنسان، فإنّ الإمارات العربية المتّحدة شكّلت وطنًا ثابتًا لمجموعة بشريّة استقرّت فيه منذ العام 7000 قبل الميلاد، حيث اكتُشفت في جزيرة “دلما” المقابلة لسواحل إمارة أبوظبي، آثار أقدم مكان استقرّ فيه بشر في منطقة غربي الخليج، تعود إلى ذلك التاريخ(1). وأثبتت الاكتشافات أيضًا، أنّ مجموعات بشريّة اتّخذت من هذه البقعة الجغرافيّة مستقرًّا لها في العصرين الحجري والبرونزي، حيث اكتُشفت قرى ومدافن معظمها في المناطق الساحليّة للإمارات(2). كما اكتُشفت بقايا سيوف ورقائق وصفائح معدنيّة وأنصال ومدافن جماعيّة تعود إلى الأعوام ما بين (3200 – 2700 ق. م.)، في جبل “حفيت” عند الحدود مع سلطنة عُمان، وفي جبل “الأملح” الذي وُجدت فيه أيضًا آثار تعود إلى عصر ما قبل الإسلام (240 م – 635 م)(3)، ما يؤشّر إلى أنّ تلك الأرض لم تكن مجرّد مكان لمجموعة بشريّة عابرة؛ بل مستقرًّا لها منذ القِدم.

إنّ جغرافيّة دولة الإمارات العربية المتّحدة شكّلت موطنًا آمنًا ومزدهرًا للسكّان الأوائل فيها، ولعلّ ما شهدته المنطقة بين القرنين السابع والعشرين والعشرين قبل الميلاد، خير دليل على ذلك، حيث اكتُشفت آثار في جزيرة “أمّ النار”(4) قرب ساحل أبوظبي، تدلّ على حضارة مزدهرة واستقرار؛ فسكّان الجزيرة في ذلك التاريخ كانوا يعملون في صهر النحاس، ويمارسون الصيد في البحر، ويقومون بالأعمال التجارية مع بلاد الرافدين (العراق حاليًّا) والهند (الهند وباكستان في الوقت الحاضر). وقد عُثر في الجزيرة على مدافن مقسّمة إلى غرف، وعلى مجوهرات وحلي ودبابيس ذهبيّة لتزيين الشّعر، وأسلحة نحاسيّة، وصنّارات للصيد، وأوانٍ فخاريّة ملوّنة مصدرها الهند، وغيرها. كذلك اكتُشفت آثار تعود إلى ما بعد هذا التاريخ في “كلباء” في إمارة الشارقة، و”شمل” في إمارة رأس الخيمة.

لم ندخل في الكثير من التفاصيل التاريخيّة في هذا الباب، ولكنّ ما عرضناه أظهر الأبعاد الوطنيّة لتاريخ الإمارات العربية المتّحدة، حيث لمسنا أنّ مفهوم الوطن وُجد في هذه البقعة الجغرافية منذ آلاف السنين، بوجود العناصر الثلاثة التي ترسّخ هذا المفهوم: الشعب والإقليم والسلطة. كما أنّ التعلّق العاطفي والوجداني للمجتمع بهذا الوطن منذ القدم، وتمسّكه بانتمائه وولائه له وبهويّته وعاداته وتقاليده، وقلقه الدائم على مصيره ومستقبله، وعمله المتواصل لصون مصالحه، والالتزام بمبدأ التضامن مع مَن يعيش معه في كنفه، ودفاعه عنه والتضحية من أجله حتى بحياته، كلّها تثبت مفهوم الوطنية الذي كان سائدًا منذ نشوء هذا الوطن، وما البطولات التي سُطّرت في محطّات تاريخيّة متعدّدة في وجه مستعمر هنا وطامع هناك، أو الأحلاف التي جمعت شيوخ الإمارات لصون الوطن والدفاع عنه بكلّ الوسائل، إلاّ الدليل القاطع على المعاني الغنيّة بالوطنية والانتماء والولاء، وهذا أقلّ ما يمكن أن يُقال فيه “إماراتي وأفتخر”.

المراجع:
(1): الإمارات، جريدة الشرق الأوسط، 8/6/2013.
(2): لمحات من التاريخ القديم، كتاب الإمارات السنوي، 8/6/2013.
(3): العصر البرونزي، متحف العين.
(4): حضارة أم النار، متحف العين.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

فصول من كتاب «الوطنيّة والمُواطَنة، الإمارات نموذجاً» (10 – 30)

المُواطَنة مفاهيم وأسس وأبعاد.. شبكة بيئة أبوظبي، بقلم د. حسن بحمد، الإمارات العربية المتحدة، 10 …

اترك تعليقاً