فصول من كتاب «الوطنيّة والمُواطَنة، الإمارات نموذجاً» (15 – 30)

موقع الإمارات العربيّة المتّحدة وعلاقته بمفهوم الوطنيّة

شبكة بيئة أبوظبي، بقلم د. حسن بحمد، الإمارات العربية المتحدة، 15 أغسطس 2026

لا يستطيع أيّ فرد فهم سلوكيّات مجتمعه وقيمته الوطنيّة، إلاّ بالعودة إلى تاريخ هذا المجتمع وقراءته من مختلف الجوانب، والتعرّف من خلاله إلى تفاعل الأجداد والآباء مع بيئتهم، وما قدّمت إليهم هذه البيئة من قوانين وأنظمة حمتهم وساعدتهم على المضيّ نحو الأفضل، وما رسّخت في نفوسهم من قِيم وعادات وتقاليد صلّبتهم ومكّنتهم من الوقوف على أرضيّة صلبة للدفاع عن حقوقهم وحماية وجودهم وهويّتهم. فعلى أيّ فرد أن يفهم أنّ ما وصل إليه اليوم مجتمعه ووطنه لم يأتِ من فراغ؛ بل هو نتيجة تراكمات وتجارب وتضحية متواصلة لترسيخ مبدأ الوطنيّة التي من دونها يزول الوطن.

لقد شكّلت دولة الإمارات العربية المتّحدة مع باقي دول الخليج منذ القِدم، وجهةً للطامعين والمستعمرين، وموقعًا للتنافس العسكري والاقتصادي بين الإمبراطوريات والدول؛ فمنطقة الخليج العربي تُعتبر من أهمّ المناطق الاستراتيجيّة في العالم، حيث تجلّت أهميّتها عبر العصور المختلفة من خلال موقعها الجغرافي المتميّز الذي يشكّل نقطة وسط بين الشرق والغرب، وهذا ما جعلها مركزًا مزدهرًا للملاحة بين موانئها وموانىء المحيط الهندي، وممرًّا مائيًّا تلتقي فيه أهمّ طرق المواصلات الدوليّة، والذي توزّع على ضفافه الشرقيّة والغربيّة العديد من المدن والموانىء التي كانت بمثابة مراكز لنقل السلع وتوزيعها، بالإضافة إلى كونها إمارات لها هويّتها العربيّة الخاصّة المتميّزة عن باقي الهويّات.

إنّ هذا الموقع الاستراتيجي أثار أطماع الدول والإمبراطوريّات، ما جعل المنطقة تتعرّض للغزوات الاستعماريّة المتعدّدة، لاسيّما من قبل دول أوروبا التي عملت على تثبيت وجودها وقوّتها فيها، لمحاذاتها أطراف الإمبراطوريّة الهنديّة من جهة، ولأنّها تشكّل جسرًا يربط أوروبا بالشرق الأقصى من جهة أخرى(1).

لقد أثبتت وثائق برتغاليّة رسميّة أنّ البرتغال عند استعمارها منطقة الخليج، فرضت نوعًا جديدًا من التعامل التجاري في المحيط الهندي اعتمد على الإكراه والقوّة العسكريّة لإبعاد التجّار المسلمين عن المنطقة، فتمّ إجبار ملوك الهند على طرد أولئك من المدن الخاضعة لنفوذهم، بالإضافة إلى احتكار عرض سلع الشرق الأقصى في أوروبا وتعويض الجهات التي كانت تقوم بذلك، ولهذا سيطر البرتغاليّون على البحر وانتزعوا المنطقة تلو الأُخرى من السكّان العرب المسلمين في الخليج(2).

إنّ ما قام به المستعمر البرتغالي جعل شيوخ الإمارات في منطقة الخليج وأبناء المجتمع العربي الإسلامي فيها، قلقين على مصيرهم ومصير الوطن ومستقبله، ممّا دفعهم إلى اعتماد شتّى الوسائل التي تصون هذا المصير، وكانت التضحية عنوانًا لهم لحماية مصالح المجتمع والمحافظة على هويّته وانتمائه وإنجازاته، فبرزت مقاومتهم للمستعمر، وتجلّت في معارك عدّة متفرّقة لطرده وتصويب بوصلة وجودهم من جديد، ونجحوا بعد أن كرّسوا وحدتهم بالفعل، مسطّرين أسمى معاني الوطنيّة.

إنّ الموقع الجغرافي للإمارات العربية المتّحدة، وما مثّله من تحدّيات في تلك الحقبة من الزمن (ولا يزال)، أظهر علاقته الإيجابيّة بمفهوم الوطنيّة، حيث إنّ شيوخها وأبناءها أخلصوا لالتزاماتهم وواجباتهم تجاهها، فأثبتوا نقاوة أصولهم وتجذّرهم تاريخيًّا في تلك الأرض، واستشفّوا رؤية واضحة لمستقبلهم الذي كان على وشك التدمير على أيدي البرتغاليّين، وصانوا هويّتهم من خلال الاستفادة من التجارب المرّة التي مرّوا بها، ومن خلال الرّفض لطمس تاريخهم أو المسّ بعاداتهم وتقاليدهم، مترجمين بالفعل أصدق سمات الوطنيّة.

ولا بُدّ من التوقّف عند تلك المرحلة بما قدّمته من خبرات لأبناء المجتمع ورموزه، والتي صقلتهم وعوّدتهم على التعامل الذكي مع الصراعات، فهادنوا عند توفّر شروط المهادنة، وحاربوا عند الحاجة لصون الكرامة والوطن، وكرّسوا وحدتهم عند اقتراب الخطر من مصيرهم، وهذا كلّه ساعدهم في المراحل التي جاءت بعد طرد المستعمر البرتغالي، على الخروج من التنافس الدولي بأقل كلفة، وقد بقي أثر ذلك أعوامًا طويلة، وما زلنا نلمس نتائجه حتى اليوم.

لقد بُني اقتصاد إمارات الساحل المتصالح على الغوص لاستخراج اللؤلؤ والتجارة، مستفيدًا من موقعها الاستراتيجي عالميًّا. واستطاعت إتّفاقية السلام مع البريطانيين أن تساهم في ازدهارها الاقتصادي، لكنّ التطوّرات التي شهدها العالم مع مطلع القرن العشرين، أثّرت على هذا الاقتصاد، بدءًا من نشوب الحرب العالمية الأولى وتفكّك الإمبراطورية العثمانيّة، إلى الأزمة الاقتصادية العالميّة في العام 1929، إلى وقوع الحرب العالميّة الثانية، ولم يعد الانتعاش إلى اقتصادها إلاّ بعد ظهور النفط فيها.
جميع هذه التطوّرات أدّت إلى تغييرات اجتماعيّة أيضًا؛ ففي الفترة ما بين عامي 1918 و 1960، كانت البيئة الاجتماعيّة للمنطقة تتّجه نحو مفهوم أوضح للوطنية والمُواطَنة والدولة، فتوقّفت عن كونها منطقة قبليّة، وأصبحت واحدة من دول النفط الإقليميّة، وكانت خطوط التغيير الأساسيّة هي السائدة، باستثناء بعض الفروقات العائدة إلى عوامل محليّة(3).

إنّ التغييرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي طاولت إمارات الساحل المتصالح في القرن العشرين، خاصّةً في النصف الثاني منه قبل النشوء الرسمي لدولة الإمارات العربية المتّحدة في 2 ديسمبر 1971، وضعت اللبنة الصلبة للنمو والازدهار، لاسيّما بعد تولّي المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان إمارة أبوظبي في العام 1966، حيث اعتُبرت خطوة مباركة فتحت أبواب التطور والنمو على مصراعيها، في وقتٍ كانت دبي تتحوّل إلى ميناء تجاري نشط في ظل إدارة آل مكتوم، وتشهد الشارقة نشاطات ثقافيّة، وبقيّة الإمارات حركة تبشّر بمستقبل زاهر.

وقد جاءت هذه الصورة لتوجز مختلف المراحل التي مرّت بها البلاد عبر التاريخ؛ فلم يضعف انتماء هذا المجتمع على الرّغم من كلّ الظروف الصعبة والصراعات الدولية التي عايشها، وبقيت قوّة الروح الوطنيّة في أعماق نفوس أبنائه، وحافظ على هويّته الذاتيّة وثقافته المتميّزة بالحرص الدائم والتضحيات والاستعداد القويّ للدفاع عنهما بكل ما يملك من قوّة(4).

المراجع:

(1): محمد بن حمد الشعيلي، تاريخيّات.. أهميّة الخليج العربي وأحواله المحليّة (1)، جريدة الوطن العُمانيّة، 24/5/2015.
(2): د. أحمد بو شرب، مجلّد ترجمة 123 وثيقة برتغاليّة: “الخليج العربي والبحر الأحمر من خلال وثائق برتغاليّة 1508 – 1568″، جامعة الملك فهد،
المملكة العربية السعودية.
(3): خالد السعدون، مختصر التاريخ السياسي للخليج العربي منذ أقدم حضاراته حتى سنة 1971، جداول للنشر، بيروت، أغسطس 2012.
(4): جوليان مورثي ووكر، البحث عن النفط 1918 – 1960: رؤية شموليّة جديدة لحقائق المنطقة، ندوة حول “كتابات الرحّالة والمبعوثين عن منطقة الخليج

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

فصول من كتاب «الوطنيّة والمُواطَنة، الإمارات نموذجاً» (11 – 30)

مظاهر المُواطَنة والمعايير الوطنيّة.. شبكة بيئة أبوظبي، بقلم د. حسن بحمد، الإمارات العربية المتحدة، 11 …

اترك تعليقاً