أهميّة التُّراث في بلورة مفهومي الوطنيّة والمُواطَنة في الإمارات
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم د. حسن بحمد، الإمارات العربية المتحدة، 17 أغسطس 2026
تنقسم الآثار التاريخيّة في أيّ وطن إلى قسمين: الآثار الثابتة، وهي التي يخلّفها الأجداد من منشآت قديمة ومقابر ومساجد وحصون وقلاع وقصور وأبراج وأسوار وغيرها، والآثار المنقولة كالأدوات التي كانوا يستخدمونها في حياتهم اليومية والفنون والحِرف وأساليب التزيين والعمارة والأزياء وفنّ الطبخ وطرق الطّهي وغيرها.
وتُعتبر هذه الآثار بشقّيها تُراثًا ماديًّا، في حين يُعتبر التُّراث المعنوي (اللامادّي) كلّ ما يتكوّن من عادات الناس وتقاليدهم، وما يعبّرون عنه من آراء وأفكار ومشاعر يتناقلونها جيلاً بعد جيل، مثل الأدب الشّفوي (فنون الكلام، الأغاني، الشعر، السِيَر، الأمثال، الأساطير، إلخ..)، العادات والتقاليد (الأعياد، الاحتفالات، الألعاب، المعتقدات الدينيّة والشعبيّة، الطبّ الشعبي، إلخ..)، وفنون الأداء كالرقص والموسيقى وغيرها(1). ويُساهم هذا التُّراث المادّي والمعنوي على السّواء، في نموّ وتقدّم الأوطان، وفي ترسيخ مفهوم الوطنيّة والمُواطَنة، ونستطيع أن نؤكّد ذلك بالتوقّف عند الواقع الذي تعيشه دولة الإمارات العربية المتّحدة حاليًّا؛ حيث يتّضح لنا:
إنّ تُراث الأمارات هو رمز لمعرفة وقدرات أبنائها عبر الزّمن، والذين تناقلوه من جيل إلى آخر. وهو رمز للهويّة الإماراتيّة وللإنسانيّة المتمثّلة بخصوصيّة المجتمع الإماراتي الذي ارتبط منذ القِدم بثقافة محدّدة لم يتخلّ عنها على الرّغم من أحداث وظروف متعدّدة استهدفت هذه الخصوصيّة وحاولت إزالتها(2)، وهذا أحد العناصر الرئيسة للوطنيّة؛ فدولة الإمارات تقوم على أساسين: الأوّل، طبيعتها وموقعها الجغرافي، والثاني، أهلها الذين كانوا منذ وجودهم على هذه الأرض منفتحين على كل الحضارات والثقافات، محبّين للحياة والسلام، وكلا الأساسين ينطبقان على تعريف المنظّمة الدوليّة للثقافة والعلم والتربية “اليونسكو” للتُّراثين الطبيعي والثقافي(3).
لقد ساهم تراث الإمارات في تعزيز الروابط بين الماضي والحاضر والمستقبل، وساعد على استمراريّة المجتمع الإماراتي، وعلى تغيير هيكله باتّجاهٍ أكثر سموًّا ورفعة(4). ويكفي أن نشير في هذا الصدد إلى عمق الوعي الذي كان موجودًا لدى المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، واهتمامه المبكر بتاريخ دولة الإمارات الفتيّة، حيث كان الهمّ المتعلّق بالتشبّث بجذور الهويّة الوطنيّة والقوميّة، والانتماء للأرض، والمحافظة على إرث الآباء والأجداد، بالإضافة إلى البعد الثقافي والحضاري بالمعنى الإنساني الشامل، لا يقلّ أهميّة في استراتيجيّته المستقبليّة للبلاد، لجهة ترسيخ السيادة وضمان البقاء الحرّ، أو في أولويّاته المرحليّة لجهة التحديث والتطوير الاقتصادي وعمليّة البناء الشاملة في إطار تنموي مستدام، ولذلك كلّه وجدنا لديه منذ إعلان التأسيس وقيام الاتّحاد، همّ التنقيب عن الآثار(5)؛ فلا عجب من الاكتشافات الأثريّة النادرة على امتداد مساحة الوطن، ولا عجب أيضًا إن كان لدى الإمارات اليوم أكثر من 3100 مبنى تاريخيّاً، من بينها 600 في أبوظبي، و 550 في دبي، و 600 في الشارقة، و 50 في عجمان، و 150 في أم القيوين، و 550 في الفجيرة، و 600 في رأس الخيمة(6).
إنّ الآثار والموروثات الاجتماعيّة والتاريخيّة والعمرانيّة والحِرفيّة والعادات والتقاليد، هي من مكوّنات الهويّة الوطنيّة، والحافظة لوحدة الأمّة ونفسيّتها ومشاعرها وذاكرتها، وتمثّل بعناصرها المختلفة منجزًا حضاريًّا عظيمًا. ولشدّة الارتباط بين الهويّة والثقافة في دولة الإمارات، أضحى الإثنان متلازمين، ويتجلّيان بالتوفيق بين القديم والحديث، وبين الأصالة والمعاصرة بوعي وصدق وشفافيّة، وبتحويل التُّراث إلى قوّة فاعلة ومؤثّرة في الحاضر والمستقبل. (7).
إنّ تُراث الإمارات يحتلّ مكانة مهمّة في حياة المجتمع، لأنّه شكّل رابطًا مميّزًا بين أفراده، وزاد من مفهوم التماسك الاجتماعي ومبدأ المشاركة، كما أنّه عزّز شبكة السلام والأمان ما بين الجميع، من خلال دوره في تعزيز الثقة والمعرفة المشتركة(8)، وهذه سمة من سمات الوطنيّة والمُواطَنة على حدٍّ سواء، فنرى مثلاً أنّ أشكال التُّراث الإماراتي تتجسّد في كل الممارسات اليوميّة لأبناء المجتمع، إن كان في مجالسهم أو الأماكن العامّة والخاصّة ومنازلهم، ونلمس السلوك المشترك والمتناغم من خلال استقبال الزائر والضيف وطريقة الملبس والمأكل والمشاركة في المناسبات من أعياد وأفراح وأتراح. ويسير مبدأ المشاركة الاجتماعيّة هذا جنبًا إلى جنب مع ما تعرفه البلاد من وسائل العصر، ممّا عزّز أجواء الثقة والأمان فوق ربوعها بأكملها(9).
إنّ الدولة في الإمارات آمنت وتؤمن بأنّ الاهتمام بالتراث الثقافي غير المادي، على قدر كبير من الأهمية، مثل الفنون والرقصات والأغاني الشعبية والأهازيج والمواويل والحِرف القديمة وعادات المجالس وكرم الضيافة وأنواع الأطعمة التقليدية، وقد استطاعت أن تسجّل سبعة عناصر ثقافيّة إماراتيّة في “اليونسكو” ضمن قائمتها للتُّراث الثقافي الإنساني غير المادّي، وتمّ في هذا الإطار، إدراج ثلاثة ملفات مشتركة لتسجيل “القهوة العربية، والمجالس، والرزفة”، بعد تسجيل الصقارة ثمّ السدو والعيالة وفن التغرودة، ممّا يعكس الجهود المبذولة للمحافظة على تُراثنا الأصيل وثقافتنا العريقة؛ حيث إنّ دولة الإمارات تحتل المركز الأوّل عالميًّا في عدد الملفات الدولية المشتركة التي تمّ تسجيلها في قائمة “اليونسكو”. ويأتي إدراج هذه العناصر التُّراثية الأصيلة في القائمة التمثيلية لليونسكو، ليستكمل مسيرة طويلة من العمل والإنجاز في مجال تسجيل مقوّمات التُّراث الإماراتي وإحيائها وتوثيقها واستدامتها إرثًا حضاريًّا وثقافيًّا للأجيال المقبلة، إلى جانب تسليط الضوء عليها وتعريف العالم بها.
المراجع:
(1): لحسن أمقران، التُّراث المادّي واللامادّي والواحات، جريدة “هسبريس” الإلكترونية، 26/12/2015.
(2): د. حمد بن صراي، التُّراث وتشكيل الهويّة الوطنيّة.. لبنات راسخة ومقوّمات حضاريّة .
(3): الإمارات منبع الحضارة وقلب نابض بالثقافة وشريك أصيل في التُّراث العالمي، مجلّة سياحة الإمارات، العدد 31، 26/10/2017.
(4): المرجع رقم (2).
(5): Elsevier B. V, The Importance of the Intangible Cultural Heritage in the Economy, www.sciencedirect.com
(6): المرجع رقم (4).
(7): المرجع رقم (14).
(8): محمد وردي، منجزات البعثات الآثارية الأولى في “الكشف عن الأبجدية الأولى لتاريخ الإمارات” للدكتور منير يوسف طه، استراتيجيّة التأسيس والتجذير،
جريدة الاتحاد الإماراتية، 12/12/2013.
(9): المرجع رقم (4).
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز