المدارس السياسيّة وتأثيرها على مفهوم الوطنيّة
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم د. حسن بحمد، العين، الإمارات العربية المتحدة، 04 أغسطس 2026
عبر مراحل تاريخيّة مختلفة، وخلال فترات شهدت فيها إمبراطوريات وبلدان في العالم صراعات وحروبًا داخليّة وخارجيّة، ظهرت مدارس سياسية متعدّدة نتيجة ذلك، فتعدّدت بالتالي المفاهيم حول الوطنيّة، وجاءت بمعظمها لتخدم توجّهات وأيديولوجيّات تلك المدارس التي رسمت أهدافها ومصالحها ضمن رؤية معيّنة كان ظاهرها في معظم الأحيان لا يبتعد عن المفهوم الراسخ للوطنيّة، ولكنّ باطنها كان يرتكز في الحقيقة على اجتهادات أو نظريّات تتعلّق بالحقوق والواجبات للمواطنين، أو على التعصّب والعنصريّة، أو الهيمنة والتسلّط، أو التوسّع والانتشار على حساب شعوب وأوطان أخرى، وغيرها من المسائل التي تساهم في بقاء هذه المدارس.
وعلى الرّغم من اعتبار الوطنيّة عالميًّا، فضيلة ضروريّة للمجتمع، إلاّ أنّه برزت ظواهر متعدّدة تناهضها، كظاهرة “معاداة الوطنيّة”، وهي أيديولوجيّة يعتبر مؤيّدوها أنفسهم من دعاة السّلام، ولا يحبّذون أن يكون حبّ الناس لوطنهم فقط، لأنّه يصبح من واجباتهم التضحية من أجله، وقد تؤدّي هذه التضحية إلى نشوء حروب بسبب النزاعات الجيوسياسيّة (تأثير العوامل الجغرافية على السياسة الدولية). ويجاريهم في ذلك أيضًا، من عُرفوا بـ “السلاميّون” الذين يناهضون الحرب والعنف، ويدعون إلى السلميّة أو المسالمة تبعًا لفلسفة بعض الأديان كالمسيحيّة والبوذية والهندوسيّة، وغيرها.
وإذا كانت الشعوب قديمًا قد عرفت فضائل الإخلاص والتضحية والتضامن العضوي كعناصر أساسيّة في معاني الوطنيّة، لكنّ المفهوم الحقيقي للوطنيّة هو حديث نسبيًّا، ممّا اعتبره البعض أنّه لم يصل إلى حل نظري متكامل. وعليه، فقد رأى العديدون أنّ وجود نُخَب وجماهير في الوطن الواحد يُحتّم تحديد معايير لها، وأنّ الوطنية هي التي تتحكّم بهذه المعايير، حيث يقاس مستواها بالنسبة إلى هذه الفئة أو تلك، وتؤثّر بالتالي على تقييمهم وأحكامهم على القضايا المتعدّدة في الوطن، ممّا يؤدّي إلى تفاوت مفاهيمهم بشأنها، وتمايز الرؤية فيما بينهم حول مؤسسات الوطن والقرارات السياسية فيه(1). وقد شجّع هذا التوجّه على ظهور صراعات داخليّة على السلطة، انطلاقًا من الاختلاف على مفهوم الوطنيّة، وتعدّى ذلك إلى خلاف حول الهويّة، فبرزت نظريّات تتعلّق بالقوميّة والأمميّة، وكانت بمجملها تخدم أيديولوجيّات مُحدّدة، ولعلّ الشرق الأوسط وأوروبا خير مثال على ذلك.
لقد شهد الشرق الأوسط الكثير من التداخل في المفاهيم المتعلّقة بالهوية التي تشكّل عنصرًا مهمًّا في الارتباط بالوطنيّة، وبرز ذلك في طريقة استخدام مصطلحات الوطنية والقومية، والتي اتّسمت في قسم منها بالارتباك(2)، وفي قسمها الآخر بالشوفينيّة (الاعتقاد المغالي والتعصّب لشيء والعنجهيّة في التعامل مع خلافه، والتعبير عن غياب رزانة العقل)، فبرزت قناعة لدى البعض بأنّ “القوميّة العربية” لم تكن أكثر من رخصة تتيح لمجموعة من النُّخب إرهاب خصومها. فبدلاً من ترك المزاج العام يأخذ مجراه الطبيعي ليتطوّر إلى دولة قوميّة حديثة، واصل العديد من سياسيّي الدول العربية، بدرجات متفاوتة، الحديث عن “وطن عربي” لأغراض سلطويّة (3).
واستمرّوا في توظيف “القوميّة العربية” كأداة دعائيّة بقدر كبير من الاستخفاف، على الرّغم من تخلّيهم عمليًّا عنها، وبرز ذلك كمثال، في صعود البعثيّين في العراق، الذي لم يتجاوز منح القوميّة العربية أولويّة ضمن الدولة العراقيّة، وبشكل مماثل في سوريا، حيث حاولوا التوفيق بين القومية السورية التي أُعدم منظّروها، وبين شعارات تصف سوريا بـ “قلب العروبة النابض”، وقد أدّى هذا النهج المشكّك في الشرعيّة التأسيسيّة للدول الأخرى بشكل أو بآخر، وبسيادتها، إلى نشوء واقع شاذ في الشرق الأوسط لفترة طويلة، وظهور جماعات العنف غير الحكوميّة والعابرة للقوميّات (4).
لم يكن الحال أفضل في أوروبا، فبرز التناقض في المفاهيم والمصطلحات المتعلّقة بالوطنية والقومية، نتيجة أيديولوجيّة هذه المدرسة السياسية أو تلك، أو رؤية ذلك السياسي أو ذاك. ففي حين كان القوميّون يعتبرون أنفسهم وطنيّين، إلاّ أنّ بعض سلوكيّاتهم القوميّة كانت بعيدة عن الوطنيّة، ولذلك نجد تعريفات متعدّدة طاولت المفهومين، فكتب الصحافي والروائي البريطاني المشهور “جورج أورويل” في إحدى مقالاته: “أنّ الوطنيّة إخلاص لمكان ونمط حياة محدّد، وهي دفاعيّة عسكريًّا وثقافيًّا، وفي المقابل، لا تنفصل القوميّة عن الرّغبة بالقوّة أو السلطة، حيث يسعى القومي إلى تأمين المزيد من القوّة والهيبة لأجل الأمّة أو أيّ مجموعة متكاملة اختار أن يمحي فرديّته لأجلها”(5).
واعتبر الرئيس الألماني السابق “يوهانس راو” أنّ الوطني هو من يحبّ بلاده، والقومي من يكره البلدان الأخرى. أمّا الرئيس الفرنسي الأسبق “شارل ديغول”، والذي يُعتبر بطلاً قوميًّا فرنسيًّا، فقد قال إنّ الوطنيّة هي تقديم محبّة شعبك أوّلاً، والقوميّة تقديم كراهيّتك للآخرين أوّلاً (6).
مقابل ذلك، ظهرت آراء سلبيّة عن الوطنيّة، حيث اعتبرها الأديب الإنكليزي “صامويل جونسون” الذي عاش في القرن الثامن عشر، أنّها “ملاذ الأوغاد الأخير”، فيما تحدّث الدكتاتور الروماني “نيكولاي تشاوتشيسكو” خلال محاكمته في أواخر القرن الماضي، عن “إحلال الخيانة مكان الوطنيّة”، وهذا كلّه يشير إلى تأثير السياسة والمدارس السياسيّة، والمصالح السياسيّة، على تحديد المفهوم الواقعي للوطنيّة. وتدخل في الإطار ذاته، السلطة الدينيّة وتأثيرها على مختلف المفاهيم، وهذا ما شهدته أوروبا كما الشرق الأوسط؛ فإنّ ادّعاء الدين للسيادة، سواء بشكل متكافئ أو أعلى من سيادة الدولة، نتج عنه نشوء دولة داخل الدولة، وأدّى إلى اضطراب المجتمع المدني، ومثال على ذلك، ما حدث في إنكلترا في القرن السابع عشر خلال أزمة الأحزاب الدينيّة التي لجأت إلى تفسيرات لنصوص وتقاليد مسيحيّة، وعملت على تطبيقها في مسائل مختلفة في البلاد(7). وهذا أيضًا ما تشهده إيران الآن، وما نتج عن ذلك من اضطرابات وحروب. وينطبق الأمر كذلك على الجماعات الإسلاميّة المتطرّفة التي لا تعترف بسيادة الأوطان.
المراجع:
(1): Christopher S. Parker, Symbolic versus Blind Patriotism, University of Washington – Seattle, 2009
(2): Peter Wien, Iraqi Arab Nationalism: Authoritarian, Totalitarian and Pro – Fascist Inclinations (1932 – 1941), P. 5, Routledge, 2008
(3): Tawfic Farah, Pan – Arabism and Arab nationalism: The continuing debate, P. 83, University of Michigan, 1987
(4): Efraim Karsh, Rethinking the Middle East, P. 5, Taylor & Francis
(5): George Orwell, Notes on Nationalism, 1945
(6): Louis Leo Snyder, Varieties of Nationalism: A Comparative Study, P. 42, The University of Michigan, 1976
(7): Harvey Mansfield, Statesmanship and Party Government: A Study of Burke and Bolingbroke, P. 80, University of Chicago Press
بيئة أبوظبي وسيلة إعلامية غير ربحية مسؤولية مجتمعية تملكها مجموعة نايا للتميز