فصول من كتاب «الوطنيّة والمُواطَنة، الإمارات نموذجاً» (06 – 30)

 

التعريف بالمُواطَنة ومفهومها..
شبكة بيئة أبوظبي، بقلم د. حسن بحمد، العين، الإمارات العربية المتحدة، 06 أغسطس 2026
تعدّدت تعريفات المُواطَنة وكثرت مفاهيمها ونوعيّاتها نتيجة تأثّرها بالمستوى الفكري لكل شعب من الشعوب، وبتاريخه، وتجاربه، وتقاليده، ونضجه السياسي، ورقيّه الحضاري (1).
لكنّ المُواطَنة لم تخرج عن مفهوم الوطن؛ فهي في اللغة العربية تشتق من هذه الكلمة، وصفة ملازمة للمواطن تحدّد حقوقه وواجباته، فيعرف ما له وما عليه في وطنه. وفي اللغة الفرنسية ((Citoyennete’ المشتقّة من كلمة (Cite’)، أي المدينة، وكذلك في اللغة الإنكليزية (Citizenship) المشتقّة من كلمة (City)، وجميعها يعود أصلها ومدلولها إلى عهد الحضارة اليونانية القديمة المرتبطة بكلمة (Polis)، والتي كانت تعني المدينة، باعتبارها بناءً حقوقيًّا ومشاركة في شؤونها.

وعليه، فإنّ المُواطَنة تعني الفرد الذي يتمتّع بعضوية بلد ما، ويستحق بذلك ما ترتّبه تلك العضوية من امتيازات. وفي معناها السياسي تشير إلى الحقوق التي تكفلها الدولة لمن يحمل جنسيّتها والالتزامات التي تفرضها عليه، أو مشاركة الفرد في أمور وطنه وما يُشعره بالانتماء إليه. ومن المنظور الاقتصادي الاجتماعي، يُقصد بالمُواطَنة إشباع الحاجات الأساسية للأفراد، بحيث لا تشغلهم هموم الذات عن أمور الصالح العام، فضلاً عن التفاف الناس حول مصالح وغايات مشتركة، بما يؤسّس للتعاون والتكامل والعمل الجماعي المشترك (2).

من هنا نرى أنّ علم الاجتماع عرّف المُواطَنة بأنّها مكانة أو علاقة اجتماعية تقوم بين فرد طبيعي (مواطن) ومجتمع سياسي، يقدّم فيها الأوّل الولاء مقابل تقديم الطرف الآخر الحماية، وتنظَّم هذه العلاقة عن طريق الأنظمة والقوانين. لذلك، فإنّ مفهوم المُواطَنة يتميّز بنوع خاص بولاء المواطن لوطنه، وخدمته في أوقات السلم والحرب، والتعاون مع المواطنين الآخرين عن طريق العمل المؤسّساتي والفردي والرسمي والتطوّعي، في تحقيق الأهداف التي يصبو إليها الجميع، وتُوحَّد من أجلها الجهود، وتُرسم الخطط، وتُوضع الموازنات (3).

وتفسّر “دائرة المعارف البريطانية” معنى المُواطَنة بأنّه العلاقة بين فرد ودولة كما يحدّدها قانون هذه الدولة. كذلك، حدّدت “الموسوعة الدولية” المُواطَنة كعضوية كاملة في دولة، بحيث يكون لدى المواطنين الحقوق مثل حقّ التعليم والرعاية الصحية والانتخاب، وعليهم واجبات مثل واجب الدفاع عن وطنهم. وفي “موسوعة كولير الأميركية”، تمّ تعريفها بـ “أكثر أشكال العضوية اكتمالاً في جماعة سياسية ما”. أمّا في القانون الدولي، فقد وُصفت المُواطَنة بالرابطة القانونية التي تربط شخصًا ما بدولة، ويترتّب على هذا الارتباط حقوق والتزامات متبادلة بينهما، وهي رابطة سياسية لأنّها أداة لتوزيع الأفراد جغرافيًّا بين الدول، وتجعل الشخص أحد أعضاء شعب دولة محدّدة من هذه الدول. ونرى من خلال ذلك كله، أنّ مفهوم المواطنة يرتكز على العلاقة والتفاعل بين المواطنين ودولتهم.

إذًا، الشعب المكوّن من مجموع الأفراد هو ركن أساسي من أركان الدولة، يرتبط بها قانونيًّا وسياسيًّا برابطة الجنسية، ويصبح أفراده بموجبها مواطنين يتمتّعون بالحقوق ويلتزمون بالواجبات، ويختلف من من جرّاء ذلك مركزهم القانوني في الدولة عن المركز القانوني للأجانب، خاصّة لجهة التمتّع بالحقوق السياسية وحق العمل وتملّك العقارات وأداء الخدمة العسكرية، وغيرها.

باختصار، نستطيع القول إنّ مفهوم المُواطَنة هو تاريخي شامل له أبعاد متعدّدة، منها ما هو مادّي قانوني، ومنها ما هو ثقافي سلوكي، ومنها ما هو وسيلة أو غاية يمكن بلوغها تدريجيًّا، فيصبح هذا المفهوم مرتكزًا على الخيار الذي تتّخذه مجتمعات معيّنة، عبر مراحل تاريخيّة، لتحقيق شرط وجود الدولة وما يستتبع ذلك من إقامة مجتمع وطني يقوم على اختيار إرادة العيش المشترك بين أبنائه، وشرط وجود النظام ومتطلّباته للتوازن بين الحقوق والواجبات، وبين الخاص والعام، وبين الخصوصيّات والشمول(4). وبذلك، يبقى السموّ على الحسابات الشخصيّة، هو المبدأ الروحي لمعنى ومفهوم المُواطَنة.

المراجع:
(1): بشير نافع، سمير الشميري، علي خليفة الكواري، المواطنة والديمقراطيّة في البلدان العربية، ص. 27، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2001.
(2): أندرو إدجار وبيتر سيدجويك، موسوعة النظرية الثقافية: المفاهيم والمصطلحات الأساسية، ترجمة هناء الجوهري، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2009.
(3): الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية والاستراتيجية، قسم مدخل علم السياسة والفكر السياسي، ملف شامل عن المواطنة، 7/3/2017.
(4): الموقع الإلكتروني ومجلّة ملتقى إبن خلدون للعلوم والفلسفة والأدب، تعريف المواطنة وشروط تحقّقها، 14/5/2011.

عن هيئة التحرير

شاهد أيضاً

فصول من كتاب «الوطنيّة والمُواطَنة، الإمارات نموذجاً» (02 – 30)

مفهوم الوطنيّة.. والانتماء الوطني شبكة بيئة أبوظبي، بقلم د. حسن بحمد، العين، الإمارات العربية المتحدة، …

اترك تعليقاً